حرب أهلية دون التقيد بمعاهدة جنيف ، بقلم د. محمد الرميحي

كم من الموضوعات القليلة يحتار في تناولها الكاتب, هل يقدم على مناقشتها ام يحجم؟ وليس مبعث هذا التردد هو صعوبة هذه الموضوعات فقط, ولكن ايضا لان الكاتب يكون له رأي فيها يخالف الرأي السائد بين أطراف عديدة, وهو رأي مركب يحتمل النقاش وعادة ما يميل القارئ الى الرأي المطبوع بالأسود او بالابيض, الصواب او الخطأ, ليسهل عليه الخروج من الموضوع المطروح بنتيجة شاملة تريحه. والموضوع الذي أنا بصدده هو ما تعارف عليه اليوم في الكويت بقضية (الدكتور احمد البغدادي) . قلت انه موضوع صعب, لانه قد جرى فيه حكم محكمة من المفترض نظريا ان نقف جميعا امامه باحترام, لان القانون والحكم به هو مرجعية اي مجتمع متحضر, وافتقاد هذه المرجعية يصيب المجتمع بخلل جسيم, حتى لو بدا هذا الحكم غير متسق مع ما يراه بعضنا من حيثيات ومقدمات, وهو موضوع صعب في رأيي لان القضية برمتها هي قضية رأي وموقف سياسي اكثر منها اي شيء آخر, وان رأى البعض غير ذلك. فالدكتور احمد البغدادي مسلم صلح ايمانه بشهادة عارفيه اولا, كما انه ليس خارجا عن الملة, بدليل ان الحكم الذي جرى عليه لم يقرر ذلك. الا انني أميل للنظر الى الموضوع كله من منظور سياسي, فالكويت مجتمع صغير خرج لتوه, ومنذ اقل من عقد من معركة كادت تعصف بوجوده, بل اصيب بزلزال دمر في أيام ما يحتاج الى سنوات لإعادة بنائه, ليس من الناحية المادية فقط, ولكن ايضا من الناحية المعنوية. وأصبح هذا الوطن الصغير محط انظار العالم الذي اصبح يتطلع لكل شاردة وواردة تحدث فيه وتظهر على ارضه. كما ان الكويت مجتمع تعارف اهله على التسامح وقبول الرأي الآخر, بدليل انهم يطبقون حركة ديمقراطية, قل مثيلها حيوية وفاعلية, تناقش موضوعات حساسة وشائكة, وتطرح كل الموضوعات الداخلية والخارجية دون غطاء, وبشفافية قل نظيرها, وبالتالي فان النقاش حول موضوع حيوي مثل (حرية الرأي) كما يراها البعض, او (التعرض للثوابت) كما يراها البعض الآخر هو المطلوب ممن يملك الاداة لمناقشتها. لو أخذنا موضوع التعرض للثوابت, فربما يكون مفيدا ان نقف امام مجموعة من الاحداث التاريخية لها دلالتها, ولعلي هنا اكتفي بمثلين, احدهما اورده الكاتب اللبناني العربي امين الريحاني, والذي طاف بهذه المنطقة من العالم في العقد الثاني من هذا القرن, اي منذ ما يزيد على سبعين سنة, وخلف كتابا, بل كتبا مهمة في سلسلة ملوك العرب. فقد كتب, وهو المسيحي العربي, معلقا على المحطات التبشيرية المسيحية التي وجدها في منطقة الخليج, ومنها الكويت, ان هذه البعثات افضل لها ان تركز في عملها على التطبيب والتعليم, اما التبشير (بالدين المسيحي) فعليها ان تتخلى عنه, لان هؤلاء القوم لن يتركوا دينهم. تلك شهادة حق وصحيحة لقوة الاسلام والعقيدة الاسلامية لدى معتنقيها, فهي ثابتة في القلوب والعقول. وفي ذلك الوقت الذي كان وقت عسرة وفاقة يعترف احد الثقات بأنه لا سبيل الى حرف اهل هذه المنطقة المسلمين عن دينهم, فهي نزعة نابعة من الاعتقاد وثابتة بإذن الله. اما القصة الثانية فهي قد حدثت بعد ذلك بسنوات, وينقل لنا التاريخ ان المرحوم عبدالعزيز الرشيد, وهو من هو في تاريخ هذه المنطقة في الاستنارة والوعي في ذلك الزمن المتقدم, قد اصدر مجلة وجد البعض انها (خارجة عن الثوابت) بالمعنى الحالي للتعبير, وقام هذا البعض بتقرير ما سمي لاحقا اهدار دم ذلك المصلح الكبير, وكان ان نجاه الله هو ومن وقف معه من المواطنين المستنيرين من ذلك الشر, ليصبح النشر واصدار الصحف اليوم واحدة من ضرورات المجتمع (بات من الثوابت) لان الاجماع على احتياج المجتمع اليها من اجل تعزيز ديمقراطيته وتوسيع آفاقه, والسعي من اجل رخائه. سلسلة طويلة من المصلحين واهل الرأي يعرفهم كل من قرأ تاريخ الكويت الحديث, واجهوا صعوبات عندما قالوا بما قالوه من أفكار لم تعجب البعض في ذلك الوقت المتقدم, واتهموا بأشكال من التهم تحملوها بصبر من جهة, ودافع عنها أهل الرأي والبصيرة من جهة اخرى. وسنة الحياة هي ان تتخطى المجتمعات مثل هذه الصعوبات الفكرية, لان الزمن واحد من اهم العوامل لحلها, اما العامل الآخر فهو الدفاع عنها بالمنطق والحجج السليمة. نأتي الى صلب الموضوع, وهو التفسير المحمل بالنيات, فلا يوجد نص اليوم منشور او مقروء يناقش ما هو مدني او ديني الا ويمكن تفسيره, ان لم تصلح النوايا, تفسيرا سلبيا. وهي نصوص كثيرة حولنا, في كتب المدارس وفي الكتب السيارة وفي الجرائد والمجلات. بل في الكتب التراثية التي انتجها الانسان العربي والمسلم منذ ان عرف التدوين, هناك نص او نصوص ان حملناها فوق ما تحتمل او نظرنا اليها بانتقائية, وجدنا فيها الكثير مما لا يعجب البعض, وتاريخنا العربي مليء, بل أكاد أقول مكتظ بمثل هذا النصوص, يشتد الجدل حولها في وقت الازمات والعسرة, فيحتدم ويختلف القوم, ثم يخبو في وقت النهوض والثقة والاقبال على الحياة, كما أمر الله, فيتوجه الناس للاعمار والبناء وسعادة الانسان. ان قلنا هذا فان الامر لا يخلو من نقد لاثارة القضية كلها, او ما يسمى الان (بقضية احمد البغدادي). وهناك نقطتان اريد ان ابينهما قبل الاستمرار في الموضوع, الاولى ان الاخ الكريم الدكتور احمد, وان لم اجادل بشأن حقه بطرح الموضوعات التي يود ان يناقشها او ينشرها, فهي من حقه ككاتب ومواطن وانسان. ولكن الاختلاف في الطريقة والعرض, فكاتب مبتدئ قد تغفر له الهفوات, كما تغفر له القطعية في تناول الموضوعات العامة والخاصة, اما الكاتب الذي حصل على شيء من التدريب الاكاديمي فهو لاشك مطالب بالنسبية والدقة في آن. ولعلي اذكر هنا ما نقل عن الشافعي رحمه الله, اذ قال ما معناه (كلما ازددت علما زادني علما بجهلي) واللغة العربية وهي جذلة ومطواعة بحيث نستطيع ان نستقي من مفرداتها ما يوافق ويطابق ما نريد ان نوصله للقارئ دون الدخول في متاهات عدة. اما النقطة الثانية فهي اصراره على طرح قضايا, ربما وهو في محنته لم يفكر فيها جليا, مثل ما نقل عنه. وارجو الا يكون ذلك صحيحا. من اعتراضه على مخالفيه لانهم لم يحتجوا على (الاستعانة بالقوات الاجنبية, وهو مخالف للشريعة) وغير ذلك من الاستشهادات, التي تتضمن الكثير من الخطأ من الناحية الموضوعية, كما انها لا تزيد الطين الا بلة, كما يقول العرب. ولكن لعل ذلك يكون من قبيل التسرع الذي دفعته اليه معاناة المحنة. بعد هذا العرض الذي حكمت فيه ضميري لا غير, فإنني اعتقد ان الخسائر الناجمة عن حبس الدكتور احمد البغدادي هي خسائر كبيرة للوطن. فالوضع من الخارج هو وضع منتقد من مجموعة من الجمعيات النشطة لحماية حقوق الانسان في التعبير, كما ان الكويت, وقد اصبحت في بؤرة الاهتمام العالمي, يصيب مثل هذا التصعيد جهودها الدولية بالسلب لا بالايجاب, كما انه ـ قبل ذلك وبعده ـ قد خلق (حرباً اهلية) ظهرت في اصدار البيانات والبيانات المضادة, عجزت عن فهم مقصدها بهذه الكثافة وبهذه الحدة. فهذا التجاذب الحاد, وغير العقلاني في بعضه, لا اعرف على وجه التقريب ماذا يمكن ان يحقق. والافتراض ان يمتنع الناس والكتاب عن نيل الثوابت في كتاباتهم, الا ان ذلك مختلف عليه, حيث يمكن ـ كما اشرت في السابق ـ تقديم العديد من النماذج القابلة للتفسير والتحوير في ادبيات كثيرة معروضة, ام ان المحاكمة العامة هي موجهة للقائل لا للقول, وفي ذلك اجحاف شديد لتطور مجتمع وقتل لطموحه في الحريات المسؤولة, لانه لا يؤخذ شخص بجريرة موقف فكري سابق, فالاختلاف في الرأي هو أبسط الحقوق التي ينبغي ان تتاح للإنسان, وحرية الرأي هي حرية الولادة كما قال الفاروق, مثلها مثل ادب الحوار. الموضوع في نظري يتعدى شخص هذا الرجل الذي يقبع في السجن اليوم, بل هو موضوع له علاقة بسقف التسامح المطلوب في مجتمع يسعى الان ليمارس الديمقراطية والشفافية ووضع قوانين متوازنة وعادلة, وان يقدم نفسه للعالم على انه ينتمي للعصر. الانتصار للبغدادي هو ليس انتصارا لشخصه, كما انه ليس انتصارا لما يعبّر عنه في موضوعات مختلفة قد يوافق عليها البعض وقد يختلف معها, انه في نظري انتصار لمبدأ التعايش الثقافي ومطالبة بأن يسود الحوار العاقل البناء والحضاري مناقشة ما نختلف عليه... وجل من لا يخطئ.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات