قدم رئيس الوزراء السابق الدكتور كمال الجنزوري استقالته فقدمنا الشكر لرئيس الوزراء الاسبق الدكتور عاطف صدقي.ذهب الجنزوري.. فتذكرنا صدقي، لم يوجه الشكر للدكتور صدقي الرئيس مبارك فقط, وانما قدمه له الناس ايضا, ولكن جاء الشكر من الناس بعد حوالي 4 سنوات على خروج حكومته من السلطة وقبل ان توشك وزارة الدكتور الجنزوري على الرحيل, لقد قال الناس وداعا الجنزروي شكرا عاطف صدقي. وقد جاء تغيير وزارة الجنزوري دليلا على ان القيادة السياسية تشعر بمشاعر البشر في هذا الوطن الذين لايريدون التغيير لمجرد التغيير. او لمجرد الخروج من حصار الملل, وانما الان التغيير سنة الحياة من اجل التطوير ووصولا لحياة افضل وهي مهمة اي حكومة وفي الوقت نفسه كان توجيه الشكر لصدقي وحكومته دليلا على ان القيادة السياسية والبشر في هذا الوطن لاينسون كل من دفعنا الى الامام خطوة, وكل من فتح زهرة, ونفذ فكرة واجتاز بنا مرحلة صعبة, وان الذاكرة الوطنية ليست ضعيفة وهي تنسى فقط كل من استهان بالناس ونسي انهم هم بالفعل في قيمة الماس. كانت مهمة وزارة صدقي مهمة ثقيلة كان عليه ان يقوم بعملية الاصلاح المالي بكل مافيها من قسوة اجتماعية. تمهيدا لمرحلة اخرى. هي الاصلاح الاستثماري.. نتعوض ما جرى بما هو آت. كانت مهمة وزارة عاطف صدقي ـ استاذ المالية العامة بجامعة القاهرة ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات ـ مهمة ثقيلة كان عليه ان يوحد سعر صرف الجنيه المصري في سوق العملات.. ويحرره دون ان تخور قواه فتدوسه الاقدام... او تلقي به الايدي بعيدا وهي تصلي عليه صلاة الغائب..وتصلي للدولار صلاة الشكر, وكان عليه ان يخفف الى اقصى حد العجز في الموازنة العامة حتى ولو ارتفعت الاسعار وزادت الضرائب المباشرة وعلى رأسها ضريبة المبيعات.. وزادت ارقام البطالة ... كل ذلك تمهيدا لمرحلة اخرى من مراحل الاصلاح الاقتصادي تنطلق فيها الاستثمارات وتنخفض فيها الواردات وتزيد الصادرات وتستقر الاسعار وترتفع مستويات المعيشة. ورغم ثقل المهمة فإن صدقي ـ الذي اشتهر بالصمت وعدم القدرة على ان يعبر عن نفسه بالكلام الملون ـ قد أداها ببراعة ومهارة استاذ مالية عامة محترف. ولانه كان يعرف ان المهمة ستؤلم الناس ولو مؤقتا فإنه تحمل نقدا قاسيا من الصحف لم يحتمله غيره جلس في مقعده من قبل.. مرددا في اعماقه كلمة السيد المسيح وهو على الصليب (اغفر لهم يا أبتاه انهم لا يعلمون) .. وساعد على ذلك انه رجل بسيط, يعرف حدوده, ويعرف طبيعة النظام السياسي الذي يعمل فيه, ويعرف ان الجراحة تؤلم المريض حتى ولو كانت لمصلحته في النهاية. وذهبت مرحلة الجراحة.. وجاءت مرحلة النقاهة.. ذهب صدقي.. وجاء الجنزوري.. ومع التغيير كان التفاؤل حاضرا والاستقبال حافلا, فرئيس الحكومة الجديد ـ الذي ولد في 12 يناير 1933 وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة (ميتشجان) الامريكية هو شخص جاء من قلب الحكومة وتدرج في مناصب متنوعة فيها, من محافظ في الوادي الجديد الى محافظ بني سويف... ومن مدير معهد التخطيط الى وزير للتخطيط.. ومن نائب رئيس الوزراء الى رئيس الوزراء.. وهو مايعني انه يعرف باللمس لا بالهمس ـ خلال سنوات طويلة جرت في ثلاثة عهود رئاسية ـ كل مشاكل وهموم المواطن المصري التي عليه ان يحققها في مرحلة الاصلاح الاستثماري المكلف بعبورها كما انه كان متشوقا لان يصل الى كرسي رئاسة الوزارة وكاد ان يلمسه في وقت من الاوقات ثم لم يجد نفسه عليه. ان صعود درجة.. درجة على سلم البيروقراطية المصرية جعلنا نتصور انه مستوعب لكل المشاكل وعارف بكل تفاصيلها وقادر على حلها منذ اللحظة الاولى التي سيتولى فيها المسؤولية. وقد سمعت منه في الوقت الذي تولى فيه المسؤولية ما يجعلنا نقفز في الهواء فرحا وطربا ... قال ان الانضباط يبدأ بالوزراء الذين يتربعون على قمة جهاز اداري فيه 6 ملايين موظف كل منهم قادر على اصابة المواطن الذي يتعامل معه بالصرع.. او يدفعه للجنون او الانتحار او (التنكيت على الحكومة ورجمها بالشائعات) . وسمعت منه مباشرة ان المواطن لايريد ان يسمع او يقرأ وانما يريد ان يرى.. وان البيانات الرسمية الملونة التي زهق منها لاتكفي وانما لابد ان يشعر المواطن بحصانة كرامته اذا ما دخل قسم شرطة وبحماية جيبه اذا ما دخل مصلحة حكومية وبصيانة وجوده اذا ما وقف امام مسؤول مهما كان حتى لو كان رئىسا للوزراء. وسمعت منه وجها لوجه انه ىجب ان يشعر المواطن بتحسن في معيشته خلال فترة وجيزة.. يكفي ما تحمله الناس خلال السنوات السابقة التي كان كل هم الحكومة فيها جباية الضرائب وتحصيل الاموال بغض النظر عن آثار ذلك على السوق والاستثمار والبطالة والتطرف .. ومن ثم كانت الحكومة تنفق على الأمن ماتجمعه من حبات عيون الناس, ان المواطن هو اللافتة الحمراء التي تقول لبلدوزر الحكومة (قف) ... لكنها لم تكن تحترم اشارات المرور .. فكان ان تقطعت انفاس الناس وسكبوا الثلج على اورامهم وجراحهم .. واعطوا الحكومة ظهورهم وتركوها وحدها في العراء. ولم يتردد الدكتور الجنزوري ـ وزير التخطيط البارع في عرض الارقام ـ في ان يقول ان مهمته هي استثمار 120 مليار جنيه ودائع في البنوك المصرية .. وان يقنع 120 مليار دولار يضعها المصريون في البنوك الاجنبية الخارجية بالعودة الى الوطن .. خاصة وان الحكومة التي سبقت حكومته لم تستثمر سوى 400 مليون جنيه في عام 1995 .. في حين جذبت دولة مثل اندونيسيا 40 مليار دولار لسوقها في نفس العام. واضاف الجنزوري: (ان القوة الآن ليست السلاح وانما الاقتصاد . واننا لا يكفي ان نتصرف كدولة متقدمة .. بل يجب ان نكون بالفعل دولة متقدمة) . وظل الجنزوري يتكلم .. ويتكلم .. دون ان يمنح غيره هذا الحق .. ولكن ... ما اثار الدهشة وسبب الصدمة ان شيئا مما قاله لم يتحقق .. فلا المواطن شعر بالراحة .. ولا الاستثمارات تدفقت .. بل اكثر من ذلك بدت ان مرحلة الاصلاح المالي التي نفذها عاطف صدقي مهددة هي ايضا فيما عرف بازمة الدولار .. ان ماقاله الجنزوري ولم ينفذه كان السبب المباشر في ان يقوم رئيس الدولة بالبحث عن بديل .. وبتوجيه الشكر لعاطف صدقي, لانه على حد قول الرئيس هو الذي جعلنا نصل الى ما نحن فيه. اكثر من ذلك .. بدا ان هناك صراعات مكتومة سرعان ماطفحت على السطح بين رئيس الوزراء والوزراء .. وانتقلت هذه الصراعات من الحكومة الى البرلمان, ثم انتقلت الى الصحافة, ثم انتقلت الى المحافظين .. وطالت بصورة او اخرى رجال الاعمال ,وبدا ان عفريتا نفخ شروره في اوصال مؤسسات الدولة فراحت تتناقض مع نفسها .. مع ان هناك دورا محددا لكل مؤسسة, ولكل مسؤول فيها. وفي كثير من الاحيان كان الوزراء يفاجأون بما يعلنه رئيس الوزراء .. بما في ذلك بيان الحكومة الذي كانوا يستمعون اليه في مجلس الشعب مثلهم مثل غيرهم .. وفي كثير من الاحيان كانت الارقام في بيان الحكومة يعاد تصحيحها عند نشرها في الصحف .. وفي كثير من الاحيان كان الوزراء يفاجأون بتعديلات حادة وتغيرات حادة في الوزارات المسؤولين عنها دون اخذ رأيهم .. وكان بعضهم يعرف بما يجري في وزارته من الصحف. وكان هدف هذا الصراع الخشن في الكواليس ـ والذي تردد صداه خارج مبنى مجلس الوزراء ـ هو ان يحكم الدكتور الجنزوري قبضته على كل شيء لتصبح له وحده اليد العليا في كل صغيرة وكبيرة .. وهو ما استغرق معظم الوقت والجهد كانا على حساب العمل والانجاز لرجل كان قادرا عليهما. لقد راح الجنزوري يجمع في يده كل ما يمكن جمعه من سلطات وصلاحيات وفي الوقت نفسه راح يفرغ مافي سلطات الآخرين التي لم يقدر على الحصول عليها من قوتها في ظاهرة اتصور انها لم تحدث في مصر منذ حكومة اسماعيل صدقي .. وربما فعل الجنزوري ذلك بحسن نية .. ولكن الطرقي الى جهنم مفروش بالنيات الطيبة. ان السلطات والصلاحيات التي كان (يكوش) عليها الجنزوري .. والصراعات التي فجرها او غذاها هو واقرب المساعدين اليه المستشار طلعت حماد افقدته كل فرص العمل والنجاح .. وجعلته بدلا من ان يضيف على مافعله عاطف صدقي يهدد ما سبق ان حققه سلفه .. وهو الدرس الذي يجب ان يستوعبه خلفه. اننا نريد لهذا الوطن ان يتقدم ويتطور ويخترق الافاق ويناطح الشمس وهو يملك الامكانيات والطاقات اللازمة لذلك .. وهو مايجعلنا نراجع ونفحص ما سبق حتى نتجنب تكرار الاخطاء .. ونسد ثغرات العيوب والعورات . ونحتفظ بما كان فاعلا .. فاخطر مانعاني منه هو التراكم والاحتفاظ بكل مافات دون توقف وتقييم وفحص بدعوى عفا الله عما سلف .. او بدعوى ان الضرب في الميت حرام. لابد في لحظات التحول ان تكون اعيننا مصنوعة من مادة حساسة جدا, كأفلام التصوير, نطبع عليها كل تفاصيل حياتنا, حتى نكون قادرين على ان نقارن بين فترة واخرى ... حتى نكون قادرين على التقييم والتغيير .. واذا لم نفعل ذلك فان الصور التي ستظهر فيما بعد ستكون صورا فاشلة غير قابلة للتظهير او التكبير .. لان الاضاءة اصبحت رديئة ومدى الرؤية اصبح ضيقا جدا, والاحلام تكون قد احترقت وايضا العدسات وكذلك عيوننا. ولانملك برنامجا للمرحلة المقبلة افضل من برنامج الرئيس مبارك الذي قدمه لنواب الامة في مجلس الشعب بعد حلف اليمين الدستورية لفترة رئاسية جديدة ... فقد تحدث عن العدالة الاجتماعية, وصناعة المعلومات, والقفزة التكنولوجية, وعقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم, وحقوق الانسان وصيانة كرامة المواطن المصري, ورفع مستوى معيشته ليصبح في مستوى الدخول المتوسطة المتزايدة .. واحترام القانون, ودعم حرية الصحافة, ومؤسسات المجتمع المدني, ومواجهة الفساد بقوة القانون ويقظة الحكومة. لكن .. هذا البرنامج الوطني الطموح يحتاج لرجال يرتفعون ويترفعون عن تفاصيل المتاعب والعقد النفسية والسياسية .. ان يكونوا على ثقة بانفسهم ولا يفقدون الوقت في صراعات لا طائل منها .. وان يعرفوا جيدا ان هذا الوطن حساس لكل من يقدم له حبة عرق .. ولا يتردد في ان يلفظ كل من تصور نفسه اكبر واقوى منه .. انه خطأ تاريخي وقع فيه كثيرون تجاوزا الخط الاحمر فانكسرت اعناقهم قبل ان يفقدوا مواقعهم.