لعل اهم ما ستواجهه الوزارة المصرية الجديدة برئاسة الدكتور عاطف عبيد هو كيفية التعامل مع مشاعر التراجع عند الكثيرين في ان يكون التغيير الذي طال الحديث عنه.. تغييرا جذريا وشاملا يمس الاشخاص والسياسات معا, ويعالج اخطاء حدثت ويواكب التطورات في المنطقة وفي العالم . والحقيقة ان ما حدث قد تكرر حدوثه في الحياة السياسية على نحو أو آخر ومع تشكيل اكثر من وزارة في السنوات الماضية, حتى بدا ان الحديث عن التغيير يتصادم مع الحديث ـ من جانب آخر ـ عن الاستقرار وكانت النتيجة ان بقى وزراء في مواقعهم لمدة كادت تصل الى ربع قرن, ومع كل حديث عن تغيير وزاري كان يتجدد الحديث عن تركهم لمواقعهم ثم يبقى الحال على ما هو عليه. الجديد هذه المرة ان رغبة التغيير التي دأبت المعارضة عن الاعلان عنها تصادفت هذه المرة مع تبني الرئيس مبارك بنفسه للدعوة الى التغيير وهو الامر الذي وجد تجاوبا هائلا في الشارع المصري, وانعش الآمال في بداية مرحلة جديدة اكثر شبابا واكثر تطورا, واكثر قدرة على مواجهة التحديات الهائلة التي تواجهها مصر. ورغم ان الرئيس مبارك لم يظهر حماسا لما طرحته المعارضة من ضرورة الاصلاح السياسي والدستوري, إلا انه ـ من ناحية ـ اعلن عن الحاجة الى المزج بين ضرورات التغيير وعوامل الاستقرار بحيث لايبدو التغيير قفزا في الهواء ولا يكون الاستقرار طريقا للجمود.. كما انه ـ من ناحية ثانية ـ طرح قبيل الاستفتاء على الولاية الجديدة له برنامجا اجتماعيا متقدما تحدث فيه عن دور قوي للدولة وعن دعم لمصالح الطبقات الفقيرة مع التمسك بثوابت سياسة الاصلاح الاقتصادي كما عرفتها مصر في السنوات الماضية. وقد انعش ذلك الآمال في التغيير بصورة كبيرة خاصة بعد الضجة الاعلامية على مدى الاسابيع السابقة ثم بعد انباء ابعاد رئيس الوزراء السابق الدكتور الجنزوري وتوقع الرأي العام الكثير.. ولكن تشكيل حكومة عاطف عبيد بوجوهها القديمة والجديدة جاءت بكل المقاييس بعيدة جدا عن التوقعات المتفائلة بتغيير كبير وشامل. ولا نريد ان نستبق الاحداث ولهذا نكتفي بهذا عن حجم التغيير ثم نتوقف عند ظاهرة اخرى خطيرة كشفت عنها مشاورات تشكيل الوزارة الجديدة.. وهي ظاهرة خواء واضمحلال الحياة السياسية في كل جوانبها ولدرجة لابد من مواجهتها بشجاعة قبل ان تفلت زمام الامور. فقد كان أبرز ما كشفت عنه هذه المشاورات هو ضيق المساحة التي يتم التحرك فيها من العمل السياسي وتشكيلات المؤسسات المشاركة في الحكم, ومثلما كان الجنزوري عضوا بالحكومة الأسبق ثم تولى رئاسة الحكومة بعد عاطف صدقي, جاء عاطف عبيد بنفس الطريقة وبعد سنوات من الوزارة, والثلاثة لا علاقة لهم بالسياسة ولا بالعمل السياسي, وانما هم وزراء فنيون في المحاسبة أو التخطيط أو بيع القطاع العام. ومثلما ورث الجنزوري وزارة عاطف صدقي بمن فيها من وزراء, فأجرى عليها بعض التعديلات الطفيفة, جاء عاطف عبيد ليرث وزارة الجنزوري فيبقي على أركانها الأساسية, وإذا كان عدد الوزراء الجدد سيكون أكبر هذه المرة, فلأن جناح الجنزوري كان لابد ان تتم تصفيته, بالاضافة إلى الرغبة في الاستجابة لرغبة التغيير التي اجتاحت المجتمع بكل فئاته. والأهم هنا هو الدائرة التي جرى فيها اختيار الوزارء الجدد. ولا وجه سياسيا واحدا له قيمة دخل دائرة الاختيار التي انحصرت بين موظفين وفنيين يعملون في الشركات التابعة لرئيس الوزراء الجديد, أو اساتذة جامعات لم يكن أحد منهم في دائرة الضوء إلا الدكتور علي الدين هلال الذي يعرفه المثقفون كاتبا ومفكرا واستاذاً للعلوم السياسية حتى وان لم يمارس العمل السياسي من خلال الاحزاب أو التنظيمات السياسية. ومثلما كان الشباب غائبا عن الوزارة السابقة, سيظل الأمر كذلك في الوزارات الجديدة, وأرجع رئيس الوزراء الجديد ذلك إلى النقص الحاد في الصف الثاني والثالث من الكوادر, وأعلن انه سيعين للوزير أربعة معاونين لاصلاح هذا الوضع, وقد يكون ذلك احدى الوسائل لخلق كوادر (ادارية) عليا تشتد الحاجة إليها بالفعل, ولكن الكوادر (السياسية) لها شأن آخر وأوضاع لا يريد أحد ان يتعامل معها على ما يبدو! ومن هنا كانت السياسة غائبة عن تشكيل الوزارة, وبصورة أوضحت خواء الحياة السياسية كما لم يوضحها أمر آخر, وكشفت الحاجة إلى اصلاح سياسي كما لم يحدث حتى في ظل مطالبات أحزاب المعارضة المتهاوية!! الحزب الحاكم في مصر يملك أكثر من 90% من مقاعد البرلمان, ومع ذلك لم يكن له أي دور في تشكيل الوزارة, وزعيم الأغلبية البرلمانية للحزب الحاكم ظل حتى اللحظات الأخيرة لا يعرف ان كان سيدخل الوزارة أم لا!! وأركان الحزب كانوا يتابعون أخبار تشكيل الوزارة من الصحف!! ورئيس الوزراء المكلف لم يذهب إلى مقر الحزب ولم يخاطب أركانه, بل أدار مشاوراته من مقره في معهد (الادارة) في مصادفة غير مقصودة, ولكنها تشي بطابع الوزارة, والحجم الحقيقي للحزب, وبأن (السياسة) لا مكان لها ولا اعتبار!! ومثلما غاب دور الحزب الحاكم غاب دور البرلمان, الذي سيقتصر دوره على الموافقة على برنامج الحكومة الذي لن يختلف كثيرا عن برامج الحكومات السابقة. صحيح ان النواب في مجلس الشعب استقبلوا خبر التغيير الوزاري بالترحيب, ولكن ذلك لم يكن حبا في عبيد, وانما كراهية في الجنزوري ولاسباب غير سياسية بالطبع! فالجنزوري لم تكن علاقته طيبة بالمجلس, فقد وضع بعض الحواجز بينه وبين النواب وتهرب من تلبية مطالبهم الشخصية, كما كانت علاقته مع رئيس المجلس الدكتور سرور متوترة بسبب رغبة كل منهما في تثبيت موقعه, وكذلك كان الحال بين الجنزوري ووزير شؤون مجلس الشعب والشورى كمال الشاذلي الذي يسيطر على تحرك النواب بسبب وضعه الحزبي كمسؤول رئيسي عن اختيار المرشحين في اي انتخابات, ولم ينس الشاذلي ان الجنزوري حاول ابعاده عن الوزارة منذ ان تولى رئاستها وكانت النتيجة ان قاطع النواب قبل شهور رئيس الوزراء وهو يتحدث في مجلس الشعب, فانسحب غاضبا وكانت ازمة تمت تسويتها ولكن بعد ان كشفت حقيقة العلاقات بين رئيس الحكومة من جانب, والبرلمان من جانب آخر. ومن هنا كان طبيعيا ان يرحب نواب الاغلبية في مجلس الشعب بخروج رئيس حكومتهم خاصة ان الوزراء المختلفين معه في الوزارة السابقة كانوا يحملونه مسؤولية تأخير الاستجابة لطلبات النواب بعد ان ركز العديد من المسؤوليات في يديه كما قالوا.. دون ان يشرحوا لماذا قبلوا هذا الوضع ولماذا لم يتركوا مناصبهم اذا كان رئيس الوزراء قد سلبهم الاختصاصات؟! ولكن هذا الترحيب البرلماني بخروج الجنزوري لايعني, كما اسلفنا ـ السعادة البرلمانية بالقادم الجديد واغلب الظن ان فترة من الترقب ستسود الدورة القادمة لمجلس الشعب, وهي دورة لها حساسية خاصة لانها الاخيرة في عمر هذا المجلس, وهو امر يعطي الحكومة بعض القوة باعتبار ان النواب سيكونون اكثر التزاما بالتعليمات الرسمية على امل البقاء على لوائح الترشيح للحزب الحاكم, ولكن في نفس الوقت سوف تشهد الدورة القادمة المزيد من الضغوط من جانب النواب على الحكومة للاستجابة لطلباتهم في تقديم الخدمات الخاصة والعامة لدوائرهم, تعزيزا لمكانتهم قبل الانتخابات القادمة. وهكذا خرجت الوزارة الجديدة بعيدا عن المشاورات السياسية لا مع النواب في البرلمان ولا مع الاحزاب, ولا مع الشخصيات الفاعلة في الحقل السياسي, ورغم طول المدة التي قضاها رئيس الوزراء في المشاورات لاعداد حكومته فقد عاد ليؤكد انه طوال هذه المدة لم يجر مشاورات سياسية بل كان يعقد اجتماعات مع الفنيين والمختصين في مختلف التخصصات لاعداد البرامج التشغيلية للوزارة. بل انه اكد انه لم يتصل بالمرشحين لدخول الوزارة, وان ذلك سيحدث بعد العرض على الرئيس مبارك, وبعدها يستقبل المرشحين ويبلغهم بالاختيار. وهي طريقة قد تصلح لاختيار الادارات العليا في عالم الادارة وليس في دنيا السياسة والحكم! نحن ـ في النهاية ـ أمام وزارة من الخبراء والفنيين التكنوقراط, وهو أمر تستوجبه الظروف احيانا, ولكنه لا يصلح لأن يكون نموذجا مستمرا. وهو لا يغني عن وجود فكر سياسي يحكم عمل هؤلاء التكنوقراط. وهو لا يعني ان تكون الحياة السياسية خاوية كما كشفت عنها الايام الماضية بصورة واضحة. وقد يغري ضعف احزاب المعارضة بالاستمرار على هذا النهج, وهو اتجاه خطير للغاية. فضعف حزب الحكومة لا ينبغي مواجهته بالاستمرار في اضعاف احزاب المعارضة, لأن النتيجة هي ما نراه الآن من تراجع مقلق في الحياة السياسية, وانهيار الاحزاب الشرعية يفتح الباب لعمل الجماعات غير القانونية, أو لضياع اجيال جديدة. والاعلان عن تعيين مساعدين للوزراء لن يؤدي الى كوادر سياسية بل الى ظهور خبراء وفنيين لاشك ان الحاجة اليهم شديدة, ولكن الحاجة اشد الى بعث الحياة في العمل السياسي, ولن يكون ذلك الا بأحزاب قوية تتنافس من اجل الاصلح للوطن والمواطن, وتفجر طاقات الابداع في كل المجالات, وتضخ الافكار الجديدة في شرايين المجتمع, وتنظم حركة الجماهير, وتفرز القيادات الطبيعية, وتكشف مواقع الخلل والفساد قبل ان تستفحل, وتجفف منابع الارهاب وتحاصرها, وتقوم اجتهاداتها ورؤاها المختلفة لحل المشاكل التي تواجه الوطن, وتجعل كل مسؤول في أي موقع يدرك ان وجوده مرتبط بصوت المواطن البسيط في ابعد قرية وليس برضا المسؤول الذي يعلوه فقط أو بدعاء الوالدين أو غياب الرقابة الحقيقية! ولا مفر من ان تشهد مصر هذا التطور.. ليس فقط لأنها تستحقه بحكم التاريخ والمكانة والتجربة الديمقراطية السابقة, ولكن أيضا لأنها تحتاجه بحكم روح العصر ومتطلبات التنمية. .. وكلما أسرعنا في ذلك, كان الأمر أفضل.