علينا ان نضع في الاعتبار انه بحلول ربع القرن المقبل سوف تحدث أزمة شحة في المياه اللازمة للاغراض البشرية, يمكن ان يعاني منها ما يصل الى 2.8 مليار انسان عندما تقرأ ـ بإذن الله ـ هذه السطور.. وربما قبل نشرها بساعات قلائل يكون قد جاء الى الوجود طفل جديد في غاية الاهمية والحيثية . ورغم ان مجيء مولود جديد ليس بالحدث الخطير الذي يستحق كل هذا الاهتمام.. خاصة حين نعلم انه يضاف الى سكان عالمنا المعاصر طفل جديد كل ثانية بواقع ستين ذكرا او انثى كل دقيقة ولك ان تحسب الباقي مضروبا ـ على هذا النحو ـ في الساعات والايام والاسابيع.. والعدد في الليمون كما يقولون, رغم هذه البديهية, الا ان الطفل الذي حدد الخبراء لمولده الحافل يوم الثلاثاء 12 اكتوبر الحالي, سوف يكتسب اهميته التاريخية من خلال حقيقة تقول في بساطة: ان المولود الذي سيفتح عينيه على نور الحياة في احدى ساعات الثلاثاء المذكور او في ساعة قبله او بعده, سوف يأتي لكي يكتمل عدد سكان الكرة الارضية 6 مليارات انسان بالتمام والكمال. وبالمناسبة.. فالمواليد الذين شكلوا مليارا من حيث العدد وتحول معهم حجم سكان دنيانا من خمسة مليارات الى ستة مليارات, مازالوا في طور المراهقة اذ كان عام 1978 (منذ 12 سنة) هو الموعد الذي شهد اكتمال سكان العالم الى 5 مليارات من بني الانسان. وبالمناسبة ايضا.. فقد استغرق الامر كل مراحل التاريخ البشري المسجل حتى عام 1800 للميلاد حتى يكتمل حجم سكان العالم الى رقم المليار الاول. يعني تحولت البشرية من واحد مليار نسمة لتصبح قبيل قراءة سطورنا هذه 6 مليارات نسمة ولم يستغرق ذلك سوى اقل من 200 سنة, 199 عاما على وجه الدقة والتحديد فيما انشغلت البشرية طيلة تاريخها وما قبل تاريخها في اولى سنوات القرن الماضي في صنع المليار الاول. روعة المليارات ولقد اتى على الناس حين من الدهر كان يروعهم فيه رقم المليار او البليون, كان في الجيل الماضي مبلغا رهيبا يرسل نوعا من رعدة الهول الى افئدة الكاتبين او السامعين وكنا نضرب الف تعظيم سلام لمن يوصله حظه السعيد لكي يصبح من اصحاب الملايين وكان تصورنا ان (الملياردير) مالك المليار هو فصيلة الكائنات السوبر التي يندر وجودها وكم يعز التواصل معها الى ان جاءت العقود الثلاثة الاخيرة من هذا القرن العشرين لنسمع عن اصحاب المليارات ونقرأ مثلا عن المخترع الامريكي الشاب (بيل جيتس) وثروته التي اقتربت من 300 مليار, ونقرأ ايضا ان المليار لم يعد ذلك الرقم الخرافي الذي كنا نتسامع عنه في الاساطير الى حد ان يقول قائل مثلا ان المليار دولار انما يصلح بالكاد لكي يكون مقدم الثمن العربون كما يقول المصريون لواحدة من حاملات الطائرات متوسطة الحجم. الباحث الديمغرافي جويل كوهن في كتابه بعنوان (كم من البشر يمكن ان يعولهم كوكب الارض حاول تقريب المسألة من اذهاننا قائلا: لا تستهينوا بهذا الحجم المهول (6 مليارات نسمة) الذي سيبلغه سكان العالم فهل ادلكم على خطورة المليار الواحد ناهيك عن الستة في علم السكان حسنا, يضيف الباحث المذكور لكي تتصوروا بحق جسامة المليار نسمة, اقول لكم: اذا ما وقف الافراد وقد باعد بين كل منهم مسافة 15 بوصة فإن المليار انسان سوف يشكلون في هذه الحالة صفا طويلا مستقيما يصل مابين الارض والقمر فما بالكم بالملايين الستة التي بلغها سكان الارض بالامس القريب.. القريب! 78 مليوناً سنويا في عام 1960 كان سكان الارض يبلغون 3 مليارات نسمة لاغير, وكان الرقم مهولا وها هو الرقم يتضاعف حجما وهولا في عام 1999 الحالي وفي اقل من 40 سنة لاغير. بمعنى اخر فالبشرية باسم الله ما شاء الله تضيف الى حجم سكانها او ابنائها مامعدله 78 مليون انسان في كل عام فيما تدل الاسقاطات الرياضية على ان البشرية سوف تواصل هذا المنوال على مدى سنوات العقد المقبل. مع ذلك ينبغ بين صفوف الديمغرافيين وهم اهل الاختصاص العلمي في مجال السكان والسكانيات من يقول: هدئوا من روعكم... فرغم الزيادة التي تتسارع معدلاتها الا ان معدلات الخصوبة بمعنى الانجاب والتكاثر في العالم اخذة منذ فترة في الهبوط وفيما كان المعدل العالمي للانجاب في عقد الخمسينات هو خمس ولادات لكل ام في سن الخصوبة فقد هبط هذا المعدل الى اقل من 3 ولادات مع مغيب قرننا الحالي (بالدقة 2.7 ولادة..) وخذ بالك ان الرقم احصائي يقيم الحسبة على اساس المتوسط الرياضي النظري.. ولايتبادر الى الذهن بداهة ان هناك نصف ولادة او ثلث انجاب. بيد ان الاستثناء الوحيد من هذا الهبوط هل نقول هذا الترشيد في زيادة تكاثر البشر هو افريقيا التي يمكن ان تشكل حالة (ضعث على اباله) كما يقول المثل العربي, حيث الفقر مدقع والموارد المالية شحيحة والامكانات المعيشية قليلة فيما الانجاب كثير.. كثير. وفي اطار هذه الخلفية من احاديث الديمغرافيا دخل الى الساحة اهل الاقتصاد ومعهم بالضرورة اهل الاجتماع ونقول بالضرورة حيث لم يعد ثمة معنى لاقتصاد في المطلق ولا لارقام اقتصادية معلقة بين السماء والارض وحيث المعنى هو ان الاقتصاد ينبغي ان يكون في خدمة المجتمع ومن ثم في خدمة الانسان وهو مناط التنمية الاقتصادية الاجتماعية ومحورها وغايتها القصوى. حالة استقطاب شديد في هذا السياق يحذر الاقتصاديون ومعهم الاخوة المستقبليون (ونحن من زمرتهم) مما اصطلح على تسميته بعبارة موجزة تقول.. حالة الاستقطاب الشديد. ومعناها بغير مواربة ان العالم مقبل وشيكا في ظل هذا الحجم المهول لسكانه على حالة استقطاب تتوزع فيها اقداره وبانقسام شديد بين الذين يملكون والذين لا يملكون ويكفي ان نتأمل الحقيقة التالية: 20% من سكان العالم باتوا اليوم يملكون 80% من ثروة العالم وهذا الوضع مستمر في التفاقم والثغرة الفاصلة بين القطبين المالكين والمعدمين آخذة دورها في الازدياد والاتساع. يرحم الله الزعيم عبدالناصر الذي اراد ان يلخص في جملة واحدة ضرورات التغيير الذي استدعى قيامه وصحبه بثورة 23 يوليو في مصر فقال مامعناه انه لم يكن من الممكن ولا من العدل ان يستمر مجتمع النصف في المائة (مجتمع الباشوات والبكوات والارستقراطية التركية ـ الالبانية الاصول حيث يملك نصف في المائة من مجموع الشعب المصري خمسين في المائة من مجموع موارد الشعب المصري, وهو ما يتنافى مع العدل والعقل والدين في آن. الامم المتحدة.. ماذا تقول على مستوى الصورة وشيكة الاكتمال في عالم القرن الجديد تتوقع دوائر الامم المتحدة الشعبة الاحصائية وصندوق الامم المتحدة للسكان وادارة المعونة الاقتصادية والاجتماعية في الامانة العامة بالمقر, نيويورك ان تشمل البلدان المتقدمة (الغنية) نحو مليار نسمة من سكان العالم او ما يزيد قليلا, فيما تدل اسقاطات الامم المتحدة على ان الاقطار النامية المتخلفة ومتوسطة الدخل, والفقيرة ومدقعة الفقر سوف يضاعف عدد سكانها على الاساس التالي: في عام 1995 كان عدد سكانها 4.5 مليارات نسمة. في عام 2050 وعليك خير سوف يتضاعف هذا العدد ليصل الى 8.2 مليارات انسان. والمسألة كما لايخفى على فظنتك ليست مجرد مضاعفة رقمية ولا زيادة عدد الافواه التي تطلب بالضرورة مزيدا من الاقوات والارزاق (والرزق بيد خالقها في التحليل الاخير وان كان على الانسان ان يعقلها قبل ان يتوكل) المسألة في جوهرها ان ثمة زيادة كيفية منتظرة الى جانب الزيادة الكمية التي تفيد بها الاسقاطات ان مطالب الناس سوف تزيد كما ونوعا ويصدق هذا على طرائق استهلاكهم واساليب تلبية احتياجاتهم من حيث الغذاء والملبس والترفيه ومستويات التعليم ومطالب الخدمات الصحية والاجتماعية, وما الى ذلك بسبيل. واذا لم تتح السبل المشروعة والمعقولة والمضمونة لتلبية هذه المطالب واشباع تلك الاحتياجات فقل على الاستقرار وقل على آفاق التقدم يارحمن يارحيم. سيناريو متشائم وذلك امر لم يفت على اهل البنتاجون ـ دوائر العسكرية الامريكية ـ ان يرسموا (سيناريو) بحكم اهتمامهم باستقراء مستقبل الاحداث وفي هذا السياق يقول الكولونيل رالف بيترز مسؤول البحوث في البنتاجون: ـ ان العالم سوف يشمل قلة بعينها من الدول الغنية التي تصنف في خانة (الذين يملكون ومن ثم تكون بمثابة جزء من الاستقرار والثروة في عالم يزيد فيه السكان وتنهار فيه المرافق والبنى الاساسية وتصل فيه الحواضر الى درجة الموت ويمثل بيئة تنمو فيها عبقرية (!) العنف ..!! ومن مشاكل عالم الغد, وهي مشكلة ديمغرافية اولا ثم انها مشكلة نجاح ثانيا ـ ما يتمثل فيما يذهب اليه البروفيسور ليستر ثرو استاذ الاقتصاد الشهير في جامعة هارفارد وتنشر له (البيان) احدث مقالاته في مجال الاقتصاد ـ بان اخطر مايواجه العالم مع سنوات القرن المقبل هو مشكلة (شيخوخة السكان) ( كتب البروفيسور ثرو بعنوان) مستقبل (الرأسمالية) ) ومفادها وجود نسبة ضخمة من الكبار المتقدمين بل الطاعنين في السن بين الفئات السكانية التي تشكل مجتمعات القرن الوشيك. وبالارقام توضح الاحصاءات ان العالم في عام 1998 الماضية كان يضم 66 مليون انسان ممن تزيد اعمارهم على الثمانين سنة, ولكن هذا الرقم متوقع ان يتضاعف نحو 6 مرات حيث يضم العالم نحو 370 مليوناً ممن تجاوزوا الثمانين من العمر وذلك في مدى نصف القرن المقبل. الطاعنون .. واليافعون وهذه بدورها حالة استقطاب عمرية كما قد نسميها اذ يجاوبها ضمن القطب الآخر من المعادلة ازدياد مكافىء في عدد اليافعين صغار السن في المجتمعات البشرية وعلى سبيل المثال فنصف سكان قارة افريقيا هم دون الثامنة عشرة من العمر كما ان كوكب الارض سوف يضم في عام 2000 المقبل نحو مليار نسمة من البشر المراهقين والشباب في مجموعة العمر 15 ـ 24 سنة لا اكثر. ومعنى هذا ان العالم سيضم بعد اشهر عديدة نحو 3 مليارات من البشر الذين تقل اعمارهم عن 25 سنة. ودلالة ظاهرة الاستقطاب الديمغرافي المذكورة انها تشير الى ان العالم يزداد فيه عدد السكان المحتاجين الى رعاية ومطالب صحية متزايدة التكاليف (كبار السن) فيما يزداد فيه, في الوقت نفسه وعند طرف المعادلة الآخر عدد المراهقين ومن هم في بداية الشباب وهم بدورهم بحاجة الى خدمات تعليمية ومرافق تنشئة وتطبيع اجتماعي بالاضافة, وهذا هو المهم ـ سبل وتسهيلات ومنشآت واساليب لاستيعاب ( ولانقول قتل) اوقات الفراغ وهي الى جانب سن الشباب, ناهيك عن توافر الاموال مفسدة للمرء اي مفسدة كما قال يوما شاعرنا العباسي ابو العتاهية. ولقد وضعنا ظاهرة هذا الاستقطاب الديمغرافي بانها مشكلة نجاح قبل كل شيء لانها مؤشر على اطالة عمر الكائن البشري في المتوسط واذا كانت حياة المرء في التحليل الاخير, وديعة عند خالقه يستردها كما تشاء ارادته, فلا شك في ان نضال البشرية عبر التاريخ ـ علماؤها وباحثوها, اطباؤها وولاة امورها من اجل كفالة رعاية طبية افضل ونشر وعي صحي اوسع واعمق ـ هذا النضال المبارك اتى ثمرات يانعات وتمثلت فيما يعرف في علم السكانيات بانه (الاجل المتوقع للحياة) . لقد كان بلوغ الثمانين , مثلا , في جاهلية العرب حالة استثنائية خاصة حين كان متوسط الرجل المتوقع المذكور لايزيد عن الخمسين عاما كانت تقل او تزيد ـ وهو ما يعبر عنه بيت (لبيد) الجاهلي الشهير. سئمت تكاليف الحياة, ومن يعش ثمانين حولا, لا أبالك, يسأم لكن هاهي الانسانية وقد حق لها ان تعتز بنجاحها في تطوير خدمات الصحة والعلاج وتحسين اساليب التغذية والمعيشة والرعاية الاجتماعية حتى لقد اصبحت الثمانين حولا ـ امرا مألوفا واحيانا مرحلة من ربيع العمر الثاني او قل الثالث. من أين يأكل البشر؟ ومرة اخرى .. وصل العالم, بحول المولى ورعايته, الى خانة الستة مليارات من السكان واصبح يحق لامثالنا ولغيرهم ممن تقض مضاجعهم أحوال كرتنا الارضية أن يتساءلوا: ـ كيف السبيل الى اشباع احتياجات هؤلاء وخاصة من حيث الطعام وهو الحاجة الاساسية الاولى؟ في معرض الاجابة عن هذا السؤال نجد انفسنا بازاء مدرستين (انظر المجلة الامريكية لشؤون البيئة ـ عدد اغسطس 1999). (1) مدرسة متفائلة يعبر عنها الباحثون في معهدي كاتو وهدسون وهما من كبريات مؤسسات البحث العلمي بالولايات المتحدة, وتقول: ـ لاخوف من هذا التزايد المتوقع في عدد سكان العالم .. والحمد لله ان وفقت جهود العلماء الى مجالات هندسة الجينات التي افضت الى مضاعفة غلات المحاصيل, وفي هذا المضمار نشر اصحاب الرأى المتفائل كتابهم بعنوان (نظرة الى مستقبل الغذاء في العالم) , وفيه اكدوا بما يشبه الاطمئنان ان الانتاج العالمي من الاغذية سوف يزداد باطراد, وبصورة تفوق في سرعتها الزيادة في الاستهلاك. (2) المدرسة المتشائمة ( ولنقل غير المتفائلة او الموجهة نحو دق اجراس الخطر) يتزعمها الاستاذ لستر براون (وقد عرضنا كثيرا من افكاره على صفحات (البيان) في اكثر من مناسبة) وهو الشخصية العالمية المرموقة والمسؤولة عن معهد رصد احوال العالم (وورلد ووتش) وهو يحذر من ان الزيادة في الموارد الغذائية العالمية جديرة بان تصل يوما الى هضبة مسطحة لا يطرأ عليها تغيير ويشير اصحاب هذا الرأى ايضا الى التناقص الموثق ميدانيا واحصائيا في انواع الاسماك والثروة السمكية بعامة والى التآكل والتفتت الذي يلحق بتربة الارض ويؤدي الى تدهور الزراعات بطول اجتثاث الغابات وانتشار الرقعة الصناعية على حساب الرقعة الزراعية تحت شعارات التقدم بالتصنيع. ... وازمة المياه ايضا اخيرا .. ثمة عامل في غاية الخطورة لابد وان ننبه اليه, وقد نبهت اليه ايضا كلية الصحة العامة في جامعة جون هوبكنز المرموقة في امريكا التي اعلنت مؤخرا: ـ علينا ان نضع في الاعتبار انه بحلول ربع القرن المقبل, فلسوف تحدث ازمة شحة في المياه اللازمة للاغراض البشرية وهي ازمة شديدة يمكن ان يعاني منها ما يصل الى 2.8 مليار انسان. فليتدبر اولو الالباب. حاشية على المتن: بعد كتابة المقال, وافت الانباء بمولد الطفل المنتظر في البوسنة واحتفلت به اوساط الامم المتحدة بوصفه الطفل رقم 6 مليار من سكان كوكب الارض وكان مولده في الساعات الاولى من الثلاثاء 12 اكتوبر 1999م.