اصبح موضوع (العولمة) من الامور محل البحث والجدل والنقاش ليس فقط على مستوى الجامعات ومراكز البحوث ولكن ايضا على مستوى التيارات الفكرية والاتجاهات السياسية, وادوات الاعلام, والرأي العام وفي هذا المجال يطرح المفكرون العرب عددا من المحاذير والمخاوف الجديرة بالتسجيل والاعتبار . ان جوهر (العولمة) او (الكونية) هو ازدياد الترابط والتداخل والاعتماد المتبادل بين ارجاء المعمورة قفزا على الحدود السياسية بين الدول وتجاوزا لحواجز المسافات والحدود واوضاع الحياة, وقد تحقق ذلك اساسا من خلال تداعيات الثورة العلمية والتكنولوجية, والتقسيم الدولي الجديد للعمل, وانشطة الشركات العملاقة دولية النشاط والتقدم الهائل في ادوات الاتصال ونقل المعلومات ومن هذا المنظور فإن العولمة كعملية تاريخية يشهدها واقع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية, تربط بين اجزاء العالم, وتجعلها مهما نأت, ضمن تفاعلات النظام العالمي, وبحيث تصبح جميعها جزءا من منظومة التفاعلات السائدة وطرفا فيها. واول هاجس يتعلق بهذا التطور يتصل بالعلاقة بين الشمال والجنوب, ذلك ان هذا الترابط والاعتماد المتبادل خصوصا من الناحية الاقتصادية يجري بالاساس بين الدول الصناعية المتقدمة فاذا تتبعنا نشاط الشركات دولية النشاط فسوف نجد ان الجزء الاكبر من مبيعاتها يتم في اسواق هذه الدول مما يعني ان عملية (العولمة) لها وجهان: الوجه الاول هو ازدياد الترابط والتكامل والتداخل بين اقتصادات الدول الصناعية المتقدمة والوجه الثاني يتمثل في ازدياد الفجوة بين تلك الدول والدول النامية, وهكذا ليس من الصحيح ان كل اقتصادات العالم يزداد ترابطها وتداخلها وانما الصحيح ان ذلك حادث بالنسبة لاقتصادات الدول المتقدمة بينما تتسع الهوة بين المتقدمين والمتخلفين. اما الهاجس الثاني: فيتصل بالعلاقة بين الاغنياء والفقراء فرغم كل التأكيدات على اننا نعيش في عالم واحد مترابط ومتداخل فإن الفجوة تزداد بين الاغنياء والفقراء, ولاتقل, وعلى سبيل المثال فإن تقرير التنمية البشرية لعام 1999 يبين بجلاء تلك الهوة وعندما نقارن الخمس الاكثر ثراء من سكان العالم بالخمس الاكثر فقرا يتضح ان الخمس الاغنى يساهم بنسبة 86% من انتاج العالم, بينما لايساهم الخمس الافقر سوى بنسبة 1% وان الخمس الاغنى يساهم بنسبة 82% من صادرات العالم مقارنة بنسبة 1% وان الدول الغنية سجلت 97% من براءات الاختراع وساهمت بنسبة 84% من الاستثمار في البحث العلمي والتطوير كما يشير التقرير ان الهوة بين الاغنياء والفقراء على مستوى العالم تتسع بمرور الزمن ففي عام 1950 كانت النسبة 1:35 ارتفعت الى 1:44 عام 1973 ثم زادت الى 1:72 في عام 1992 وهكذا فإن العولمة بغض النظر عن النوايا الطيبة للمبشرين بها ادت في واقع الامر الى تكريس وضع عدم المساواة الاقتصادية في العالم بين الدول الغنية والفقيرة من ناحية وبين الاغنياء والفقراء في داخل كل دولة من ناحية اخرى. ويشير الهاجس الثالث: الى ازدواجية المعايير التي تتسم بها سياسات الدول الصناعية المتقدمة فعلى سبيل المثال فإن هذه الدول تتبنى دعوة المحافظة على البيئة, بما يتطلبه ذلك من وقف كل الممارسات والانظمة التكنولوجية والصناعية التي تؤدي الى تلوث الهواء او الماء, ولكنها تتجاهل في الوقت نفسه, ان الشق الاكبر من الادخنة التي سببت تلوث البيئة وادت الى ثقب الاوزون جاء نتيجة لممارساتها هي عبر حقب طويلة من الزمان فهي تدعو الدول النامية الى وقف استخدام التكنولوجيات الملوثة للبيئة دون ان تكون على استعداد لتعويض هذه الدول ماليا, او توفير التكنولوجيات الاكثر تقدما باسعار مناسبة وقد ظهر هذا بوضوح في الاجتماع الدولي الذي انعقد بمدينة كيوتو اليابانية, والذي شهد مواجهة بين الدول المتقدمة وبعضها البعض وبينها وبين الدول النامية حول هذا الموضوع. وتبدو (ازدواجية المعايير) ايضا في المسائل المتعلقة بحرية التجارة, فهذه الدول التي ترفع عاليا رايات حرية التجارة وسهولة انتقال السلع بين الدول سرعان ما تتخوف عندما تبدأ بعض الدول النامية في دخول اسواقها, او الاستئثار بجزء هام منها, ونجاحها في المنافسة فيها, فتفرض عليها نظام الحصص, والذي لايسمح لها بالتصدير بما يتجاوز هذه الحصة, وقد تمنع هذا التصدير اصلا بدعوى الاغراق وهو الاتهام الذي يشير الى قيام الدول النامية ببيع منتجاتها في اسواق الدول المتقدمة باسعار تقل عن مثيلاتها في اسواقها الداخلية. واخيرا وليس اخرا هناك الهاجس المتعلق بالحفاظ على الهوية الثقافية, والقيم الدينية والتقاليد الاجتماعية الخاصة بكل شعب, فالعولمة لاتؤثر فقط في المجال الاقتصادي, وانما تؤثر ايضا على انماط الذوق والسلوك, والملبس, وذلك من خلال البث التلفزيوني المباشر عبر الاقمار الصناعية وتدفق المعلومات من خلال الشبكة الدولية وفي اغلب الدول النامية ظهرت اصوات تحذر من تأثير العولمة على ما يعتبره كل شعب جزءا من خصوصيته الثقافية والحضارية. ودعم من هذا التخوف ما طرحه بعض المفكرين الغربيين من ان العالم يتجه الى ثقافة عالمية واحدة, وجدير بالذكر ان التعبير عن هذا الهاجس الثقافي لم يقتصر على مفكري الدول النامية وانما عبر عنه ايضا مثقفو بعض الدول الاوروبية وعلى رأسها فرنسا. وهذه الهواجس لايمكن طرحها جانبا, او انكار وجودها لانها تنطوي على قدر من الحقيقة ويكمن التحدي في كيفية التعامل معها, وفي ماهية السياسات التي يجب ان تنتهجها الدول النامية لان العولمة هي واقع نعيشه, وهي مجموعة تطورات علمية وتكنولوجية واقتصادية لايمكن تجاهلها, او انكار وجودها او تلافي اثارها, اضف الى ذلك انها تتضمن فرصا للنمو والتنمية, من خلال التقدم التكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم, ويصبح السؤال هو: كيف تستطيع الدول النامية ان تستفيد من الجوانب الايجابية للعولمة وان تعظم مغانمها منها؟ وكيف تقلل من اثارها السلبية ومن مغارمها؟ التحدي الحقيقي اذن ليس في الانصياع المطلق او الرفض التام, ولكن في كيفية التعامل الايجابي مع (العولمة) .