القرار 242 والحقوق الفلسطينية، بقلم عبدالله الحوراني

يحتل قرار مجلس الامن الدولي رقم 242 قمة الخطاب التفاوضي الفلسطيني هذه الايام.وتمثل حدود الرابع من يونيو سقف المطالب الفلسطينية الرسمية.وخلف هذين الموقفين, تتراجع كل قرارات الشرعية الدولية او تبدو الاشارة اليها خجولة وتذكر من باب رفع العتب . نلحظ ذلك بوضوح في تصريحات المفاوضين الفلسطينيين, ونقرأه في الاتفاقيات والوثائق التي يجري التفاوض على أساسها. كما نلحظه للاسف في مواقف قياديين في منظمة التحرير لا يحتلون مواقع تنفيذية تضطرهم لهذه المواقف, وانما يقبعون في مواقع قيادية عليا من هيئات المنظمة التمثيلية, يتحتم عليهم ان يكونوا اكثر حرصا على القرارات الدولية التي تحفظ حقوق مجموع الشعب العربي الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. ازاء هذه المشاهد التي تطغى على الحياة السياسية الفلسطينية على ابواب مفاوضات الحل النهائي, التي ستحدد مصير القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني تبرز أهمية رؤية الصورة من جانبها الآخر. ان حدود الرابع من يونيو لم تكن يوما, حدودا فلسطينية اسرائيلية, والقرار 242 لم يكن يوما, قرارا يخص القضية الفلسطينية, فحدود الرابع من يونيو, هي مجرد خطوط لوقف اطلاق النار بين اسرائيل والدول العربية التي تعرضت للعدوان الاسرائيلي في الخامس من يونيو عام ,1967 وجاء قرار مجلس الامن رقم 242 ليعالج ذيول هذا العدوان وآثاره, ولم يتعرض هذا القرار لحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره, ولا في اقامة دولته المستقلة, ولا حق لاجئيه في العودة الى ديارهم وممتلكاتهم. والاشارة الوحيدة التي وردت فيه بخصوص اللاجئين, جاءت غامضة وعامة, تتحدث عن حل عادل لقضية اللاجئين, دون تخصيص للاجئين الفلسطينيين, مما فتح الباب الآن, لان تدرج اسرائيل من تسميهم اللاجئين اليهود من البلدان العربية في هذه الخانة, واضعة حقوقهم في مواجهة حقوق اللاجئين الفلسطينيين. ووفقا لما تضمنه هذا القرار, والظروف التي جاء فيها, فان المطالبة بانسحاب اسرائيل الى حدود الرابع من يونيو استنادا للقرار ,242 قد تكون اكثر ملاءمة للدول العربية المعنية, منها الى الطرف الفلسطيني, مع ان هذه الدول, كان بامكانها ايضا ان تطالب بعودة اسرائيل الى الخطوط التي حددتها اتفاقيات الهدنة لعام ,1949 لتصبح الحدود الدائمة بينها وبين اسرائيل, في اطار اتفاقيات السلام. فهذه الخطوط تسمح باستعادة حوالي 330 كم مربع من الاراضي التي احتلتها اسرائيل باعتداءات متكررة بين اعوام 49 ـ ,56 في منطقتي الحمة وطبريا في الشمال, ومنطقة العوجة في الجنوب. وهي مساحة تقارب مساحة قطاع غزة. فضلا عما تمنحه هذه الاراضي من ميزات للطرف العربي في مجال المياه, ومصادرها في الشمال, حين يشتد الصراع التفاوضي على هذه المسألة الحيوية. اما قضية فلسطين, فلها قراراتها الدولية الخاصة بها, سواء في قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة, او مجلس الأمن, وهي قرارات تتعلق بالارض والدولة والحدود واللاجئين والقدس والاستيطان. وهذه موضوعات التفاوض في مباحثات الحل النهائي. فاذا كان الجانب الفلسطيني, يود التسلح بقرارات الشرعية الدولية التي تدعم حقه, فان العنوان الرئيسي لذلك, ليس القرار ,242 وانما القرار 181 لعام 1947 اولا. فهذا القرار هو وحده من بين قرارات الشرعية الدولية الذي ينص على حق عرب فلسطين في تقرير مصيرهم, واقامة دولتهم المستقلة, مساويا بينهم وبين اسرائيل في حق الدولة, والمساحة التي يعطيهم اياها هذا القرار ـ على ظلمه الصارخ لهم ـ تبلغ حوالي ضعفي ونصف المساحة التي يعطيها القرار ,242 ويسمح ببقاء السكان العرب في ارضهم وممتلكاتهم سواء اوقعهم التقسيم في الدولة العربية الفلسطينية, او الدولة اليهودية. اما القدس, فاذا كان القرار 181 قد وضعها تحت ادارة دولية, فذلك افضل في كل الحالات, من ان تكون تحت الاحتلال الاسرائيلي, وهو على الاقل سوى بين القدس الشرقية والغربية, مما يعني انه في حال التفاوض على القدس, فان التفاوض لن يكون على القدس الشرقية (العربية) وحدها كما هو جار الآن, وانما سيتناول القدس كاملة, غربيها مثل شرقيها. وللقدس ايضا قرارات اخرى صادرة عن مجلس الأمن, تعتبر القدس الشرقية ارضا محتلة, باعتبارها جزءا لا يتجزأ من اراضي الضفة الغربية, وتعتبر الاستيطان فيها وحولها غير شرعي في نظر المجتمع الدولي. تماما كبقية الاستيطان في اراضي الضفة وغزة الذي ادانه المجتمع الدولي بقرارات صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العامة, وطالبت بازالته, وليس بوقفه او تجميده فقط, كما يدعو الخطاب السياسي الفلسطيني. وبالنسبة للاجئين, الذين يتجاوز عددهم الاربعة ملايين, فقضيتهم تخرج عن حدود القرار ,242 ذلك انها خصصت وحدها بقرار حمل الرقم ,194 واكد حقهم في العودة الى ارضهم التي طردوا منها عام ,48 وليس الى اراضي السلطة او الدولة الفلسطينية, كما يجري التلميح لذلك احيانا هذه الايام, او كما يتبرع بعض من يدعون الخبرة في دراساتهم وابحاثهم التي يعدونها بتكليف من جهات مشبوهة, ويعرضونها كأوراق عمل ـ سيناريوهات ـ تقدم كحلول للتفاوض على حقوق اللاجئين. وهذا القرار, جرى تأكيده سنويا من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة منذ صدوره في ديسمبر عام 1948 حتى اليوم, اي بما يتجاوز الخمسين مرة. وقد يكون من المفيد التذكير بأن الولايات المتحدة نفسها, ظلت تصوت بالايجاب على هذا القرار حتى العام ,1994 اي الى حين توقيع اتفاقات اوسلو, حيث توقفت عن التصويت الى جانبه, خشية ـ كما تقول ـ ان يؤثر ذلك في مجرى المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي. لكل هذه الاعتبارات, يبدو القرار الدولي رقم ,242 اقل القرارات الدولية تعاطيا مع القضية الفلسطينية, واقلها تعبيرا عن الحقوق الوطنية الفلسطينية, بل اقلها تناولا لها. وبالتالي فان الاستناد اليه وحده, يشكل الاستناد الى الحلقة الاضعف في سلسلة القرارات الدولية التي تخص القضية الفلسطينية. ومن يقرأ الخطاب السياسي الاسرائيلي جيدا الذي تمثل في لاءات باراك الشهيرة يوم انتخابه رئيسا للوزراء, وفي كلمة ديفيد ليفي الافتتاحية لمفاوضات الحل النهائي يلاحظ ان كليهما كان يقدم قراءة اسرائيل للقرار 242. فقد استبعدا عودة اللاجئين, وعودة القدس, والعودة الى حدود الرابع من يونيو, ولم يتعرضا لقيام الدولة الفلسطينية. وكلها, تقريبا, لم ينص عليها القرار 242. وحتى لو لم يكن الجانب الفلسطيني مقتنعا بامكانية تحقيق قرارات الشرعية الدولية التي تمكنه من حقوقه, بسبب قاموس الواقعية والعقلانية والموضوعية الذي انسانا كل ما في قواميس لغتنا من الفاظ مغايرة. فان منطق المساومة وشروطها يفرض على الاقل رفع سقف الخطاب التفاوضي حتى يمكنه الوصول الى الحد الادنى. لكن من يبدأ بسقف منخفض لا يجد امامه سلما للصعود, وسيضطر الى استخدام سلم النزول اكثر من مرة. ورغم كل الاختلال الذي تشهده موازين القوى ويتحكم في مواقف طرفي التفاوض, وهو اختلال لا تسأل عنه فقط الاوضاع العربية والاقليمية والدولية, وانما يتحمل جزءا غير يسير من مسؤوليته العامل الذاتي الفلسطيني وضعف بنيته واهتزاز ادائه, واهدار طاقاته بنفسه, واحراق اوراق قوته بيديه, فانه يتبقى للطرف الفلسطيني رصيد من القوة يسمح له بفرض الحد الادنى من شروطه, واعني بذلك تمتعه وحده بسلطة اقرار السلام من عدمه في المنطقة. فتوقيعه وحده هو الذي يمنح اسرائيل السلام او يحرمها منه. فلنحسن على الاقل قراءة الخرائط والوثائق قبل ان (نستل) القلم الذي لم يبق لنا من سلاح غيره.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات