بمطالبتها القاهرة بتسليم الفريق عبد الرحمن سعيد لصلته المعلنة بحادثة تفجير خط الانابيب النفطي في الاراضي السودانية تكون الخرطوم قد ركبت مخاطرة معقدة: المخاطرة بحالة التحسن الملحوظة في علاقات السودان مع مصر... وبالتالي المخاطرة باستمرار الدور المصري في مشروع الوساطة بين الحكومة السودانية والمعارضة ... ومن ثم المخاطرة بالمشروع نفسه. فهل هي مخاطرات محسوبة؟ الفريق عبد الرحمن سعيد الذي يقيم بالقاهرة يلقب بنائب القائد العسكري للتجمع الوطني السوداني المعارض. وبهذه الصفة اعلن مسؤولية (التجمع) عن حادثة التفجير تدبيرا وتنفيذا. هنا نصطدم بحالة مبهمة يلزم توضيحها. بينما اصدرت حركة قرنق من نيروبي اعلانا متطابقا مع اعلان الفريق عبد الرحمن من القاهرة صدر اعلان ثالث من عسكري شمالي ثالث هو العميد عبد العزيز خالد ـ كل هذه الاعلانات اصدرت باسم (التجمع) المعارض. غير ان رئيس (التجمع) محمد عثمان الميرغني رئيس (الحزب الاتحادي الديمقراطي) وقطب كبير اخر من اقطاب التجمع هو الصادق المهدي اتخذا موقفا مناقضا فشجب الاول حادثة التفجير ونفى الثاني صلة فصيله, (حزب الامة) . هناك اذن تجمعان لا تجمع واحد, واحدهما يتكون من عسكريين. فكل من الفريق عبد الرحمن سعيد والعميد عبد العزيز, رغم ادعائهما الاستقلالية, يعملان في الحقيقة لحساب العقيد جون قرنق وتنظيمه المسلح. وهي علاقة تشرف عليها وترعاها وتقوم بتمويلها الولايات المتحدة. في مجتمع دبلوماسيي وزارة الخارجية الامريكية يطلق على هذا الثلاثي العسكري (اولاد مادلين) , نسبة الى وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت عندما كان ملف السودان حتى وقت قريب تابعا لمكتبها رأسا. ورغم ان الثلاثي اطلق عليه لاحقا (اولاد سوزان) ... واخيراً (اولاد هاري) الا ان اللقب الاول ظل هو الاشهر والاكثر تداولا. و(سوزان) اشارة الى سوزان رايس مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية للشؤون الافريقية التي انتقل اليها ملف السودان قبل ان ينقل مؤخرا الى البيت الابيض ليكون من مسؤولية (مبعوث الرئيس الامريكي الخاص الى السودان) (هاري جونستون) هذا الثلاثي العسكري السوداني هو الذي تراهن عليه الولايات المتحدة الآن لنسف اي سعي تصالحي بين الحكومة السودانية والمعارضة بما في ذلك المشروع المصري الليبي الراهن... على هذا النحو فان مهمة حركة قرنق ومعها (قوات التحالف السوداني) التي يقودها العميد عبد العزيز خالد من مقره في اسمرا ويتولى مسؤوليتها الاعلامية الفريق عبد الرحمن سعيد من القاهرة لا تختلف جوهريا عن مهمة المعارضة العراقية في الخارج التي يطلق عليها (المؤتمر الوطني العراقي) ومثلما اعتمد الكونجرس الامريكي دعما ماليا للمعارضة العراقية فانه اعتمد ايضا دعما ماليا لحركة قرنق وفرعها الشمالي. وهو دعم قابل للزيادة بعد الزيارة التي قام بها مؤخرا العميد عبد العزيز خالد حيث اجتمع مع (المبعوث الامريكي) هاري جونستون وسوزان رايس مساعدة وزيرة الخارجية. هذا الدعم لا حظ فيه لاي من المهدي والميرغني فهما من منظور واشنطن زعيما طائفتين اسلاميتين ـ (الانصار) و(الختمية) لا يمكن الوثوق بتوجهاتهما واجندتهما المستقبلية. والمفارقة واضحة لدى واشنطن: المهدي والميرغني يمثلان الثقافة العربية الاسلامية... وقرنق يمثل العداء الراسخ للعروبة والاسلام... ويتعاون معه عسكريان شماليان يشاركانه هذا الطرح من منظور (التنوع العرقي والثقافي) للسودان, مع غلبة الهوية الافريقية على الهوية العربية الاسلامية. احمد عمرابي