لا اود ان اناقش قضية الاستاذ الجامعي الكويتي د. محمد البغدادي الذي تلقى حكما بالسجن من محكمة كويتية بعد ان ادانته بتهمة (تحقير الاسلام) , فأنا لا اعرف الكثير او القليل عن هذا الرجل, وثانياً, وهذا هو الاهم, فانني لست قانونيا. ما اريد هو الاتكاء على هذه القضية الانفرادية الشخصية للانطلاق الى رحاب القضية الاوسع التي تتعلق بقسم من المثقفين المسلمين من العرب وغير العرب الذين يتناولون الاسلام وشؤون المسلمين من منظور انتقادي. ولنطرح سؤالا استهلاليا: هل يحظر الاسلام الاجتهاد الفكري؟ لقد قصدت استخدام عبارة (الاجتهاد) مستبعدا عبارات اخرى مثل (الانتقاد) لان الفرضية الضمنية للسؤال هي انه محصور في جماعة المسلمين اذ لا يمكن ان تعتبر آراء غير المسلمين تجاه الاسلام (اجتهاداً) فهم ينطلقون من موقف (اللا منتمي) الى العقيدة الاسلامية, وبذا تكون آراؤهم بالضرورة محاولة للانتقاص من مكانة الاسلام. ان الاسلام لا يحظر على المسلم التفكر في احكامه والاجتهاد في تفسيرها وكيفيات تطبيقها لكن هناك شروط اساسية لابد من استيفائها اولا... وابرزها: * ان يكون المسلم اولا متفقها في امور دينه فلا يقطع برأي في مسألة دينية على اساس الجهل * ان يتحاشى المجادلة في الثوابت الاساسية (كالتوحيد بالله وان محمدا عبده ورسوله) والغيبيات (كاليوم الآخر والجنة والنار) . * ان ينطلق في كل الاحوال من موقف المنتمي الى العقيدة الاسلامية انتماء لا يعتريه شك. وعندما تطالع ما يصدر عن قسم من المثقفين المسلمين في هذا العصر من آراء نقدية بشأن الاسلام والمسلمين فانك تلحظ اول ما تلحظ ان الشروط المذكورة غير مستوفاة. لقد كانت الادانة القضائية للاستاذ الجامعي الكويتي المشار اليه مبينة على مقالة منشورة استخدم فيها عبارة (الفشل) في شأن شخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وجهده في نشر الدعوة الاسلامية في مكة قبل الهجرة الى المدينة. ومثل هذه العبارة النابية وغيرها من عبارات اشد يمكن ان تستخدم في هذا السياق بواسطة غير المسلمين من بعض المستشرقين المسيحيين في الغرب, فهم حددوا سلفا موقفهم لمجرد انهم لا مسلمين. لكنها عندما ترد على لسان مفكر من المفترض انه مسلم فانها تعني احد امرين او كليهما: اما ان هذا الشخص يجهل اساسيات العقيدة الاسلامية وإما انه يتعمد تشكيك المسلمين في عقيدتهم. ذلك ان الصاق عبارة مثل عبارة (الفشل) بشخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن ان تصدر عمن يعتنق الشهادتين ـ الركن الاول للاسلام... فمن شروط هذا الاعتناق ان النبي مرسل من عند الله تعالى وبالتالي فهو بالضرورة معصوم من اي خطأ. واذا تجاوزنا النوايا وما تخفي الصدور لدى بعض المفكرين المفترض انهم مسلمون وغلبنا حسن الظن فان السؤال يبقى: كيف يسمح مفكر لنفسه ان يتبنى قناعات معينة ذات طابع انتقادي بشأن العقيدة الاسلامية ومبادىء الاسلام بينما لم يفتح مصحفا ولم يطالع حديثا نبوياً منذ المرحلة المدرسية؟ ان منهاج (العلم التجريبي) الغربي الذي يتبجح باعتناقه وممارسته بعض المثقفين من المسلمين تفرض ابجدياته على الدارس ان يعكف اولا على المرجعية الاساسية ـ فلا يصح مثلا ان ينتقد الدارس النظرية الماركسية دون ان يدرس اولا كتاب (رأس المال) لكارل ماركس واعمال فلاديمير لينين, او ينتقد اسس الرأسمالية الكلاسيكية وهو لم يطلع على كتاب آدم سميث (ثروة الأمم) ؟ ان الجهل في حد ذاته مصيبة وتتضاعف المصيبة وتتفاقم عندما تقترن بموقف تحاملي مبني على الجهل.