النمط صار معلوما .. ويخشى انه ارتقى إلى مستوى قاعدة ثابتة, اسرائيل تضع معادلة تأخذ بمقتضاها كل شيء, ولا تعطي شيئا في المقابل, الفريق التفاوضي الفلسطيني على الطرف الاخر يرفض المعادلة على مدى جلسات تفاوضية متعددة, واخيرا يقدم الاسرائيليون تعديلا شكليا على المعادلة لا يمس جوهرها , فيرضخ الفريق الفلسطيني, وعلى هذا الاساس يوقع اتفاق. قبل شهر تم ابرام اتفاق (واي2) على هذا المنوال, والان, خلال الاسبوع المنصرم, وعلى نفس النسق جرى التوقيع على اتفاق (الممر الامن) , وعلى هذا النحو فان (عملية السلام) تسير على خط احادي وفق الاجندة الاسرائيلية, فعلى اي وجه تصل العملية إلى منتهاها؟ هل يرضخ الفلسطينيون ايضا للمخطط الاسرائيلي بتعليق التفاوض إلى الابد حول القضايا المصيرية: القدس ومصير اللاجئين ومصادر المياه وحدود الدولة الاسرائيلية؟ ان اتفاقية (الممر الآمن) جديرة بالتأمل لانها تلقي ضوءا على ما ستكون عليه طبيعة الامور مستقبلا. القضية تتعلق بحرية المرور للفلسطينيين بين قطاع غزة والضفة الغربية عبر طريق بري يربط بينهما عابرا الاراضي الاسرائيلية, والاتفاق الذي جرى ابرامه يجعل هذا الطريق مفتوحا للمواطنين الفلسطينيين ولكن وفق شروط امنية وضعتها السلطات الاسرائيلية وقبلتها السلطة الوطنية الفلسطينية. هذه الشروط تتعلق اساسا بمسألتين: صرف البطاقات المرورية التي تسمح لاصحابها من الفلسطينيين استخدام الطريق من ناحية, ومن يملك سلطة اعتقال فلسطينيين من مستخدمي الطريق عندما تدعو ضرورة امنية. هاتان المسألتان الدقيقتان كانتا محور خلاف بين فريق التفاوض الذي ظلت حدته تتصاعد لمدى ايام متصلة بسبب اصرار الجانب الاسرائيلي على الانفراد بالامتيازين: امتياز صرف البطاقات لمن تراه السلطات الاسرائيلية جديرا بالمنح من الفلسطينيين, وامتياز حق الاعتقال على طول الطريق, وانتهى الخلاف اخيرا بتنازل الجانب الفلسطيني بعد ان قدم الاسرائيليون تعديلا تزويقيا يقضي بامرين: بالنسبة إلى البطاقات (تقدم الطلبات) إلى السلطة الفلسطينية, ولكن البت النهائي بالموافقة أو الرفض يظل من حق السلطات الاسرائيلية, اما بالنسبة إلى الاعتقال فقد وافق الطرف الفلسطيني ان ينفرد به الاسرائيليون مع اضافة عبارة إلى البند الخاص بالاعتقال في وثيقة الاتفاقية ينص على ان عمليات الاعتقال لا تجري الا في (الحالات الشاذة) , ويفيد النص ضمنا ان تفسير (الحالات الشاذة) متروك للسلطات الامنية الاسرائيلية. وليت القضية كانت محصورة في الاطار الامني هذا على علاته, فقد ظهر في ثنايا المسار التفاوضي ما هو اجل شأنا وخطرا, وهو ان الجانب الاسرائيلي اوضح للفلسطينيين منذ الوهلة الاولى ان المرجعية التفاوضية التي يلتزم بها هي (السيادة الاسرائيلية) , واذا كان الوفد الفلسطيني قد وضع توقيعه على الاتفاقية على اساس هذا المفهوم الاسرائيلي الاحادي فان هذا من شأنه ان يؤكد ان اسرائيل لاتزال متمسكة حتى الان باستمرار السيادة الاسرائيلية على الاراضي الفلسطينية اليوم وغدا, وهذا يعني انه حتى لو قامت (دولة) فلسطينية على اراضي غزة والضفة فانها سوف تكون مستقلة شكلا لا مضمونا بخضوعها للسيادة الاسرائيلية. هذا على المدى البعيد, اما على المدى الفوري فان (الممر الآمن) سوف يكون أداة من ادوات الابتزاز الاسرائيلي للفلسطينيين, فالطريق البري سوف يصير بمرور الوقت شريانا اقتصاديا يعتمد عليه الفلسطينيون في الربط بين سوق غزة وسوق الضفة, وما دام امر اغلاق الطريق في اي وقت ولأي سبب بيد السلطات الاسرائيلية فان اسرائيل تكون بهذا في موقف يمكنها من خنق حركة الاقتصاد الفلسطيني في اي وقت ترى.