كثيرا ما يوصف الشرق الاوسط بأنه منطقة المتاعب والاضطرابات, مع ان مناطق غير قليلة في العالم تعاني من مشكلات مشابهة, والدليل على ذلك ماحدث في البلقان ويحدث اليوم في بعض المناطق الافريقية . ولكن ما تنفرد به منطقتنا, ان النزاعات فيها اصبحت مزمنة او شبه مزمنة, فما ان يهدأ واحد منها في مكان ما, حتى يستعر آخر في مكان جديد, وما ان يضع قتال اوزاره في بلد, حتى ينشب غيره في بلد ثان. وقد تكون التفجيرات احيانا محدودة جدا وبطيئة, كتلك التي كانت تقع في جنوبي لبنان, او واسعة النطاق, كما حدث في الخليج. ويبدو وكأنه قد كتب على هذه المنطقة من العالم ان تبقى دائما في حالة قلق وعدم استقرار, وعندما بدأت مساعي الحل السلمي للنزاع العربي الاسرائيلي, منذ زمن طويل, تصور الكثيرون ان المنطقة اصبحت مقبلة على السلام والأمن والهدوء, وانها على وشك ان تنعم براحة البال. ولكن ما حدث بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر واسرائيل, لم يكن اخف وطأة مما كان قبل ميلاد هذه المعاهدة. واكبر شاهد على ذلك الحرب المريرة المدمرة التي اشتعلت بين العراق وايران, فحرقت الاخضر واليابس وفتكت بحياة مئات الاف البشر. وتفسير ذلك ان الصراع العربي الاسرائيلي ليس السبب الوحيد لاضطراب حوض المتوسط, بل ان هناك اسبابا اخرى كثيرة, منها المذهبية والتناحر الديني الظاهر والخفي بين الديانات. وهذا يذكرنا بالحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت سنوات طويلة وكانت الخلفية المذهبية احد اسبابها, وهناك ايضا الصراع بين التطرف الديني والاعتدال والذي كان احد العوامل التي ادت الى اندلاع الحرب المخيفة بين العراق وايران. وطبعا كانت هناك اسباب اخرى لهذه الحرب, ليس هنا مجال شرحها. وتوجد ايضا مشكلة الاقليات.. مثل الاقليات الكردية والدرزية والارمنية والشركسية وغيرها. وللبرهنة على أهميتها, نذكر الغارات الجوية التي قامت بها الطائرات السورية ابان حكم اديب الشيشكلي في بداية الخمسينات ضد جبل الدروز في منطقة السويداء, وكذلك جولات القتال العديدة بين الجيش العراقي والاكراد في شمالي العراق, ناهيك بالنزاع طويل الامد بين تركيا وحزب العمال الكردي, ولا ننسى ايضا الطائفية والفئوية اللتين تنخران في اوصال وحدة الامة وتماسك المجتمع. وهناك كذلك معضلة المياه التي أخذت تستفحل وتزداد خطورة يوما بعد يوم, ونذكر في هذا المجال, كمثالين, النزاع المائي المستمر بين تركيا من جهة, وسوريا والعراق من جهة اخرى. وكذلك الاختلاف المائي الذي نشب بين الاردن وبين اسرائيل في عهد نتانياهو. ومن المشكلات الاخرى, مشكلة البترول التي تجعل منطقة الشرق الاوسط ذات الاحتياطي الضخم من النفط منطقة حساسة, ومصدرا للصراع, وهذا يذكرنا بالتدخل العسكري واسع النطاق الذي قامت به الولايات المتحدة ودول التحالف ضد العراق ابان اقدامها على احتلال الكويت وتهديدها المصادر النفطية الحيوية في الخليج العربي. ونضيف الى كل ما سبق الخلافات السياسية التي تنشأ بين كل حين وآخر بين الدول العربية انفسها بسبب تعارض وجهات النظر والمصالح, مما ينشأ عنه تهديدات وتوترات شتى. ولا يفوتنا بالطبع ان نشير الى أهمية النزاع لاسباب اقليمية. وضمن هذا النطاق, نستذكر النزاع بين سوريا وتركيا بسبب لواء الاسكندرون, وكذلك بين دولة الامارات العربية وايران, بسبب الجزر الثلاث التي احتلتها الاخيرة بدون وجه حق, ناهيك بالخلافات الحدودية المستمرة بين بعض الدول. مجمل القول ان هناك مشكلات مذهبية وطائفية وايديولوجية ومائية وبترولية واقليمية تجعل من الصعب, على منطقة الشرق الاوسط ان تركن الى الهدوء وتنعم بالامن. وفي الوقت الحاضر, فان النزاع العربي الاسرائيلي هو من اعظم الاسباب التي يمكن ان تؤدي الى اثارة الاضطرابات والقلاقل وحتى الحروب في هذه المنطقة. ولكن جهودا حثيثة تبذل الآن لحسم هذا النزاع وتحقيق السلام بين العرب واسرائيل. ولكن حتى اذا تحقق هذا بالفعل, فان السلام القادم سيكون على الاغلب سلاما هشا بسبب العقلية الاسرائيلية العدوانية والمتغطرسة. اذن, فان منطقتنا, حتى لو سعدت بالاستقرار حينا من الزمن, فانها لابد ان تنفجر من جديد, وذلك بسبب اجتماع اسباب عديدة, تتضافر جميعها لاذكاء شعلة الصراع بين دولة المنطقة, وداخل كل دولة. ولكن كل هذه الاسباب يمكن تكثيفها في سبب واحد هوالتخلف. فلولاه لما كان للمذهبية او الطائفية او التعصب او الفئوية اي دور او تأثير, لذلك فان تحقيق الاستقرار الدائم في منطقة الشرق الاوسط رهين بالدرجة الاولى بمكافحة التخلف ولا سيما التخلف الاخلاقي. اما كيف يتم هذا, فان الحديث فيه يطول, ولا يتسع له هذا المجال الضيق.