مازالت فكرة التعاون العربي تسيطر على جزء كبير من ثقافتنا, والفكرة ما زالت تعني الكثير كل من امن بالعمل العربي المشترك ولكل من سعى لرفع قيمه, بل من الواضح ان المستقبل العربي يتطلب الكثير من التنسيق بين الدول وبين المجتمعات العربية, وانه بدون السعي نحو التداخل الايجابي ستشهد منطقتنا الكثير من المنعطفات الحادة ولكن علينا ان نعي من جهة اخرى ان مفهوم القومية العربية والتنسيق العربي ووحدة الصف بصورته التقليدية قد تغير, وقد جاءت الحرب العراقية الايرانية واختلاف المواقف تجاه العراق حينها, ثم جاء الاحتلال العراقي للكويت ليفتح الباب لاعادة النظر بالكثير من المفاهيم السابقة.. ان الصورة الجديدة يجب ان تعنى حق التنوع وحق الازدهار في اطار التعايش السلمي, ان وحدة الصف بين الدول العربية بمعناها السياسي او الاقتصادي او الثقافي التقليدي غير ممكنة الان بسبب ظروف الدول العربية الاقتصادية والسياسية وتجاربها في العقود الماضية, ولكن من جهة ثانية ان البحث عن سبل اكثر تجديدا واكثر عصرية يجب ان تكون مجال تفكيرنا وتجديدنا. وبالامكان القول بأنه توجد اليوم (وحدة عربية) من جانب اخر, الا وهي دخول العرب بمرحلة تاريخية متشابهة, فالقانون العام الذي يتحكم بواقع منطقتنا العربية يكاد ينطبق بجزء رئيسي منه على جميع البلدان العربية, فالاساس في هذه المرحلة امام الدول العربية انجاز الاصلاحات الاقتصادية التي تسمح بالمنافسة وتساعد على تطوير القطاع الخاص وبيع اجزاء رئيسية من القطاع العام للخاص, وتقليل دور الحكومات في شؤون المواصلات والكهرباء والاعلام والثقافة, بمعنى اخر يجب تحويل الحكومات الى آلية للقيادة وضمان للحريات, وضمان للتجارة وسد دفاعي امني وقوة لتطبيق القانون والحد من الفساد, وهذا غير ممكن بلا التوسع في بناء البرلمانات وحقوق لهذه البرلمانات وبناء حالة من الشفافية السياسية على كل صعيد سياسي, ولكن من جهة اخرى ان الدول العربية التي تتأخر في ممارسة هذه الاصلاحات ستصل اجلا أم عاجلا الى طريق مسدود وستواجه تحديات يصعب التعامل معها. اذن بامكان عالم العرب او عوالمهم ممارسة وحدة ايجابية: وحدة في سبيل الاصلاح وفي سبيل حقوق المجتمعات والافراد, وهذا النمط من الوحدة يختلف عن تلك الوحدة التي تقوم على وحدة الجغرافيا او وحدة الدول او وحدة الجيوش والقضايا والدماء, فبينما تلك الوحدة لم تؤد الى نتيجة تنعكس ايجابيا على المواطن العربي, قد تكون الوحدة في سبيل النهوض المحلي اكثر قربا من الحلم العربي الحقيقي. وبالامكان القول بأنه من الصعب ان نرى في المرحلة المقبلة انطلاقة حقيقية في العمل العربي المشترك الا اذا ارتبطت بعمل مشترك بين مؤسسات حرة يملكها القطاع الخاص وحتى هذا لن يكون كافيا, اذ ستبحث المؤسسات عن ضمانات طويلة الامد لاعمالها والتزاماتها, وستبحث عن دولة القانون وذلك لكي ترى ان مشاريعها لها بعد تاريخي ان العمل المشترك لن يسعى اذن لتكرار الماضي حيث كانت العلاقات اساسا تقوم بين دولة ودولة وبين قطر وقطر, وكانت كل علاقة تجارية تسيس وتتعرض لاكبر الهزات بسبب المواقف السياسية والاختلافات العقائدية والشخصية. ان الذي يجب ان نبحث عنه هو مدى بناء العلاقة بين المجتمع المدني والمدني وبين البرلمان والاخر, وبين الجامعة والاخرى وبين المؤسسات التي تعمل بالاتجاه ذاته, وبين الاسواق العربية ولكن في ظل حالة من الالتزام القانوني العربي العربي. ان الوصول لحالة من الانفتاح الاقتصادي العربي العربي يتطلب اولا انجاز شروط النهضة في كل بلد عربي, وانه لكي تتطور المؤسسات يجب ان تتواجد مؤسسات فاعلة, وانه لتتطور الاسواق يجب ان تنمو اسواق وطنية متكاملة, فالتنسيق الاقليمي والتجارة الاقليمية لن تكون ممكنة موضوعيا بين دول انتاجها متراجع ولديها فائض سكاني كبير ولا تمتلك فائضا اقتصاديا يساعدها على التبادل المفيد, بل سوف تبقى هذه الدول اكثر التصاقا بدول المركز الغربي وسوف تبقى تفضل البحث عن دول لديها انتاج عال وجودة. ان التحدث عن السوق الموحدة والتنسيق المتطور دون بناء شروط الاقتصاد الحر والسوق المزدهر والانتاج الفعال يبقى امرا ثانويا ومحدودا. بلا هذا يكون كل اتفاق عربي عربي معرضا للانتكاس بجرة قلم, ويكون كل تنسيق معرضا للتراجع بسبب موقف شخصي, هذه هي التجربة العربية السابقة في العمل المشترك, فهل من مجال لطريق اخر؟