(وفي كل حال, فثمة وشائج ومصالح وعلاقات تربط بين الصين والعالم العربي, والعرب مطالبون بالانفتاح على الصين ـ اليوم .. وهي في التحليل الاخير سوق واعدة وقوة تنتظرها مكانة اكبر في سنوات القرن الوشيك في شهر اكتوبر الحالي تكمل الصين الشعبية سنوات عمرها الخمسين ففي اول اكتوبر من عام 1949 وقف زعيمها التاريخي ماوتسي تونج في ميدان تيانامين الشهير ليعلن (ان قوات الشعب قد صمدت وان الحزب الشيوعي الصيني قد انتصر بعد مسيرة طويلة بدأت منذ عقد العشرينات ويختم كلامه وقتها باعلان قيام جمهورية الصين الشعبية, هذه اللحظة عاشها صحفي امريكي مخضرم كان في ذلك التاريخ مراسلا لوكالة اسوشيتدبرس في الصين .. وهو سيمور توبنغ الذي تطور مهنياً في سلك المهنة الى ان اصبح مديرا لتحرير جريدة نيويورك تايمز الكبرى .. والرجل لاشك متقاعد منذ زمن طويل او قصير ولكنه حرص على ان يكتب في هذه المناسبة مقالا قصيرا نشرته نيويورك تايمز (عدد اول اكتوبر 1999) يسجل فيه انطباعات راودته وسجلها في حينها وعمرها الآن, كما اسلفنا خمسين عاما من عمر الزمان. الثورة والذعر والفوضى يصور سيمور توبنغ حالة الذعر والاضطراب التي اصابت قوات المارشال كاي تشيك الموالي للامريكان بعد ان ظل يتصدى لزحف قوات الثورة الصينية بقيادة الرفيق ماو واركان حربه من الزعماء التاريخيين وعلى رأسهم شوان لاي ابن الارستقراطية رفيع الثقافة الذي مالبث ان تحول الى صفوف النضال الثوري والدعوة الجذرية الى التغيير. وكان الزعيم ماو ورفاقه واركان حربه قد انجزوا زحفاً تاريخيا قطعوا فيه مشاة وركباناً خريطة الصين من اقصاها الى اقصاها وربما بدأت تلك المسيرة منذ عقد العشرينات والتحق بها شباب يحلمون ببناء صين جديدة متوثبة متحررة من آفة ادمان الافيون التي عمد الاستعمار الغربي ـ الانجليزي بالذات الى ادخالها على حياة اهل الصين بما يسهل امكانات استغلالهم واسترقاقهم وتطويع ارادتهم لصالح الاجنبي, غربيا كان او يابانيا, ويحلمون كذلك الى صين جديدة يسقط فيها احتكار الثروة لطبقة متحكمة متجبرة من فلول الاقطاعيين الذين تحولت معهم ملايين الفلاحين المعدمين الى كائنات تعيش دون مستوى البشر ويستطيع القارىء ان يطالع صفحات رواية مثل (الارض الطيبة) التي ابدعتها الكاتبة الامريكية (بيرل بك) ليعيش مأساة شعب الصين منذ اواخر القرن الماضي وحوادث انتفاضته الاولى في مستهل هذا القرن ضد غاصبيه ومستغليه (وقد تحولت الرواية كما هو معروف الى فيلم سينمائي شديد البلاغة). كتاب عربي فريد من ناحية اخرى فقد صدر كتاب عربي فريد في بابه لعله من الاعمال الفكرية التأسيسية لفكر الجيل العربي المخضرم الذي ينتمي اليه كاتب هذه السطور بالنسبة للانفتاح على تجربة شعب عظيم وامة عريقة وبلد له اهميته التاريخية والديمقراطية ومن ثم الاستراتيجية مثل الصين وهذا الكتاب تلقفناه ونحن بعد في أول مرحلة الدراسة الثانوية بعد ان اصدره مؤلفه استاذنا وتاج رأسنا محمد عودة .. الكاتب السياسي الكبير الذي كان وقتها ولاشك في ذروة يفاعته واهتماماته باقدار الشرق الآسيوي وتجارب التحرر الوطني والاجتماعي بين ربوعه والمعروف ان العم محمد عودة امضى ردحاً من سنوات هذه اليفاعة الفكرية في ربوع الهند واظن ان ربطته بزعمائها نهرو وانديرا وزعامات شتى في حزب المؤتمر صداقات بعضها لايزال قائما حتى كتابة هذه السطور . والمهم ان الاستاذ عودة عمد الى دراسة تجربة الصين واعلان دولتها الجديدة في عام 1949 ولم يكذب في ذلك خبرا بل بادر في حماس الشباب, وتلك مزية لم تفارقه حتى الآن فاصدر كتابه الذي المحنا اليه بقوات (الصين الشعبية) ونعترف ان فاتنا من فهم هذا الكتاب للوهلة الاولى الشيء الكثير وكيف لا وقد كنا في الرابعة عشرة او الخامسة عشرة من العمر وكان علينا ان نعاود قراءته فنفهم مع نضج العمر ومراسي التجربة طروحات هذا الكتاب بالغ الاهمية .. ومع ذلك فقد راعينا ان عمد الكاتب الى تصدير مؤلفه بعبارة الاهداء الشهيرة التي قال فيها (الى أهل قريتي) . وتلك مزية من الشمائل التي تحكى بها كل مثقف عربي خرج بفكره او بجسمه الى خارج حدود الوطن ولكن وجدانه ظل مع قومه العرب ومع قضاياهم واحلامهم وآمالهم وهمومهم وهي خصلة طيبة مباركة استن سنتها رائد حركة التنوير العربي في العصر الحديث, الازهري اللماح الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي منذ قرن ونصف قرن. الهروب باحتياطي الذهب في مثل هذه الايام, وبينما كانت قوات مسيرة (ماو) الكبرى تدق اسوار بينغ عاصمتها القديمة .. لم يكن من اهتمامات كاي تشيك ـ صديق بل عميل الامريكان سوى تدبير كل طريقة يهرب بها الى جزيرة تايوان ـ فرموزا في ذلك الوقت آخذا معه في هذا الانسحاب المشهود هيكل حكومته التي كانت تدير امور الوطن الصيني وحاملا في جعبته, وكانت حافلة حقاً كل الاحتياطي الذهبي والفضي على شكل سبائك طائلة الثمن .. ومعها ايضا كنوز الفنون الصينية وروائعها تحرسه القوات الخاصة المنتقاة من قطاعات جيش الصين الوطنية كما كانت تسميها والكل يهرب تحت حماية سلاح طيران كاي تشيك تاركا البلد والعاصمة واهلها المستضعفين فريسة لعمليات الفوضى والنهب. في هذا نعود الى الصحفي الامريكي العجوز سيمور توبنغ الذي يقول: ـ لم اصدق عيني وقد توجهت بصفتي مراسلا وقتها لوكالة اسوشيتديرس الى مطار العاصمة كي اتابع مشاهد التدافع المحموم من جانب الاثرياء واركان نظام كاي تشيك وهم يحاولون ايجاد امكنة لهم على متن الطائرات مولية الادبار.. كم كانت دهشتي وانا ارى جنرالا يستعد للهرب ومع ذلك فقد انتصبت قامته وهي يلقي بالأوامر للعمال كي يشحنوا معه اثاثه البيتي الفاخر وفي مقدمته البيانو الاثير.. ولم يكن غريبا وسط هذه الفوضى ان اشاهد تنغ شبه عمدة العاصمة بجلالة قدره وهو يحاول الهروب بسيارة كانت محملة بصناديق تحوي 300 مليون يوان مغتصبة من خزانة المدينة.. ثم اذا بي أشاهد العمدة وقد اوسعه سائقه الخاص ضربا وانضم الى السائق هيئه الحرس التي كانت فكان ان اصيب جناب العمدة الهمام بكسر ساقيه. ولا نعرف مصير العمدة اياه ولكننا نعرف ان ماو تسى تونغ دخل العاصمة وقرر تغيير اسمها الى بيجين (بكين كما كان ينطقها الناس قبيل سفرات جريا على النطق الفرنسي الذي صححه لنا المسؤولون الصينيون, ومعناها, بالمناسبة العاصمة الشمالية. فضيلة الاجتهاد البشري ونعرف ايضا ان مسيرة الصين جمعت, مثل اي جهد انساني, ومثل اي اجتهاد بشري بين ايجابيات تحققت وانجازات تمت وبين سلبيات وقعت واخفاقات منيت بها التجربة على اكثر من صعيد.. بل تعرف, موضوعيا ان ثمة ايجابيات تحققت على حساب سلبيات وعذابات ومعاناة ربما كان من الافضل تجنبها وربما كان مردها, كما قد نتصور, الى التمسك بحرفية النظرية ولو على حساب متغيرات الواقع ودون ممارسة الوعي اللازم بالدروس المستفادة من التطبيق فنحن نعرف مثلا ان نصف القرن الذي انقضى من عمر الصين لم يضع هباء ولا تبددت الاعمال فيه وسط غبار الشعارات كما يحلو لاعداء تجربة الصين الشعبية ان يقولوا. واذا كنا كعرب نتحيز لتجربة الصين من واقع كونها بلدا يأخذ بالنمو وتربطنا به علاقات ايجابية او على الاقل لم تربطنا به علاقات سلبية من استعمار او استغلال او احتلال من قريب او بعيد, فماذا نحن قائلين في شهادة أعدى اعداء الصين الشعبية وهم الامريكان فيما يقول قائلهم, على لسان نيويورك تايمز (افتتاحية الجمعة 1/10/99) انه يحق للصين ان تفخر بنصف قرن حققته من الانجازات ثم تمضي الافتتاحية الامريكية قائلة بالحرف: لقد بات المواطن الصيني العادي يتمتع بمستويات اعلى من حيث الصحة والتغذية والتعليم والحياة الميسورة باكثر مما كان عليه الحال في العهود السابقة على مر التاريخ الطويل لحكم المملكة الوسطى في الصين.. وها هي (بيجين) التي تستعيد ايضا مكانتها كقوة عالمية عظمى لاول مرة منذ بدأ الامبرياليون الاجانب يفرضون تنازلات مهينة على اباطرة اسرة المانشو منذ قرن ونصف قرن مضى. الايكونومست تقول: على ان هذه الانجازات لم تشفع للتجربة الصينية عند صحيفة محافظة رغم رصانتها وهي مجلة الايكونومست الانجليزية (عدد 2 اكتوبر الحالي) التي رأت ان تغض الطرف متجاهلة تلك الانجازات التي نراها باهرة ـ لاسيما وانها تتم وسط حشد ديمغرافي هائل بكل ما تعنيه العبارة من مشاكل بغير حصر (بلغ عدد سكان الصين الشعبية حسب آخر احصاء موثوق 1232 مليون نسمة والمصدر هو بالمناسبة ـ كتاب الجيب الذي اصدرته مؤسسة الايكونومست في مطلع عام 1999 بعنوان العالم بالارقام) هذه الانجازات تناستها الايكونومست ورأت في المقالة التي نشرتها عن المناسبة ان تحيل ما وصفته بالماضي الدموى الحافل للاضطراب الذي عانته الصين وذهبت الى ان ضحايا هذه الانجازات من ابناء الشعب الصيني نفسه بلغ عددهم 35 مليون انسان ثم رأت الايكونومست ايضا ان تقفز فوق المنجزات التي لاتزال حاضرة ماثلة حالة في واقع الصين الراهن لتقول فيما يشبه النذير ان (مستقبل الصين يدعو الى القلق وعدم التيقن) وان شعب الصين مازال يرسف في اغلال الايديولوجية السياسية التي مازال يعتمدها قادته ويعملون على هداها. والاخوة في الغرب يرفعون دوما شعار حقوق الانسان الضائعة المهدرة على ارض الصين وينددون, علنا على الاقل, بسجل الصين الذي يرونه سلبيا في مجال حقوق الانسان ونقول علنا لان الادبيات السياسية والاعلامية في اوروبا الغربية وامريكا حافلة بهذا التنديد الى حد التشهير, فيما يعمد الرئيس كلينتون رغم كل هذا الضجيج الى معاودة طرق ابواب الصين ومواصلة منح بيجين مركز الدولة الاولى بالرعاية ـ وهو مركز تفضيلي كما هو بديهي في مجال التبادل التجاري, ولا يكاد يزعج المؤسسة الحاكمة في البيت الامريكي الابيض اكثر من تسرب اسرارها في مجال التكنولوجيا الرفيعة بالغة التقدم الى الصين وهو امر يهدد بالمنافسة الشرسة المصالح القومية العليا للولايات المتحدة, فضلا عما تعد به الصين من سوق اكثر من طائلة امام دوائر المال والتجارة والاعمال من امريكا التي تود لو تسبق الى مغازلة هذه السوق قبل اليابان وبالطبع قبل الاصدقاء في شرق الاطلسي. بين حقوق الانسان ومحاربة الفقر وايا كان الامر فثمة صوت ارتفع مؤخرا يدعو الى الانصاف والتوازن في تقييم تجربة الصين هو صوت البروفيسور اسماعيل سراج الدين خريج هارفارد ونائب رئيس البنك الدولي وهو رجل معني بالذات بقضايا القضاء على الفقر في ربوع العالم الثالث وقد صرح بقوله: عندما ننظر الى بلد ضخم مثل الصين, فنظرة العلم الموضوعية تقتضينا ان نراعى سجله الايجابي في مواجهة الفقر وفي القضاء على الفقر بجهود هائلة, فيما ننظر ايضا الى سجله الذي قد يكون سلبيا في مجال السياسة وحقوق الانسان. والمعنى ان لا مجال لممارسة حقوق الانسان في التعبير والتجمع والمشاركة الديمقراطية اذا كان هذا الانسان واقعا بين براثن الفقر المدقع والاستضعاف الاقتصادي والقهر الاجتماعي. والذين ادموا اياديهم من التصفيق لروسيا ـ ـالجديدة واجهدوا حناجرهم من التهليل والهتاف للسيد يلتسين وتجربته في البرلمان والتصويت وما خلعوا عليه اسم الممارسات الديمقراطية ـ هؤلاء مدعوون الى تأمل احصائيتين بسيطتين نستقيهما من واقع كتاب الايكونومست الذي المحنا اليه في ماسبق من سطور: متوسط المعدل السنوي لنمو الدخل المحلي الاجمالي في روسيا ـ يلتسين على مدار الفترة 1990 ـ 1996 هو: ناقص 9 في المائة (يعني بالسلب وهو مرادف لحالة اللانمو واللا زيادة وما يتبع ذلك من عجز الموازنة ونضوب الموارد وسقوط ملايين الناس ـ مساتير الناس كما قال مؤرخنا الجبرتي يوما ـ الى هاوية الفقر والاملاق والافلاس. وبالمقابل وعلى سبيل المقارنة البسيطة ايضا متوسط المعدل السنوي لنمو الدخل المحلي الاجمالي في الصين (وقد استوعبته دروس تجربة ماو وافادت من ثمرات دعوات الانفتاح المحسوب التي نادى بها (بنغ هيساو ينغ) وعلى مدار الفترة المذكورة ذاتها: 1990 ـ 1996 هو 12.3 في المائة بالزيادة الايجابية بطبيعة الحال. العرب والصين وفي كل حال, فثمة وشائج ومصالح وعلاقات تربط بين الصين والعالم العربي والعرب مطالبون بمزيد من الانفتاح على صين ـ اليوم وليس لهم ان يتداخلوا في صميم تجربتها ولا ان يتبنوا مقولات الغرب حول ابعاد تلك التجربة والصين في التحليل الاخير سوق واعدة وقوة تنتظرها مكانة اكبر ونفوذ اوسع وتأثير انجع في سنوات القرن الوشيك, ثم ان تجربتها منذ ايام ماو وايام بنغ في حال من النضج والتبلور والترشيد ـ كيف لا ـ وقد اكتهلت واحتفلت بالأمس القريب بعيد ميلادها الخمسين.