طريق عرفات ام طريق مانديلا؟ هذا هو السؤال المصيري الذي ينبغي ان يطرحه الفلسطينيون على انفسهم كمدخل لاعادة قراءة صفحة تاريخية افريقية . بحلول يوم 11 اكتوبر 1999 تأتي الذكرى المائة لاندلاع (حرب البوير) في جنوب افريقيا التي مثلت العنوان الاكبر لصفحات عهود متتالية باسم استعمار استيطاني قائم على فلسفة التمييز العنصري, والقصة من حيث فصولها السردية ونقلاتها عبر الزمن لا تختلف جوهريا عن الاستعمار الاسرائيلي للارض الفلسطينية لكنها تختلف قطعا من حيث منهاج المقاومة. ولكن اولا .. ما هي (حرب البوير) التي يمضي عليها الان مائة سنة بالتمام والكمال؟ بكلمة واحدة هي حرب اوروبية جرت على ارض افريقية, و(البوير) اسم اخر لجموع المهاجرين الهولنديين الذين دخلوا جنوب افريقيا الواقعة حينئذ تحت ادارة استعمارية بريطانية كجزء من الامبراطورية التي كان يقال انها لا تغيب عنها الشمس من فرط اتساعها حول العالم. كصراع اقتصادي حول مصادر الثروة البكر في ذلك الجزء الغني من افريقيا وقعت الصدامات التي اشعلت (حرب البوير) بين هذين الفريقين من البيض الاوروبيين, واذ انتهت الحرب بهزيمة الهولنديين فانها مع ذلك افرزت عهد اضطهاد عنصري ضد السكان الاصليين السود كان البريطانيون فيه شركاء, ومن هنا صار المشهد مشابها للمشهد الاسرائيلي في فلسطين الذي تبلور لاحقا. ما اشبه الليلة بالبارحة: فالاقلية العنصرية البيضاء في جنوب افريقيا عمدت بعد فرض نظام (الفصل العنصري) إلى اعادة تسمية (حرب البوير) بحرب (الاستقلال) وهي نفس التسمية التي اطلقها الاسرائيليون فيما بعد على الحرب الاسرائيلية العربية التي انتهت في عام 1948 إلى قيام الدولة الاسرائيلية على الارض الفلسطينية, وحتى اليوم يحتفل الاسرائيليون بيوم 15 مايو كعيد (استقلال) وتكاد وقائع التشابه ان تكون وقع الحافر على الحافر, فالهولنديون البيض في جنوب افريقيا ظلوا يطلقون على انفسهم ـ تماما كاليهود ـ (شعب الله المختار) , وجنوب افريقيا هي ايضا (ارض الميعاد) . ومع ذلك فان تاريخ النضال الافريقي يختلف جوهريا من حيث المنهاج عن تاريخ النضال الفلسطيني بما تصح معه التفرقة بين (طريق مانديلا) و(طريق عرفات) , وان شئنا الايجاز فان المنهاجين يمكن ان يعتبرا ضدين: فالنضال الافريقي بدأ بمالوسائل السلمية وانتهى في مراحله الاخيرة إلى الكفاح المسلح فحقق التحرر الكامل بينما النضال الفلسطيني ظل على طول الخط تقريبا (اذا استثنينا المعارك العسكرية الجانبية خارج الارض المحتلة) مسلسلا طويلا من المناوشات السلمية ولايزال حتى الان مرتهنا إلى تفاوض سلمي عقيم على اساس تفوق اسرائيلي. وبمقارنة النضال في جنوب افريقيا بقيادة (حزب المؤتمر الوطني الافريقي) وزعامة نلسون مانديلا مع النضال الفلسطيني بقيادة (منظمة التحرير الفلسطينية) وزعامة ياسر عرفات لن نجد صعوبة في تبين المنهجين ولماذا نجح هذا وفشل ذاك؟ وليس الحديث في هذا السياق تحديدا عن الفرق بين نضال العنف المسلح ونضال البيانات والاجتماعات في غرف مغلقة, وانما الفرق بين حركة كفاحية وطنية اختارت ان تبقي معاركها على الارض في الداخل معتمدة على قاعدتها الشعبية في مسلسل الصدام المباشر ضد السلطة, وحركة وطنية اخرى اختارت قيادتها البقاء في الخارج. ومشكلة منظمة التحرير الفلسطينية لا تنحصر فقط في انفصامها عن جماهير الارض المحتلة بمواصلة بقاء القيادة خارج الارض, وانما لان وجودها في اراض عربية اخرى جرها بالحتمية إلى لعبة السلطة العربية من ناحية والصدام مع حكومات عربية من ناحية اخرى. ويبدو الان ان الشعب الفلسطيني الشقيق بحاجة ماسة إلى دراسة التاريخ المقارن.