شاي وجاتوه وديمقراطية! / 1، بقلم صلاح عيسى

أما الذي يغيظني فهو أن الكلام عن الديمقراطية اصبح اكثر من الهم على القلب.. لاتخلو منه صحيفة أو قناة تلفزيونية أو محفل خطابي أو دردشة سياسية على مقهى وكافتيريا او ديوانية.. مما يدعو الى الظن بان الامة العربية قد عادت واحدة, وان رسالتها الخالده , قد اصبحت المطالبة بالديمقراطية, وان الجميع قد اصبحوا ديمقراطيين من احفاد المرحوم ديمقراط الأول. وهو امر طبيعي تماما.. فقد جربنا ـ خلال القرن الذي اوشك على الرحيل ـ كل شيء من الحكم القومي الى الحكم الاشتراكي, ومن حكم العسكر الى حكم العمائم,.. وارتكبت جميعها في حقنا كل الجرائم من النكبات الى النكسات, ومن المشانق والمجالد الى المعتقلات والمنافي, أما الذي لم تركبه بعد فهو ان تحكمنا حكما ديمقراطياـ لان الله خلقنا احرارا ـ ولم يخلقنا تراثا وعقارا على حد قول المرحوم أحمد عرابي باشا ألف رحمة ونور عليه! قيل لنا: لاصوت يعلو فوق صوت المعركة, فخرسنا وصمتنا, ثم جاءت المعركة وانتهت, فماكدنا نرفع صوتنا لكي نتكلم, حتى قيل لنا: حاسب عندك.. لاصوت يعلو فوق صوت كامب ديفيد أو صوت مدريد أو صوت أوسلو واحد, ثم اوسلو اثنين ثم اوسلو ثلاثة والبقية تأتي. فالقانون الثابت والدائم هو: لاصوت يعلو فوق صوت المعركة. فإذا قلت لهم: معركة مع مين؟ قالوا لك: مع العدو الأمريكي والاسرائيلي. فإذا قلت لهم: ولكن 12 وزيرا ومندوبا عربيا اجتمعوا مع وزيري خارجية العدو الامريكي والاسرائىلي في الاسبوع الماضي وشربوا معهما شايا وأكلوا معهما جاتوه.. فأين هي المعركة. قالوا لك: الا تعرف ان المصارين في البطن بتتعارك وخصوصا عند أكل الجاتوه؟ وطبقا لشواهد آخر القرن, فإن شعار (لاصوت يعلو فوق صوت المعركة) سيظل مرفوعا الى الابد, وستظل هذه المعركة الوهمية قائمة الى يوم الدينونة.. فالمطلوب منا دائما ـ نحن الشعوب العربية ـ ان نتكلم بصوت خفيض هامس, والافضل الا نتكلم على الاطلاق, لان الله خلقنا ـ دون كل شعوب الارض ـ بثلاثة آذان, وبلا لسان, لكي نسمع فقط الدر المنثور الذي يسوقه إلينا مسؤولونا, أما ان نتكلم فتلك هي قلة الادب, وهذا هو التشويش المقصود على المعركة مع العدو الامريكي الاسرائىلي الذي يتعارك معه النظام العربي, بالشاي والجاتوه. وحتى لا نظلم أحدا, فنحن أحرار في أن نرفع اصواتنا, وان نعبر عن آرائنا بكل حرية ومن دون أيّ قيود, أو مساءلة, ولكن فقط أمام المرآه, أو في دورة المياه, لأن الكلام مع الأخرين يعتبر طبقا للقوانين المعمول بها في بلادنا العربية السعيدة, هو تحبيذ وترويج للمبادىء التي تقوم عليها الهيئة الاجتماعية, فاذا سألت اصحاب الشأن: من الذي وضع هذه الأسس؟ قالوا: إحنا فإذا تجاسرت وسألت: ولكننا لم نشترك في وضعها؟ هبطت كف الباشا مدير الامن العام على قفاك السعيد وقال لك: ما قلنا لك من زمان.. لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. فإذا لم يردعك ماجرى لقفاك وعدت لتسأل: عدو مين؟ فسوف يمنحك الباشا شلوتا محترما ينقلك من مكتبه الى إحدى زنازينه وهو يقول لك: العدو الأمريكي الاسرائيلي بتاع الشاي والجاتوه والباتون ساليه! .. أما وقد بلغت هذا الأسبوع, سن الستين, فقد اكتشفت بأسى بالغ, انني وجيلي عاصرنا التقلبات السياسية التي شهدتها الأمة خلال نصف القرن الأخير, من دون أن يكون لنا رأي في كل الذي جرى.. فلا الذين قلبوها من نظم رجعية إلى نظم ثورية, ثم اعادوها الى ماكانت عليه, ولا الذين حولوها من معركة عسكرية مع العدو الى معركة شاي وجاتوه وباتون ساليه مع نفس العدو حرصوا على أن يأخذوا رأينا, أو على الاقل على أن يطمئنوا إلى رضانا. بل أنهم لا حتى تجلوا علينا ولو بقطعة جاتوه من ماركة (أولبرايت) التي لا أشك في انها لذيذة جدا (الجاتوه وليس أولبرايت)! .. ومنذ أكثر من عشرين سنة, وأنا أمني النفس بأن أحلام جيلنا لم تذهب هدرا, وأقول لها على سبيل التعزية, صحيح أن الوحدة العربية اصبحت في خبر كان.. وان الاشتراكية ضاعت في الباي باي, وأن امريكا اصبحت صديقا استراتيجيا ـ واصبحت اسرائىل جارة يغازلها النظام العربي بقصيد (شوقي) التي يغنيها عبدالوهاب ـ وتكرر كل الاذاعات العربية اذاعتها في الحاح يدعو للريبة, مكررا ليل نهار (ياجارة الوادي ظمئت وجاء لي مايشبه الاحلام من رؤياك.. لكن الله سيعوضنا عن ذلك كله, بقليل من الديمقراطية, تتيح لنا أن نحكم أنفسنا بأنفسنا, ويسترد بها الجيل القادم كل الذي ضاع في خبر كان, والذي ضلع في الباي باي. لكن الأعوام اخذت تمر من دون ان يتحقق من آمالي إلاّ شيء واحد, هو العقوبة التي انزلها الله عز وجل, بالنظام العربي, الذي اصبح من الواجبات الدبلوماسية التي يقوم بها وزراء خارجيته, ان يقبلوا السيدة أولبرايت كلما التقوا بها, في زياراتها العديدة لدول المنطقة, او أو زيارتهم العديدة لمركز قيادة المنطقة بواشنطن البلد, وهي اقل عقوبة يستحقونها على انفرادهم دوننا بشرب الشاي وأكل الجاتوه والباتون ساليه. ومن الانصاف للنظام العربي ان نعترف بأنه على الرغم من انشغاله الشديد بالمعركة بين مصارينه, لم يضن علينا بهامش معقول من الحرية والديمقراطية فإذا لم يكن من حق أصواتنا ان تعلو فوق صوت المعركة, أو تتدخل بينه وبين مصارينه, فمن حق كل منا ان يرفع صوته بل وشومته على صوت الآخر وفي وجه شومته, وأنا أشهد أمام الله والتاريخ ومنظمات حقوق الانسان, أن أحدا لم يمنعني أو يعاقبني يوما لأنني مارست حريتي في معارضة أخواني المعارضين, فالحرية متاحة تماما للناصريين لكي يلعنوا سنسفيل حزب الوفد, وينقدوا رئيس الوزراء الراحل مصطفى النحاس باشا الذي توفاه الله منذ 35 سنة, ولا أحد يصادر حق اليساريين في أن ينددوا بالاخوان المسلمين, ويعارضوا المرشد العام المرحوم حسن البنا الذي توفاه الله منذ أكثر من خمسين سنة والاخوان المسلمون احرار تماما في ان ينقدوا المرحوم جمال عبدالناصر الذي مات منذ 29 سنة, فحق معارضه المعارضة ـ والشهادة لله ـ مكفول للجميع, وحرية الرأي والتعبير والنشر والنقد مكفولة في حدود القانون في حدود دفاتر الوفيات! ليس لدي في الواقع أي اعتراض على النظام العربي, الذي احبه واخلص له لأنني لا استطيع ان افعل غير ذلك والا خرجت على المبادىء الاساسية للهيئة الاجتماعية, واتهمت بتحبيذ وترويج آراء مضادة لها.. ثم ان الشيء من معدنه لايستغرب والحدأة لاترمي كتاكيت والنظم الاستبدادية لن تصبح ديمقراطية طالما النخبة العربية ـ السياسية والفكرية بل وحتى الاقتصادية ـ هي نفسها غير ديمقراطية, بل أنها تستخدم نفس المبررات والذرائع التي تستخدمها للسلطة العربية, حتى لاتفك قبضتها عن اعناقنا: خذ عندك مثلا هؤلاء الذين لايكفون ليل نهار عن الحديث عن المؤامرة الامبريالية الصهيونية الأمريكانية التي تتهدد الوطن العربي, وتفرض على الأمة العربية أن تحشد كل قواها لمعركة مقبلة مع العدو الاسرائيلي الامريكاني, وتبني قوة عسكرية هائلة لتحرير فلسطين من البحر الى النهر.. ويرون ان ذلك هو القضية الرئيسية التي لايجوز لنا أن نتشغل بغيرها, أو نقدم عليها سواها.. ويقولون بالفم المليان ـ بالماء لا بالجاتوه والشاي ـ ان الديمقراطية وحقوق الانسان والتعددية الحزبية هي (مؤامرة عولمية) من وضع (الموساد) و(السي. آي. إيه) لن يسفر الأخذ بها الا عن اضعاف الدولة وتفككها, وانشغالها بالجزئي عن الكلي, وبالتفصيلي عن الشامل, وانحراف النضال العربي عن اهدافه الأصلية.. وان الوضع (الجيوبولتيكي) للأمة العربية. وما يحيط بها من مؤامرات ودسائس وأطماع دولية, يفرض عليها وضعا استثنائيا دائما, هو أن يكون في كل قطر من أقطارها سلطة مركزية قوية, تجند كل قواها لمواجهة الخطر الخارجي, ويفترض ان تكون إحدى دولها مركزا لها تجتمع حوله اطرافها, حتى لاتتبدد بين القبائل الدولية المتصارعة. وبصرف النظر عن الشواهد الكثيرة التي تؤكد أن العلاقة بين النظام العربي واطراف المؤامرة الدولية إياها, قد أصبحت سمنا على عسل وشايا على جاتوه, وان سيادة النظام العربي ـ حفظه الله ـ قد فك قبضته عن عنق الامبريالية والصهيونية, بينما لاتزال هذه القبضة تشتد على اعناقها نحن, مع أننا سلمنا, أعناقنا على وعد منه بأن يقضي على العدو, فانني لا أفهم أين التناقض بين مواجهة العدو, وبين الديمقراطية, في حين ان هذا العدو نفسه, الذي هو امريكا واسرائىل بالشاي والجاتوة ـ لم يلغ الديمقراطية في بلاده, لكي يتفرغ للتآمر علينا, بل ان اسرائىل خاضت ضدنا أربعة حروب انتصرت في ثلاثة ونصف منها, من دون ان تعلن حالة الطوارىء او تفتح المعتقلات أو تزور الانتخابات أو تمنع الصحف من أن تقول الثعلب فات.. وإذا كنا قد جربنا الحرب مع العدو بلا ديمقراطية فانهزمنا, فلماذا لانجربها مرة واحدة بالديمقراطية لعلها تنتهي هذه المرة بشيء آخر غير (مدريد) و(اوسلو) وجاتوه (أولبرايت) ! وخذ عندك مثلا هؤلاء الذين يقولون ان الديمقراطية التي يطالبون بها, هي ديمقراطية في حدود ثوابت الأمة. فإذا سألتهم: ومن هو الذي يحدد هذه الثوابت. قال كل منهم: نحن فإذا سألت أحدهم عما يعتبره ثوابت في رأيه, قال إنها الوحدة العربية وعدم الاعتراف باسرائىل.. وقال الثاني انها تحليل ما احله الله وتحريم ماحرمه.. وبصرف النظر عن انه ليس من حق احد ان يحتكر لنفسه وحده, الحق في تحديد مايعتبره ثوابت للامة لابد وأن يلتزم بها الجميع, أو ان يعتبر نفسه الممثل الشرعي والوحيد لمقدساتها الدينية أو القومية, وأن تفسيره للنصوص الدينية هو التفسير الوحيد المعتمد فإن الثمرة الوحيدة لترويج مثل هذه الافكار, هو ان يعتبر النظام العربي القائم نفسه ثوابت الامة التي لايجوز لاحد ان يعارضها او يخرج عليها او يحاسبها. وهو كلام كلما قرأته, كلما عذرت النظام العربي, وايقنت ان الديمقراطية العربية هي التي قالت تلك العبارة المأثورة: (اللهم إحمني من اصدقائي.. أما أعدائي فإني كفيل بهم) .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات