نعود الى السؤال الاصلي: هل تركب الحكومة السودانية مخاطرة غير محسوبة بمطالبتها القاهرة بتسليم الفريق عبد الرحمن سعيد؟ ان الخرطوم تحاول, كما يستخلص من تصريحات رسمية, ان تقنع نفسها بأن مطالبتها هذه لا تنطوي على اي مغزى سياسي... فهي كما تقول, تتعلق بمسألة قانونية صرفه تندرج تحت بنود (الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب) وهذا المنطق ربما يكون صحيحاً من الناحية النظرية لكنه غير ذلك على صعيد الواقع التطبيقي. فمن المستحيل الفصم بين السياسة والقانون في مثل هذه المسائل. ان من المفترض على الصعيد الواقعي ان الولايات المتحدة تمارس ضغوطا على مصر بهدف اثنائها عن المضي قدما في مشروع المصالحة السودانية. وهي ضغوط تتكامل مع ما يبذله العقيد جون قرنق ومعه العسكريان الشماليان العميد عبد العزيز خالد والفريق عبد الرحمن سعيد على صعيد موازٍ لنسف المشروع من اساسه او على الاقل تمييعه. من هذا المنظور المزدوج فان الطلب السوداني الى السلطات المصرية بتسليم الفريق عبد الرحمن او رفيقه العميد عبد العزيز خالد سيؤدي حتما الى احراج القاهرة, سياسياً. وهذا هو معنى القول بأن المطالبة السودانية تنطوي على مخاطرة. وبالتالي فان السؤال الذي يجب أن يطرح هو: هل هي مخاطرة محسوبة جيدا بحسابات الربح والخسارة؟ ان الاجابة تعتمد على مدى تجاوب او عدم تجاوب مصر مع الضغط الامريكي بشأن مشروع المصالحة. وهنا يتعين على الحكومة السودانية ان تتوخى اقصى درجات الحذر والدقة في تعاملها الدبلوماسي مع هذا الموقف الحساس وكيف تستطيع ان تقرر لنفسها المضي في مطالبتها القاهرة بتسليم شخصية معارضة قيادية تحظى برعاية واشنطن. لنفترض ان التحريات المعلوماتية الدقيقة اثبتت للحكومة السودانية ان مصر مصممة على المضي قدما مع ليبيا في مشروع المصالحة للوصول به الى منتهاه. من هذه الحالة فان الحكمة تقتضي من الحكومة السودانية تناسي مطالبتها بتسليم الشخصية المذكورة في قبيل المحافظة على حالة الود القائمة حاليا على صعيد العلاقات المصرية السودانية... وبالتالي المحافظة على استمرار الدور المصري في مشروع المصالحة. لكن الامر يختلف بالطبع اذا ثبت العكس. اي اذا تبين للخرطوم بصورة قاطعة لا لبس فيها ان القاهرة تميل الى مسايرة الخط الامريكي تجاه المشروع التصالحي. على أي حالة لم تظهر حتى الآن شواهد حاسمة وقاطعة يمكن ان تفسر بأن حماسة القاهرة نحو المصالحة السودانية اخذت تفتر. وهذا الاستنتاج يدعمه التوجه الاستراتيجي الثابت لمصر تجاه قضية جنوب السودان في مقابل التوجه الاستراتيجي الامريكي. فالتوجهان متناقضان رأسيا. فبينما تهدف الاستراتيجية الامريكية في احدث طروحاتها الى فصل الجنوب السوداني في نهاية المطاف وتحويله الى دولة مستقلة تحت حكم حركة قرنق فان الاستراتيجية المصرية قائمة اساسا على رفض اي مسعي لفصل جنوب السودان. وهذا الرفض مبنى على ثوابت المصالح (الجيوبوليتيكية) المصرية المتعلقة بقضية مياه النيل واقتسامها بين دول حوض النيل. ثم هناك اعتبار اخر فمشروع المصالحة بين الحكومة السودانية والمعارضة هو في الاصل مبادرة ليبية صرفه شاركت فيها مصر لاحقا. وليس من المتصور ان تتخلى مصر عن المشروع او تتباطأ تجاهه لتنفرد ليبيا به.