القاهرة ام كمبالا؟ حتى وقت قريب جدا كان من المتفق عليه بين ممثلي الحكومة السودانية وقطبي المعارضة الشمالية, المهدي والميرغني, مع ممثلي الحكومتين المصرية والليبية ان تكون القاهرة ملتقى لاجتماع حاسم لقادة (التجمع) ـ بمن في ذلك جون قرنق ـ لتقرير كيفية التعامل مع مشروع المصالحة المصري الليبي. وفجأة, ودون مقدمات ظاهرة, اخذ اسم العاصمة اليوغندية كمبالا يتردد كبديل عن القاهرة. فماذا جرى... ولماذا؟ نقل الاجتماع الى كمبالا اقتراح تقدمت به حركة قرنق وتصر عليه. ولكي ندرك الحكمة من وراء هذا الاقتراح علينا ان نستذكر ماذا تعني كمبالا بالنسبة الى (الحركة الشعبية لتحرير السودان) ان العاصمة اليوغندية هي مقر الرئاسة العسكرية لقوات الحركة, والرئيس اليوغندي يوري موسيفيني هو الحليف الاساسي للحركة... ثم ان يوغندا هي الوسيط الذي تتلقى عبره حركة قرنق المساعدات الامريكية... وهي من ناحية اخرى موقع لمعسكرات تدريب لكوادر الحركة العسكرية يشرف عليها خبراء عسكريون اسرائيليون. غير ان المسألة تنطوي على ما هو اعمق من ذلك. فالرئيس اليوغندي موسيفيني هو الزعيم الافريقي الوحيد الذي له سجل ثابت في المجاهرة بالعداء للعروبة والاسلام. وعلى هذا الاساس نفهم ان اصرار قرنق (او بالاحرى اصرار واشنطن) على استبدال القاهرة بكمبالا يرمز الى نقل القضية السودانية من الاطار العربي الاسلامي الى الاطار المعادي للعروبة. والثقافة الاسلامية. وهذه ربما تكون احدى الخطوات الاولية على طريق تمييع المبادرة المصرية الليبية باعتبارها مبادرة عربية تمهيدا لوأدها نهائيا. فهل يقبل الزعيمان الشماليان الكبيران الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني مسايرة قرنق ومن ورائه الولايات المتحدة على هذا الطريق؟ هنا نأتي الى المشكلة الحقيقية للطبيعة التكوينية للتجمع المعارض... فهو من منظور كافة الفصائل المشاركة في عضويته تحالف (تكتيكي) مرحلي يحتفظ به كل طرف بأجندته الخفية للمستقبل. فأجندة قرنق المستقبلية هي القضاء على الطائفية الدينية الاسلامية في الشمال السوداني بتصفية الزعيمين المهدي والميرغني كخطوة اولى. واما اجندة زعيمي (الانصار) و(الختمية) فهي استرداد السلطة في السودان بالكامل, فلا تشارك فيها (الحركة الشعبية لتحرير السودان) الا بدور ثانوي كطرف هامش. والى ان يحين الوقت لتنفيذ الاجندة من هنا ومن هناك عند سقوط النظام في الخرطوم يستمر زواج المتعة المرحلي (التكتيكي) ... فتستفيد حركة قرنق دعائيا وسياسيا من تحالفها مع زعيمين شماليين محترمين, بينما يستفيد الزعيمان من الحركة كقوة عسكرية ضاربة لمواصلة الضغط السياسي على النظام في الخرطوم. الآن يكتشف الزعيمان الكبيران انهما على مفترق طرق: اما مسايرة قرنق على طريق ينتهي الى اجهاض المشروع العربي الذي تتبناه كل من مصر وليبيا... وبذلك يقفل ملف المصالحة مع الخرطوم... واما ان يصمدا مع المشروع المصري الليبي فيخسرا حركة قرنق. ومع ذلك تبقى اسئلة اخرى... واهمها ما يتعلق بموقف مصر, ان القاهرة نفسها تتعرض لضغوط امريكية تهدف واشنطن من ورائها الى حمل مصر على التراخي تجاه مشروع المصالحة. ونذكر ان وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت التقت قبل عدة اسابيع مع عمرو موسى وزير الخارجية المصري وابلغته معارضة واشنطن للمشروع المصري الليبي. والوجهة التي ستتوجه صوبها التطورات خلال الايام المقبلة سيقررها الى حد كبير رد الفعل المصري الاخير تجاه الضغط الامريكي. احمد عمرابي