لكأن القدر أراد ان يختبر قوة أعصابي وتحملها, لكأنه قدر لليلي وجه غير تلك التي كنا نرتب لها, حيث كانت الموسيقى تراقص أرجاء المكان أثناء انهماكي في قراءة دراسة مهمة موسعة عن الفكر الوجودي في أعمال نجيب محفوظ ويوسف ادريس , وبينما كنت على هذا الحال ساقتني صرامة الدراسة إلى طلب القليل من الراحة من هذا المعترك القرائي, فقمت إلى تشغيل جهاز التلفاز لعله يمنحني قدرا من المتعة يريحني من انحناءة الظهر وارهاق البصر, ويالها من لحظة عصفت بكل هدوء الوقت وجلال الليل وأماني المعرفة, لحظة كانت بمثابة الابرة التي فجرت بالون القرف والاشمئزاز النائم داخلنا. فلقد شاهدت وجبة دسمة من السخافات تقدم لها مذيعة سنيورة من اللائي يتم اختيارهن لقوامهن وابتسامتهن فقط, فقط جدا! أما الضيف فلقد كان البقعة الأكثر قتامة, والمفصل الأظهر ارتخاء, ولست أدري ما هي المقومات التي قدمت به في وجوهنا وكأنه مكلف بتكريس عوراتنا التلفزيونية! جلس الضيف بكل وقار وأناقة, تتوجه صلعة مهيبة تشي بعبقرية طبية سوف ننهل منها كل ما لذ وطاب, وخفي من علم ومعرفة عن المحرومين أمثال كاتب السطور, وما ان بدأ الضيف يتحدث في موضوع البرنامج, وهو عن حالة الطفل النفسية, حتى فجعت ايما فجيعة في طريقة كلام الضيف المبجل. فرغم كل ما نعانيه من انهيار الفصحى, وتفشي العامية المبالغ فيه, فضلا عن مجانية القول والكلام السارح في قنواتنا التلفزيونية, ورغم كل الهزال الأسلوبي والأنيميا المعرفية, والضحالة الثقافية, وفقر الوعي الذي ينهب برامجنا, إلا ان الذي شاهدناه كان من فصيلة السقوط المدوي والتهافت المخجل. رابعة الأثافي يقولون في الأمثال الفصيحة حين يصاب شخص ما بمتوالية مصائبية: رماه فلان بثالثة الأثافي, وهي معجميا تعني أحجارا ثلاثة توضع عليها الطنجرة, لكن ليسمح لي فقهاء الأمثال واللغة والقارئ العزيز ان أضيف أثفية رابعة, حتى لا تهرب المأساة وتستقر الفضيحة على رواسيها الأربع, فتبدو كدابة مريضة حان وقت ذبحها. أما أولى الأثافي الواردة في هذا البرنامج فهي ان معظم تساؤلات المشاهدات وهن أمهات بطبيعة الحال فهن صاحبات الرحم والميلاد وسهر الليالي والقلق على النمو النفسي والجسدي لأولادهن, لم تجابه إلا إجابة واحدة هي (لا أستطيع التشخيص لحين رؤية الطفل) . ولست أدري, إذا كان الأمر كذلك لماذا لم ينقذ مخرج البرنامج ماء وجه ضيفه وبرنامجه بأن يوقف المكالمات طالما ان الضيف الفطحل ليس لديه ما يسد رمق الأمهات المشروخات بالحزن على أطفالهن؟ ألا يعلم سيادته أن هناك بعض الأمهات ليس في مقدورهن دفع أتعاب الكشف السريري؟ وانه من الممكن ان تكون بعض المكالمات منطلقة من حالة العوز والحاجة, والبحث عن اجابة تضيء الطريق لحالة أطفالهن؟ فنحن نعلم ان الكثير من حالات الطفل النفسية يمكن علاجها أو التخفيف من حدتها عن طريق التوجيه السلوكي عبر الهاتف, ولكن يبدو ان ضيفنا خريج كلية سياحة وفنادق, لفرط بشاشته وتخصصه في توزيع الابتسامات, من دون ان يجود علينا أو على المشاهدين بما يسمن أو يغني من جهل. أما ثانية الأثافي فهي معلومات الضيف الموقر عن (سيكولوجية) الطفل, فنظرا لاهتمامنا بكل ما يخص الطفل والذي وصفناه في الماضي بأنه كرامة الحاضر وذخيرة المستقبل, فإن الشوق قد داعبنا لمعرفة المزيد عن عالم (البذور الانسانية) , لكن يعلم الله لو ان (الكتاتيب) في الزمن الغابر قد درست لنا شيئا عن علم نفس الطفل, لجادت علينا بما يفوق علم (فلتة زمانه) بعشرات المرات, فهو على سبيل المثال يؤكد ويصر بشكل (مطلق) على ان نفسية الطفل هي انعكاس مباشر ووحيد للعلاقة بين الأب والأم, متناسيا أو أنه لا يعلم بأن التلفزيون ونوعية برامج الأطفال والمدرسة ومواصفات المدرسين والمدرسات, من حيث طرائق تدريسهم وتعاملهم مع الأطفال, والشارع والمجتمع والأصدقاء, بل والأتاري بألعابه الألكترونية, كلها عوامل لها دور كبير في تشكيل وصياغة نفسية الطفل وأحواله السلوكية والأخلاقية. أما ثالثة الأثافي هي تجمع ما بين الملهاة والمآساة, وبين الكوميديا والتراجيديا, ذلك بأن فلتة زمانه يتوسل مضيفته بأن تسعفه بنطق عبارة (المواد النشوية) التي أخفق لسانه (البروفيسوري) في نطقها بشكل سليم! وكأنه أراد ان يوهمنا بأن اللغة العربية ليست على (مقاس) (فتاكته) العلمية, ورغم ذلك لم نسمع علما مفيدا, ولا لغة عربية سليمة, ولا حتى عامية مفهومة, كل ما هناك جرعة كبيرة من الخطل, والاسفاف والجهل الأنيق. فهو يربط بين عصبية الطفل وتأتأته, وبين الافراط في المواد النشوية, ومع ذلك كان من الممكن ان نقبل مقولته المأثورة عن المواد النشوية لو كانت ضمن سياق أسباب أخرى أكثر أهمية من هذا السبب المضحك. أما رابعة الأثافي وآخرها فيه من عجب العجائب, للدرجة التي تجعلنا نعلن حالة الاستنفار والطوارئ ضد كل من يتهاون في شأن الخطاب الاعلامي وهويته اللغوية, فلقد تلقى الضيف مكالمة من مشاهدة عربية, عرفت نفسها في بادئ الأمر باسمها وموطنها العربي, وما ان طرحت سؤالها حتى فوجئنا بأن السؤال والجواب والأخذ والرد مع الدكتور يتم بلغة انجليزية صرفة.. تصوروا, كأننا أمام محطة الـ BBC فالقناة عربية, والسائلة, والضيف والمذيعة من العرب, ورغم ذلك اتفق الجميع ضمنيا ان يقيلوا الدكتور من عثرته اللغوية وعرجته اللسانية, وليت ان المذيعة أو الدكتور قد قاما بترجمة المكالمة لنا حتى نفهم ما قيل بلغة الحصار الجديدة. (تضليل) الشعوب والآن ماذا بعد؟ ما ذكرناه هو غيض من فيض, ونقطة من بحر السواد الاعلامي, والحبل على الجرار, هل نقول فاض الكيل؟ هل نقول ثمة استهتار يفرز تأمره ضاغطا بقوة على أعصابنا وقلوبنا ووعينا؟ متى تتوقف سياسية العلاقات العامة والخاصة في جلب ضيوف أقل ما يقال عنهم انهم (مرتزقة تصوير) ؟ متى نشعر بالرسالة المناطة بنا في عصر الفضائيات تجاه الزمن العربي المنتكس في أرضه وانسانه؟ متى نتخلص من معايير الاستلطاف والاستظراف في إزجاء وقت برامجنا المنوعة؟ إلى متى سيظل أولو الأمر في غيبوبة وعدم ادراك لما يصيب عقل وسمع وبصر ووعي المشاهد العربي؟ وأخيرا: هل هناك تعليمات بصناعة شعوب من فصيلة نباتات الظل. حتى يظل الحال في حل من رؤية شمس الواقع الحارقة؟ غابة من الأسئلة وصحراء من الأجوبة, على حد تعبير الكاتب شاكر النابلسي, الحقيقة ان الواقعة التي بدأنا بها موضوعنا لم تكن سوى حبة من الطوق الاعلامي الملتف حول رقابنا فها هو برنامج يرصد جائزة لمن يعرف اسم زوجة مطرب عربي, وتلك مذيعة تسأل صبيا عمره (11) عاما عن الفرق بين كلمة (خيشة) وكلمة (بلية), وهذا مقدم برامج أتقن فصاحة اللغة العربية وفصاحة (الخيبة) في آن واحد, وذلك حين منح جائزة مالية لمشاهد قال ان مؤلف كتاب (طوق الحمامة) هو عبد الحميد الكاتب, مع ملاحظة ان الأسماء الثلاثة المقترحة للاجابة الصحيحة هي: جبران خليل جبران, ميخائيل نعيمة, وعبد الحميد الكاتب, ولم يرد اسم ابن حزم الاندلسي المؤلف الوحيد للكتاب, ربما لأن (الحزم) مفردة لا تليق بزمن الميوعة العربية!! وماذا تقول عن تلك القناة الفضائية التي يبدو انها استقطبت مشاهدين من عشاق افلام (الأكشن) فلقد آلت هذه القناة على نفسها صناعة (الارهاب الحواري) ولست ادري لماذا تلاحق اجهزة الأمن العربية رموز العنف على الأرض, طالما ان العنف يتم ترميزه (وتخميره) على الشاشات العربية؟ فاذا كان المحاور لايطيق رأي نظيره, فان الارهابي لايقبل حياة مخالفيه, فهنا الاهانة والسباب والصراخ والتشويش لاسكات الرأي الآخر, وهناك القتل والدماء لاخماد الرأي المخالف, هنا الاغتيال على الشاشة, وهناك الموت في الشوارع المظلمة, ومع ذلك نرى التركيز على العنف الارضي فقط, متجاهلين التداخل الرهيب والمنطقي بين قتل الكلمة ونحر الجسد, بين الانحياز المقيت للرأى الواحد, والتمسك الدموي بالجسد الواحد. هكذا نرى خريطة كاملة من الجهل والاستهتار تداهم المشاهد العربي في عقر داره, وما من مجيب لكل الدعوات المخلصة التي رفعها مفكرونا ومثقفونا. فلقد سال حبر كثير, وصرخت اقلام, وبحت حناجر, ولاحياء (بدلا من لا حياة) لمن تنادي. صناعة الوعي سيظل الوعي والمسؤولية من اكبر الديون التي ترزح تحت استحقاقها المرئيات العربية, مع كل فيض من جديدها المزيد من القروح والجروح في ابصارنا واجسادنا. لو سألني احدكم من هم رموز الحاضر وشيفرة المستقبل؟ لقلت من فوري: وزراء الاعلام, فلقد انيطت بهم مسؤولية صناعة وعي الانسان وحواسه عن طريق الكلمة المنطوقة والصورة المنشودة, خاصة ونحن نعيش معمعة ثورة الاتصالات والمعلومات. لقد حان الوقت منذ زمن لكي يشهر اعلامنا ضميره وجديته في وجه اهم مشكلتين تشوهان وعي وروح المشاهد العربي, وهما: اللغة, والافكار. اما اللغة, فلقد اصبح العالم ـ فرنسا على سبيل المثال ـ يفرض عقوبات وغرامات مالية ضد كل من يجدف بلغة وطنه, ونحن مازلنا في غفلة عن ذلك واهمية تطبيقه, اسمعوا غاندي ماذا يقول اثناء نضاله ضد الاستعمار (ان الهنود الذين يعرفون الانجليزية ولايتكلمون ولايكتبون الا بها, هم الذين استعبدوا الهند .. وليس الانجليز) . اما عالم الافكار والمعلومات فنظرة سريعة على الاستطلاعات التي تجري في الجامعات والمدارس العربية, كفيلة بان تدلنا على ان المستقبل المعرفي والمعلوماتي على حافة الهاوية, وبأن بضاعتنا لدخول المستقبل بائرة وهشة, ولم لا مادام الحاضر يتثاءب على ايدي وجهاء الاعلام؟ ان النهوض بالوعي الفكري, والسقف اللغوي؟ والمستوى المعلوماتي, وتنمية الحس والحواس, مهام جسام تنتظر رجالا من سلالة الجنود, يجيدون مكافحة (امية المتعة والترفيه) , وزراعة اليقظة في حقول الكسل والاستسهال. رجال يولون وجوههم شطر صناعة المتعة الحقيقية, والترفيه المثمر. رب قائل ان الذي نتحدث عنه لايعدو ان يكون مجرد استثناءات لاتسيء الى القاعدة الجادة من البرامج, لكننا نزعم ان حالة الاسترخاء التي تنتاب المشاهد ذات طبيعة (اسفنجية) تمتص كل مايعرض عليه بهدوء قاتل, وبالتالي اذا كانت البرامج الجادة تستنفد الوعي والحواس, فان البرامج التي نقصدها (تتسكع) في حارات رغبتنا الطاغية في ان نتخلص من عبء التساؤل والمساءلة. لذلك نرى ان التفرقة بين الاستنفار وبين الراحة لدى المشاهد العربي, مسألة غير مضمونة في آليتها, وبالتالي في نتيجتها المرتجاة. ان تحرير الصورة من هشاشتها, والكلمة من لهوها وعبثها, اصبح بؤرة النضال الحقيقي ضد احتلال الانسان وتفريغه من الداخل. * كاتب من مصر