مستقبل روسيا الكبرى يشغل عالم اليوم, بدءا من السبع الكبار الذين يخططون للهيمنة على العالم الى بلدان العالم الثالث المترحمين على عصر الثنائية القطبية ومساحة حرية الحركة التي كانت قائمة بالنسبة لهم ولمصالحهم. وفي الوقت الذي اصبح مصير هذه المنطقة المترامية والوسيطة مطروحا على بساط البحث فإن الانتقال من الامبراطورية الى الدولة القومية لا يعني روسيا فقط انما يعني الشرق الاوسط وايران وتركيا, بالاضافة الى اوروبا والولايات المتحدة الامريكية , قائدة الاطلسي الجديد. ومن هنا يميل المحللون المراقبون لما يحدث في روسيا من الداخل وعلى مستوى العلاقات مع دول الجوار في رابطة الكومنولث الروسي او مع الدول المستقلة حديثا عن الاتحاد السوفييتي السابق, الى ان انتظار انبعاث روسيا من رماد الاتحاد السوفييتي ربما كان بائسا لان الذين سينهضون من وسط الرماد. سوف يكونون مختلفين من حيث الحجم والرسالة, وبالذات بعد تأمل ما يجري من عدم استقرار في الداخل والخارج, ومدى عمق تدخل الدول الكبرى وعلى الاخص, الولايات المتحدة في الشأن الداخلي, بالاضافة الى ما يحدث في اطراف روسيا من حيث الاهمية الاستراتيجية, حيث تحيط التساؤلات بمدى قدرة موسكو على ادراج المناطق الحدودية في اطار متماسك. فروسيا التي نعرفها تتلاشى بسرعة كبيرة ومذهلة, فهي فاقدة لتماسكها السياسي, حتى لم يعد في وسعها ان تؤمن استقرار عملتها او ان تضع سياسة دفاعية قومية متماسكة او ان تحمي السكان من الارهاب والجريمة والمافيا والفساد, ويشير بعض المراقبين للترابط بين هذا الفساد والسلطة, ونظرة على الوضع السياسي والاقتصادي والقومي تجعلنا نتفهم ونرى المشهد اكثر, ولعل ذلك يكون عونا لنا في استشراف المستقبل الروسي. روسيا والدور الهائم: تعاني روسيا معاناة طويلة وصعبة على كافة مناحي الدور والمكانة, ولعل ذلك هو نفسه الذي يجعلها باحثة بقلق وتلهف عن عودة الدور والمكانة رغم حالات الانكسار التي وصلت لدرجة الاذلال في افغانستان والشيشان واخيرا داغستان بالاضافة الى حالة الافقاد الملتحفة بالفساد المستشري والجريمة المنظمة, والتي جاءت من جراء استيلاء الطبقة الرأسمالية الجديدة على الموارد من الادارة الشيوعية السابقة بمساعدة واسعة وقوية من مؤسسات التمويل الاجنبية (البنك الدولي ـ صندوق النقد الدولي) والدور الامريكي المتدخل في الشأن الداخلي لروسيا, ناهيك عن الدور الضاغط والمؤثر جدا للجماعات الصهيونية في الفساد واستشرائه وفي الضغط على صناعة القرار السياسي الذي وصل بالمأزق السياسي الشامل الذي وصل الى تغيير الحكومة كل فترة وجيزة من قبل الرئيس يلتسين ـ الذي استطاع عن جدارة بالتمسك بالسلطة على حساب اي شيء آخر ولو حتى روسيا, كل تلك العوامل السالبة هي بالتأكيد التي ستدفع الروس ـ كجماعة قومية في البحث عن الخلاص وعودة المكانة والدور. الاقتصاد الروسي: في غضون ايام قليلة فيما بعد السابع عشر من شهر اغسطس عام 1998 فقد الروبل الروسي الذي كان قد حقق استقرارا خلال السنوات 95, 96, 1997 اكثر من 60% من قيمته في مقابل الدولار الامريكي وارتفعت الاسعار بنسبة 50% في غضون شهرين فقط من نشوب الازمة, وانخفض الناتج الحقيقي بما يقرب من 6% في عام 1998 ومن المتوقع ان يستمر الانخفاض بنسبة مشابهة في عام 1999 وقد زادت حدة الازمة بعد الانخفاض في اسعار النفط في الاسواق الدولية في عامي 97 ـ 1998 إذ تراجعت الصادرات الروسية خاصة خلال النصف الاول من 1998 بينما استمرت الواردات في التزايد وبذلك فإن الفائض التجاري الاجمالي تلاشى تقريبا (في فترات الانتعاش مثل العام 1996 بلغ مقدار الفائض نحو 20 بليون دولار), كما تحول ميزان الحساب الجاري بالسلب في النصف الاول من 1998 ومع اعطاء الاولوية لخدمة الدين, وفي ضوء استمرار هروب رأس المال فإن سلبية الحساب الجاري كانت شرارة مؤججة للكارثة كما تراجعت اسهم السوق المتداولة بالدولة (من اكتوبر 1997 وحتى منتصف 1998) بأكثر من 90% حيث وصلت لادنى مستوى لها منذ عام 1994 وفي مايو 1998 دفع البنك المركزي في روسيا معدل اعادة التمويل بنسبة 150% للحيلولة دون هروب رأس المال ـ اذا خرج من البلاد ما يقرب من نصف بليون دولار اسبوعيا ـ في وقت بلغ فيه اجمالي ايرادات الصرف الاجنبي نحو 15 مليون دولار فحسب, وطبقا للاحصاءات فإن الالتزامات قصيرة الاجل للحكومة ممثلة في مراسيم الادخار العام الصادرة بالروبل والمعقودة من قبل غير المقيمين منذ بداية عام 1998, تجاوزت اجمالي ايرادات الصرف الاجنبي والقيمة المطلقة للدين الامني قصير الاجل غير المدفوع كانت ما بين 15 الى 20 بليون دولار آخذين في الاعتبار ان الايرادات وصلت الى 15 بليون دولار. ولم يكن ذلك الوضع الاقتصادي المأساوي سوى نتيجة لما حدث في الاتحاد السوفييتي من انهيار ومحاولات اصلاح فاشلة قادها يلتسين ورفاقه لذا كان من الطبيعي ان ترى المعارضة الجذرية لهذا النهج الاصلاحي الذي افقر الناس. ان ما تعيشه روسيا هو مأزق خانق لن تتمكن القيادة الحاكمة من الخروج منه, لانها دخلته بدفع خارجي وخيارات بعيدة كل البعد عن تاريخ روسيا وتقاليده, ويجد هذا الموقف انعكاساته في برامج احزاب المعارضة ـ على وجه الخصوص الحزب الشيوعي المعارض الرئيسي بقيادة زيجانوف ـ وتلتقي هذه المواقف على ان روسيا اليوم هي مجال استغلال خارجي مدمر لاقتصادها ولمجتمعها ويتجلى ذلك في مسارات ثلاثة: التصدير الواسع للخامات الروسية وهجرة الادمغة واحتلال الاحتكارات الاجنبية للسوق الروسية الداخلية وسيطرة الاجانب على المشاريع الروسية ويكفي ان نشير الى ان الرقم المتداول في روسيا للاموال التي هربت للخارج يراوح 50 الى 200 مليار دولار. لذا لم يعد هناك انصار للاصلاحات الجارية في روسيا التي بدأت منذ ان تولى يلتسين الرئاسة في موسكو. والذي تشير الاحصاءات التي صدرت مؤخرا في روسيا الى ان الدخل الوطني نما 61 مرة ما بين 1940 حتى 1989 مقابل ذلك تعرضت روسيا لانهيار شامل منذ عام 1990 وحتى العام الماضي من جراء تلك الاصلاحات الاقتصادية اذ تراجع الدخل الوطني سنة 1993 الى 54.1% وعام 1994 الى 46.4% وذلك مقارنة بعام 1989 وقد بلغ الدخل الوطني 387.3 مليار روبل عام 1989 بأسعار 1985, بينما بلغ عام 1995 بالاسعار المذكورة 171.7 مليار روبل وبالتالي بلغ تراجع الداخل عام 1995 بالمقارنة لعام 1990 نحو 196 مليار روبل بسعر 1985 وهو ما يعادل 270 مليار دولار بحسب السعر الرسمي للروبل الذهبي, كما يمكن التعبير عن هذه الخسائر بالمقادير المادية, حيث تراجع انتاج النفط بين 1988 و1995 من 569 مليون طن الى 307 ملايين, وتراجع انتاج الفحم الحجري خلال نفس الفترة من 425 مليون طن الى 262 مليون طن وتراجع صهر المعادن من 94 مليون طن الى 51 مليون طن, وتراجع انتاج الآلات المعالجة للمعادن من 97 الف وحدة الى 17.6 الفا وتراجع انتاج الآلات بنسبة 75% اذ تراجع انتاج التراكتورات من 253 الف وحدة الى 21 الفا والسيارات الخفيفة الى 798 عام 1994 مقابل 1100 ـ 1200 الف وحدة بين 1987 و1989 كما تراجع انتاج الصناعة الخفيفة في بعض الفروع بنسبة 80% وانخفض محصول الحبوب من 116.7 مليون طن سنة 1990 الى 63.4 مليون طن عام 1995 وتدهور انتاج اللحوم من 10.1 ملايين طن الى 4.2 ملايين عام 1995 كل ذلك يؤكد على ان روسيا تلقت ضربة قاسية جدا بمعدل يفوق مئة مرة ما فقدته خلال الحرب العالمية الثانية. لقد كان ذلك الاصلاح او بالاحرى التخريب هو المدخل لسيطرة المافيا على السوق الروسية, كما كان بمثابة الفرصة لترعرع جماعات الضغط الصهيونية وجماعات الفساد الدولية حتى انه يقال انه قد تم تهريب ما يقرب من 300 مليار دولار من عام 90 حتى 1995, كما تقدر خسائر روسيا من هجرة وتهريب الادمغة الى اسرائيل وامريكا واليابان وأوروبا بما يقارب 80 مليار دولار, كما طاولت الخسائر احتياطات الذهب والماس حيث كانت 400 طن ذهب عام 1990 ما تبقى منها عام 1995 120 طنا. وقد اثر ذلك كله على قدرة الجيش الروسي الذي كان بترسانته النووية احد آخر مقومات الدولة العظمى التي لا تزال تملكها, فيكفي ان تشير ان الموازنة العسكرية في العهد السوفييتي كانت تشكل ما بين 18 و20% من اجمالي الناتج المحلي اما اليوم فهي دون 4% وتصرف على جيش تعداده الآن 1.7 مليون رجل اضافة الى ما يزيد على المليونين من قوى الامن الداخلي وحرس الحدود ومن جراء ذلك تدنت التجهيزات بنسبة 67% بالمقارنة لعام 1991 ويقول احد المسؤولين العسكريين ان الجيش يفتقد كل شيء من المحروقات الى الذخيرة والتجهيزات والحاجات اليومية وغيرها. تلك صورة عن وضع الاقتصاد الروسي والجيش معا, فماذا عن وضع القوى السياسية في داخل روسيا لعل ذلك يفتح امامنا مؤشرا عن المستقبل. التكتلات السياسية الروسية: 1 ـ أ ـ تكتل القوى اليسارية, وهو تكتل للاحزاب والقوى السياسية من تيار اليسار والوسط ويسار الوسط (حزب الاتحاد الشعبي الوطني الروسي) الذي تأسس في 7 اغسطس 1996 من 44 حزبا ومنظمة سياسية واجتماعية ودينية وعلى رأسها الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي وحزب مزارعي روسيا وحزب السلطة ـ الشعب. ب ـ اتحاد القوى الشيوعية والاشتراكية: الذي جاء ردا على اتهام الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي بالانحراف يمينا من جراء تحالفه الواسع وتشكيله حزب الاتحاد الشعبي الوطني الروسي وقد تشكل اتحاد القوى الشيوعية من شغيلة روسيا والحزب الشيوعي العمالي الروسي واتحاد الضباط الروس. 2 ـ تكتل القوى الليبرالية اليمينية: في 1/10/1996 اعلن عن تشكيل تكتل سياسي يضم القوى الليبرالية واليمينية على رأسها حزب السلطة (الحركة الاجتماعية ـ السياسية ـ بيتنا روسيا) و(الخيار الديمقراطي الروسي ـ خيار روسيا) وكتلة ايفان ريبكين ويبر نفذوا تكتل القوى الليبرالية اليمينية في السيطرة على المصادر والقنوات المالية وتوظيف اجهزة السلطة المختلفة وفي احتكاره لوسائل الاعلام. 3 ـ تكتل القوى الثالثة ـ ليبيد: وهو تكتل سياسي يعتمد على شخص الجنرال ليبيد الذي انشق عن الحركة الاجتماعية السياسية ـ مؤتمر الجماعات الروسية. وانفرد ليبيد في 14 مارس 1997 بتأسيس الحزب الشيوعي الجمهوري الروسي ويبدو ان هناك ساحة فعل واسع تنتظر هذا التكتل وبالذات لوجود علاقات مميزة بينه وبين الغرب. هنا ايضا دور مهم للكنيسة الروسية كما ان للمافيا واللوبي الصهيوني بقيادة بيريزوفسكي الذي وصفته مجلة (فوريس) الامريكية بالقول عنه (الرجل الاقوى والاكثر جبروتاً في روسيا من حيث الثروة والنفوذ في السلطة وفي تشكيل جماعة الضغط الصهيوني ومن خلال علاقته بالولايات المتحدة الامريكية واسرائيل. ومن خلال احكامه السيطرة على مفاتيح الاقتصاد الروسي. وفي حديث اجرته القناة الثانية الاسرائيلية مع كل من بيريزوفسكي وفلاديمير جوسيسكي وآخرين. ثم التأكيد من قبل جوسيسكي على اكتمال اللوبي اليهودي في روسيا كما اشار في نفس الحدث مالكين (ملياردير يهودي روسي) الى ان اليهود طائفة نشيطة وكثيرا منهم احتلوا مراكز متقدمة في الهيكل المالي للاقتصاد الروسي, وان اكثر من 60% من رؤوس الاموال الروسية يهودية (اللوبي المالي اليهودي) بعد كل ذلك يجب ألا ننسي ان هناك دورا مهما ينتظر بريماكوف وبالذات بعد قيادته لاحد التكتلات الهامة (وسط) وبعد ان استشعر المواطن الروسي بقدر من الانضباط والامل في مدة الحكومة التي ترأسها لمدة ستة شهور. واخيرا لعل ذلك كله يكشف لنا مدى قتامة الصورة عن مستقبل روسيا وبالذات المدى المنظور, إلا انه من المؤكد ان الانتخابات المقبلة والتي سوف يمتنع فيها يلتسين عن الترشيح سوف تعطي لنا صورة اكثر وضوحا عن الخروج من ذلك المأزق الروسي العميق. 7 ـ كما انها سوف تساهم في قشع الضباب النازل على مستقبل روسيا, وما يهمنا هنا هو لفت النظر بشأن العوامل الخارجية (مؤسسات تمويل دولية ـ الولايات المتحدة ـ اوروبا ـ دول الجوار) كل ذلك سوف يلعب دورا مؤثرا في هذا المستقبل كما ان هناك عوامل داخلية يأتي على رأسها نضوج المشاعر القومية للروس وبحثهم عن دور لروسيا بالاضافة لدور قوى اليسار والوسط والمؤسسة العسكرية الباحثة عن كرامتها والكنيسة الباحثة عن مستقبل لمجدها الغابر كل ذلك سوف يلعب دورا في رسم ملامح مستقبل روسيا المقبلة. لكن من المؤكد ان الانتخابات المقبلة سوف تكون معبرا لهذا المستقبل حتى لو جاء من هو على خط يلتسين اليميني, إلا اذا استغل يلتسين الصراع مع الشيشان واعلن الحرب عليها وبالتالي حالة الطوارىء في البلاد مما يرتب الغاء الانتخابات.