استعادة اللحمة العربية، بقلم د. محمد ابراهيم منصور

ربينا نحن العرب منذ النصف الثاني من هذا القرن على التغني بالمصير الواحد والقدر الواحد, نشأنا على حب الوطن العربي الكبير من المحيط الى الخليج العربي, وكنا نفرح لانتصاراتنا ونبكي ونحزن لهزائمنا.فلسفة الوحدة العربية برزت ونهضت ايام التحرر العربي, ولا نبالغ ان قلنا انها تشكلت مع ظهور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر القائد العربي الفذ وتنامى بها شعور روح القومية عند جميع شرائح العرب عبر السنين مما افسد جميع توقعات الدول الاستعمارية وخاصة الدولة الصهيونية. ولقد تغنى المواطن العربي بالوحدة العربية كل حسب التربية التي جبل عليها. وغرست في اذهاننا قيم كثيرة ذات ابعاد عقدية وقومية على رأسها تدمير اسرائيل باعتبارها غدة سرطانية برزت في جسم الامة العربية الاسلامية, واستهدفت تدمير خلايا اللحمة العربية والقضاء عليها تماماً. ومرت السنين والامل معقود على الجيل العربي المتعاقب وهو يتغنى بالشعارات التي ترسخ الشعور الثوري ضد الصهيونية العالمية التي ثبتت مخالبها في قلب الامة العربية, ودخلنا معها في حروب عديدة ومواجهات كثيرة ذات ابعاد عقدية وسياسية واقتصادية واجتماعية, وضحينا بموارد كثيرة من اجل استعادة ما سلب منا وما استقطع من قلب امتنا العربية الا وهي فلسطين, وبدأنا نكبر ونتحين الفرص لنلقن الصهيونية درساً في التحدي والصمود. راغبين في فرض قدر اكبر من الهيبة والكرامة لنقود دفة السياسة في الشرق الاوسط رغم انف جبروت الصهيونية العالمية. لكن لماذا تبخرت احلامنا؟ لماذا اختفت رموزنا؟ لماذا وهنت لحمتنا مقابل اشتداد عود الصهاينة في وطننا العربي؟ كيف تكونت لحمة الصهاينة؟ وكيف نمت؟ ومن تركها تنمو؟ ولماذا حلت محل لحمتنا؟ لماذا لم تستأصل؟ اسئلة تحير العقول. هل لاننا قوم لا نفكر؟ هل نحن قوم سذج؟ هل نحن قوم لانستوعب التاريخ؟ هل نحن قوم لانفقه في الاستراتيجيات؟ للاسف انها اسئلة تتمحور كلها حول الشخصية العربية الانقسامية المغرقة في الخصوصية والجامحة في تعميق الانانية. لقد انقسمت الامة على نفسها, وتملك كل جزء منها الغرور اعتقاداً منه بأنه ناج بنفسه, ومعلل ذلك بمصالح شعبه العربي المتقوقع في بقعة ضيقة ذات حدود محدودة, لا يهمها ماذا خلف حدودها: غير آبهة بظروف الشعوب العربية الاخرى التي هي ايضاً ضالعة في التقوقع. هذا الانقسام هو الذي جلب الثمار السياسية لاسرائيل, ومكنها من السيطرة على مقدرات الامة العربية. كيف لا واسرائيل تتوغل يوما بعد يوم في املاكنا وعقولنا وقلوبنا. هل الخوف منها تملكنا ام حنانها اسرنا؟ ام عمرانها بهرنا؟ ام عقولها حيرتنا؟ هل لذلك من تفسير؟ هل اللحمة الصهيونية بتشكيلتها العضوية مهيأة بيولوجياً افضل من اللحمة العربية؟ هل نحن انهزاميون لحد التفريط بالمصالح القومية؟ لقد ضحى العرب بمصلحة المجتمع العربي والدولة لمصلحة أنانيتهم, وانقسموا فولدوا بانقسامهم كيانات صغيرة تعجز حتى عن الدفاع عن مصالحها الذاتية الا بمعاونة الاخرين أياً كان حجمها الطبيعي والديمواجرافي. المتتبع للخريطة العربية بطبيعتها وخصائصها يجد ان الامة العربية مهيأة لان تصبح مركز استقطاب واشعاع حضاري, بما تملكه من مقومات بشرية وطبيعية, الا ان الاشكالية التي تواجهها المنطقة العربية هي الجمود في المؤسسات السياسية التي نادراً ما تطرح مبادرات ذات بعد استراتيجي تكتيكي يراهن على اهداف بعيدة المدى, وتخلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي ابتعدت عن تزويد الانسان العربي بالغذاء الفكري واخفقت في الاستجابة لهمسات دم الشباب, واخذ معظمها يركز على المحلية دون العروبية, وأية فضيلة افضل من ان تربي إنساناً يعي اهداف امته العربية ويسعى الى تحقيقها؟ دعونا نشخص صفات الانسان العربي, الانسان العربي في رأيي المتواضع يمكن ان الخص صفاته بأنه انسان قوي الايمان يتمتع بروح التآلف والانسجام والقدرات العقلية الجيدة والطاقة والشجاعة, وقدرته الفائقة على استيعاب احدث الثقافات والحضارات, وبامكانه ان يصنع المعجزات ويعالج ما تعفن من اجزاء اللحمة العربية, ويستأصل الغدة السرطانية الصهيونية التي نبتت في الجسم العربي, الا ان ما هو مطلوب لذلك هو الاتي: 1ـ العودة الى الجذور التاريخية ليس لغرض التغني بها وانما لتوظيفها بما يضمن تأكيد الهوية العقدية والثقافية 2ـ المحافظة على المكتسبات التنموية المتحققة في بعض اجزاء الوطن العربي وزيادتها لتعود بالنفع على الاجزاء الاخرى من الوطن الكبير 3ـ اعطاء فسحة اكبر للحريات بما يكفل مرونة افضل في التعامل بين البشر والمؤسسات والهدف من ذلك تجسير الفجوة بين السلطة والشعب وضمان حد ادنى من الاستقرار السياسي. 4ـ استثمار الثروات الطبيعية الظاهرة والكامنة في الوطن العربي برأسمال عربي, وبالامكان تحقيق ذلك فيما لو فعلت المؤسسات المالية والاقتصادية القائمة وبشرط ان تلقى دعماً سياسياً غير مرتبط بفكر سلطوي 5ـ اعطاء فسحة جغرافية للمواطن العربي بحيث يستطيع ان يتحرك من قطر الى قطر بانسياب ووفق تنظيم دقيق لحاجة سوق العمل 6ـ توظيف الطاقات البشرية العربية المستقرة في الوطن العربي, واستقطاب العرب المهاجرين خارج الوطن العربي وتوظيفهم توظيفاً كاملا, بحيث يضمن ذلك تبادل المصالح والمنافع للطرفين, خاصة وان الموارد البشرية العربية لديها من الامكانات التعليمية والتدريبية والتخصصات الدقيقة بما يمكن العالم العربي من تنمية قطاعاته الانتاجية والخدمية والاستراتيجية لضمان الاستقلالية في القرار. 7ـ اعادة التضامن العربي, وذلك من خلال ايجاد صيغ تربوية واجماعية تتيح للشعب العربي قدراً اكبر من التفاهم فيما بينه, وتمكنه من فهم خطط واهداف خصمه, والله من وراء القصد. * نائب مدير جامعة الامارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات