ما من شك ان قانون استعادة الوئام المدنى يعد خطوة على مستوى التشريع القانوني اذ تمكن المشرع من استحداث قوانين يضمن بها تقنين الجريمة السياسية, لكن هذه العملية ليست بمنأى عن الموقف السياسي او القرار السياسي ولذلك يتساءل المراقبون عن مدى قبول الجيش بما قام به الرئيس وحظى بتأييد شعبي ؟ وهو سؤال غير مبرر ـ في رأيي ـ لكون الرئيس ينفذ اساسا الخطة التي رسمها الجيش, وبدأ في تنفيذها منذ بداية 1997 ما يعني في نهاية المطاف ان النتيجة الحالية هي محصلة ثلاث سنوات من العمل وتعمل ـ كما هو في الظاهر ـ على توقيف اعمال العنف بتوبة الجماعات, ولهذا فان هناك مستقبلا قريبا سيواجه الجزائر تتضح معالمه بعد 13 يناير المقبل على اعتبار ان هذا التاريخ هو اخر اجل لتوبة الجماعات المسلحة, فما هو يا ترى السيناريو المحتمل؟ الواقع ان الخطوات والاعمال التي قام بها الرئيس السابق (اليمين زروال) هي التي اوصلت الجزائر الى ما هي فيه الآن, وبمعنى اخر فان التفاوض دون شعور بالذنب من الغاء الانتخابات مع الجبهة الاسلامية للانقاذ, هو الذي ساعد على دخول الجيش في حوار مباشر مع الشق العسكري للجبهة الاسلامية للانقاذ ولم يكن مطلوبا من هذه الاخيرة الا ادانة العنف, لكنها لم تفعل, وبعد سنوات من استمرارية الازمة وفشل الانقاذ, بل وفشل كل القوى السياسية بما في ذلك السلطات على ايجاد حل اتجهت الامور نحو مصالحة واسعة تشارك فيها كل الاطراف وكان الرهان ـ كما هو دائما ـ على العسكر واكثر منه على المدنى. ورغم ان نتائج الاستفتاء تعطي صورة عامة عن حالة التآزر الاجتماعي المطلوب مستقبلا, الا انها وطبقا للقانون تميز بين فريقين قاما بالعنف, الثاني ولد من الاول, ولم يكن بمعزل عنه خلال سنوات الازمة كلها ففي الوقت الذي اعطيت فيه للجماعات فرصة للاعتراف بالجريمة في مقابل عفو لاينفي عليهم تلك الجرائم بل يثبتها, نجد ان الجيش الاسلامي للانقاذ وطبقا لاتفاقات مع السلطة سيشمله عفو شامل يحقق منه العديد من المكاسب, واذا كنا جميعا نرفض الاعمال الارهابية من اي طرف, فان التمييز بين الفريقين قد يطيل من عمر الازمة التي هي آخذة في التراجع, ولذا يتوقع ان تستمر الجماعات المسلحة في اعمالها الاجرامية كمحاولة اخيرة لتعطيل مسار السلم المدني, ومهما تكن مواقف السلطة او تعاملها لاعتبارات خاصة بها فان اعمالها مرفوضة مهما كانت المبررات. من ناحية اخرى فان عدم استجابة بعض عناصر الجماعات المسلحة لن يعطل الرئيس بوتفليقة عن تحقيق مشروعه, ولكن لن يكون امام تلك الجماعات الا خيارين, الاول: الاستجابة لقانون استعادة الوئام المدني, والثاني مواصلة اعمالها بشكل اكثر بشاعة مع اقتناعها بانها لن تكون رابحة لاي من معاركها ـ ان جاز تسميتها بالمعارك ـ طبقا لتجارب سابقة هنا وهناك, وتبعا لذلك فان سيناريو مستقبل الجزائر على الصعيد الامني يرتبط بموقف الجماعات رفضا او قبولا لقانون الوئام المدني, مع العلم ان هناك اعدادا من تلك الجماعات قد سلمت نفسها على مدار الشهور الثلاثة الماضية. واذا كانت السلطات الجزائرية وقبلها الاحزاب سواء الجبهة الاسلامية للانقاذ, او الاحزاب الاخرى التي شاركت في ندوة روما (1) وروما (2) 1995 قد دولت الازمة مبكرا, وجعلت اطرافا عدة تشارك فيها, واثرت تلك المشاركة سلبا على مواجهة الدولة للارهاب, فان الرئيس بوتفليقة قد ورث تركة ثقيلة متعلقة بتدويل الازمة في الجزائر وهو لا يعمل الآن للسير على نفس الطريق ـ وان كان من الصعب استبعاد الجزائر عن محط انظار دول العالم ـ انما يقوم برنامجه على اعادة العزة للجزائر بتأييد دولي لما تقوم به السلطات, ولذلك يتحرك الآن على جبهتين: الجبهة الداخلية من ناحية اعادة تنظيم المجتمع الجزائري وعلاقاته والكشف عن امراضه, واعادة ثقة المواطن في الدولة, ومد الجسور معه, وجعل من قوى الشعب عنصرا قويا في المعادلة ليس كبش فداء فقط يذبح في المجازر, وانما مشارك في صنع القرار السياسي, وهو الذي يوجه الاحزاب وليس العكس وبالطبع فان هذا يؤيد ايضا مساعى الرئيس في الانفراد باتخاذ القرار المستقل والمنبثق من الشعب. يتزامن ذلك مع العمل على مستوى الجبهة الخارجية من خلال استعادة دور الجزائر على الصعيد الاقليمي والدولي والقاري ونقل الجزائر من مرحلة رد الفعل الى مرحلة الفعل وفي سعيه ذاك نلاحظ تأييدا دوليا لكل المساعي التي يبذلها على صعيد حل الازمة الامنية اولا والازمة الاقتصادية ثانيا, وهو لا يتخوف من الواقع بكل ما فيه من سلبيات ونقائض, ويراهن على التأييد الدولي لحل ازمة بلاده, وفي هذا السياق يتوقع ان تواجه الجماعات المسلحة ان استمرت في اعمالها ادانة دولية واسعة النطاق, ولن يصبح بعد الآن لمنظمات حقوق الانسان حجة للطعن في القانون الجزائري او السلطات الجزائرية, خصوصا بعد الدعوة التي وجهت اليها لزيارة الجزائر. هكذا تبدو ملامح مستقبل الجزائر واضحة المعالم من ناحية التعامل مع جماعات العنف والارهاب ومع جماعات الفساد, وتوظيف التأييد الشعبي للرئيس لصالح مقاومة الجماعات المسلحة والقوى الضاغطة, اكثر من هذا ان المؤشرات توحي بانتهاء ثقافة العنف التي سادت بين الجزائريين لسنوات, ويمكن القول: ان الشق الأمني للازمة الجزائرية في طريقه الى الحل بشكل جذري مع بقاء بؤر للتوتر هنا وهناك, لكن بدرجة اقل ومساحة اضيق مقارنة مع الماضي, وهو ما قد يساهم ايجابيا في حل الازمة على الاصعدة الاخرى المختلفة. ان مرحلة ما بعد الاستفتاء تختلف تماما عما قبلها, ذلك لان نتائج التصويت اعادت تأكيد التزام الشعب بمواقف الرئيس, صحيح ان الشعب لم يكن امامه خيار آخر الا القبول بعودة الامن والسلم المدني والقضاء على الارهاب, ولم يكن بالسهولة الوصول الى هذا الاختيار لضبابية الرؤية في الماضي, وأول ما يعنيه هو عودة ثقة الشعب بالدولة ومؤسساتها, ويرتبط ذلك بالتأييد الخارجي لمواقف الرئيس, مما يعني ان التعامل في المستقبل على الصعيد الداخلي والخارجي سيكون مع دولة قوية غير متأثرة بأعمال العنف, ولا فساد الذمم, ولا ضغط خارجي ادى في اوقات سابقة الى طول الازمة, كل هذا يعني ان المؤسسة العسكرية هي صاحبة الفكرة وهي المؤيدة للرئيس, وهو ما يريد كثيرون نفيه حسدا من عند انفسهم كمحاولة استمرارية الازمة, التي تعود بالفائدة على عدة اطراف داخلية وخارجية, وباختصار فان الرئيس بوتفليقة والجيش يسيران معا على طريق واحد.