تحري اوراق المفاوض السوري في ضوء كل من موازين القوى مع اسرائيل والمعطيات العربية والدولية, عملية تنطوي على حساسية خاصة, ففي ظاهرة التحليل, يبدو موقف دمشق حرجا بما يحتاج منها الى التربص والحذر الشديد, على اعتبار ان المعطيات المتوفرة لاتقدم بيئة مواتية لمفاوضيها . بيد ان التجاوز الى ماهو اعمق من السطح والتدبر في التفصيلات قد يصل بالمرء الى صورة اكثر تفاؤلا بالنسبة لحال دمشق التفاوضي وفي ندوة محدودة لبعض الخبراء بالقاهرة, تم التطرق مؤخرا الى هذا الحال, وجرى استخلاص مايوحي بمثل هذه الصورة لقد تبين ان دمشق ليست خلو اليدين مما يمكنها به التأثير على عملية التسوية الاقليمية برمتها, ناهينا عما يعزز قوتها التفاوضية الذاتية وملاحقة حقوقها الوطنية .. وكان مما تم تداوله بالخصوص: اولا: ان دمشق تتبع سياسة النفس الطويل والعقل الهادىء واذا كان عامل الزمن كما يقال ليس في صالحها لأن اسرائيل تستخدمه لنشر حقائق على الجولان المحتل, الا ان اهدار الوقت اقل وطأة من الهرولة المفضية لاضاعة الحقوق, وبمناسبة عامل الوقت ثمة من يرى ان القيادة السورية وظفته خلال العقود الثلاثة الماضية في تحقيق الاستقرار الداخلي, بما يضمن دحر اية اختراقات خارجية سلبية وان هذه القيادة اقرب الى التمسك بثوابتها وقناعاتها, لاسيما وانها صاحبة افكار رؤيوية قومية, كما انها صاحبة خبرة ممتدة تعرف بها تضاريس الصراع الممتد مع الصهيونية واسرائىل, بما يدرأ عنها شبه السعي الى حلول سهلة او تفريطية. ثانيا: يتصل بتقييم عامل الوقت امر يميل له لصالح دمشق , فالولايات المتحدة المشوقة الى تصنيف المنطقة ( الشرق الاوسط) وفق مشروعها للتسوية وهي بحق المهندس التنفيذي لهذا المشروع, يهمها الانتهاء من هذه العملية الكبرى قبل ان تهب رياح غير مواتية, اقليميا كان مصدرها او دوليا او سوريا بالذات. وهي تدرك بالتجربة قوة النظام السوري واستقراره وقدرته على اتخاذ القرار. ويعنيها سرعة استغلال هذه الخصائص في الاجواء العربية الحالية. وتدرك واشنطن ايضا ان التسوية الاقليمية الشاملة مستحيلة من دون الركن السوري, وذلك عملا بالحكمة الشهيرة انه (لاحرب بدون مصر ولاسلام في الشرق الاوسط بدون سوريا) . ثالثا: دمشق ليست بمعزل عن بقية مسارات التسوية. فارتباطها بالمسار اللبناني اضحى موضع اعتراف من الجميع اسرائيليا واقليميا ودوليا, وقد جربت تل ابيب غير مرة تمرير فكرة لبنان اولا, وباءت بفشل ذريع لكن الأهم من ذلك, ارتباطها غير المباشر ــ ولعله مباشر؟ بالمسار الفلسطيني في قضاياه الاصعب, اذ يعيش في رحاب الملجأ السوري نحو نصف مليون فلسطيني ومثلهم في الرحاب اللبنانية, ومن العبث الاعتقاد ان هذا الكم لايمثل بمعنى ما ورقة سورية في باطن المسار الفلسطيني ولهذا العنصر بالذات فضلا عن امكانية التأثير والتأثر بقضايا الحدود والمياه, والتعاون الاقليمي التي تعني مستقبل الكيان الفلسطيني الجاري توليفة بصعوبة ـ ينبغي الاعتراف بان شركاء المسار الفلسطيني مشغولون فعلا, او انهم على وشك الانشغال, بموقف سوريا ورؤاها, ولنا ان نفترض وجود امكانية لدى دمشق لاعمال هذه الرؤى في لحظة بعينها, ومن ثم, اهتمام اولئك الشركاء بالاتجاه الذي تتخيره دمشق على هذا الصعيد. رابعا: اثبتت دمشق حتى الآن قدرة فذة على تبصر المستجدات الاقليمية والدولية وتداعياتها على موازين القوى السياسية والعسكرية مع اسرائىل, وهي تعاملت مع هذه المتغيرات بعقلية مرنة وتمكنت من امتصاص انعكاساتها السلبية بحكمة ظاهرة فلنتذكر مثلا تعاملها مع الهيجان الامريكي ضد العراق في مطلع التسعينات, ومع الهيجان المثيل اقليميا من جانب تركيا لاحقا, والحفاظ على نمط تحالفها مع طهران وسط اجواء عاصفة, وعلى حميمية العلاقات مع دول الخليج ومع القاهرة وعمان .. وبصفة عامة, فانه من المثير حقا كيف ان عاملي السن والرغبة في الحفاظ على الثوابت بين يدي القيادة السورية لم يحملاها على تجاهل تطور العوامل الاقليمية والدولية من حولها. خامسا: تعرض دمشق سياستها ازاء التسوية مشفوعة بمرجعية قانونية صلبة, كالتقيد بقرارات الامم المتحدة وتفنيد مواقف اسرائيل اولا باول, وهي تجد في هذه السياسة مساندة حتى من اصدقاء تل ابيب وبعض حلفائها التقليديين, وعندما ابت مؤخرا استئناف المفاوضات الا من عند النقطة التي انتهت اليها عام 1996 لقيت موافقة من كل شركاء التسوية والمهتمين بها الاوروبيين والروس والعرب والامريكيين ..). سادسا: مع اعلانها ان السلام يمثل هدفا عزيزا لانهاء الصراع الا ان دمشق افهمت الجميع انها لاتطلب (اي سلام) ولم يثبت انها القت خلف ظهرها الخيارات الاخرى, بما في ذلك بديل المقاومة وحق استرداد الحقوق بالقوة. وهذه المعادلة تعد منطقية ومتسقة مع مبادىء التفاوض الصحيحة, واذا كانت موازين القوة مختلفة نسبيا لغير صالحها, فان لديها في التحليل الاخير القدرة على ايلام اسرائيل عسكريا. وفي المحصلة, توازن دمشق بين التحرك السلمي المحسوب ومراكمة عناصر الردع في حدود الممكن. سابعا: تقرأ دمشق بتمعن تفاعلات الداخل الاسرائيلي ازاء التسوية على المسارين السوري واللبناني, والظاهر ان هذه القراءة تحملها على تفهم معاني خسران الاحزاب الاسرائيلية الرافضة للانسحاب من هضبة الجولان. وتحرق الرأى العام الاسرائيلي للخروج من الجنوب اللبناني المحتل. وميل المستوطنين بالجولان للرحيل بثمن مادي معين, واعلان بعض المرشدين الروحيين الكبار مثل (عوفاديا يوسف) ان الجولان ليس جزءا من ارض اسرائيل. ثامنا: تؤكد الشواهد ان دمشق تعي جيدا دروس التفاوض على المسارات الاخرى. ومن ذلك مخاطر الانصياع للتكتيكات التفاوضية الاسرائيلية كاعادة التفاوض على ماتم الاتفاق عليه, والمرور من خلال ثغرات التعميمات والصيغ الغامضة , وهي تدرك ضرورة العناية بادق التفاصيل وعدم الاعتماد على حسن النوايا واحتمال عدم تنفيذ الاتفاقات الموقعة, واهمية التشبث بالشرعية الدولية. لقد اجادت السياسة السورية التعامل بهذه الاوراق, واذا توفر لها عنصر الدعم بحيثية اكبر من النظام العربي, فسوف يكون لهذه السياسة شأن اكثر فاعلية.