اذا كانت معركة والت ديزني قد خسرناها رسميا, فمازال المجال امامنا لنكسبها اهليا, فلنعلن عن جبهة شعبية واسعة لمقاطعة والت ديزني, ولنتكاتف للنجاح في هذه المعركة. ولكن هذه هي البداية في طريق طويل لاستعادة القدس, وايضا لاستعادة الثقة في النفس والقدرة على الانتصار ـ 1 ـ لاينبغي ان تمر معركة والت ديزني دون دراسة واعية, تكشف لنا اسباب الهزيمة, وتضع ايدينا على اساليب العدو في استغلال كل الوسائل لمعركته في الوقت نفسه الذي يبدد العرب كل مالديهم من فرص ثم يكتفون بالصراخ من باب الاحتجاج الصادق او رفع العتب! لقد كشفت معركة والت زيزني بؤس الواقع العربي بصورة صدمت الكثيرين, والمهم ان يستفيق الجميع من الصدمة وان يتعلموا مما حدث وان يدركوا ان المعركة لم تنته .. فهي معركة طويلة تشتبك فيها عوامل كثيرة, ولن يربحها الا من يحسن استخدام اوراقه, ويفهم طبيعة العصر وطبيعة الصراع الذي نخوضه .. ليس فقط, من اجل استرداد القدس, ولكن من اجل استعادة كل الحقوق الضائعة, واستعادة المقاومة التي نجح العدو في تحطيمها وهو يمضي في تنفيذ مخططاته للسيطرة على المنطقة والهيمنة على مقدراتها. بعيداً عن المناورات السياسية .. كشفت معركة والت ديزني عن حقيقة ثقافية لا بد من مواجهتها بصدق وصراحة, فنحن نعيش عالة على ثقافة الآخرين ثم نكتفي بالعويل من مخاطر الغزو الثقافي الامريكي وهو غزو يجتاح العالم كله لكن الدول صاحبة الحضارات الاصيلة تقاوم, وتدرك انها موجة لن تستمر للابد, وان هيمنة الدولة الواحدة في كل المجالات لن تكون القدر المحتوم على العالم, فرنسا تقاوم والصين تنمي نفسها في تجربة فريدة تحتفظ فيها بكل خصائصها الثقافية وتضيف اليها كل مكتسبات العلم الحديث, وكل ابداعات ثقافة الغرب بما يلائمها ويزيدها ثراء. اما نحن في العالم العربي فنكاد نعيش عالة على ثقافة الآخرين, وهكذا ما ان انطلقت الدعوة لمقاطعة والت ديزني حتى أحس الكثيرون بأننا لا نملك الحق فيما نقدمه لأطفالنا الا برامج التلفزيون البلهاء, ومجلات الاطفال التي تترجم انتاج والت ديزني نفسه او تقلدها . ماعدا استثناءات قليلة لايمكن ان تكون ركيزة لثقافة طفل عربي يعتز بعروبته وكيف نفعل هذا اذا كان التعليم يتجه يوما بعد يوم الى اللغات الاجنبية, واللغة العربية مهانة عند الكبار ومحتقرة عند الصغار! الوجه الآخر للهزيمة اننا نتعامل مع العالم بمزيج من التخلف والبعد عن منطق العصر والاحساس المسبق بان علينا ان نوافق على قواعد اللعب كما يفرضها الآخرون, والنتيجة لاتخرج عن امرين .. اما الخسارة او الفضيحة! لقد اخذت اسرائيل فرصة مساوية للعرب في المعرض الذي تنظمه مؤسسة والت ديزني فماذا حدث؟ ادركت اسرائيل اهمية الفرصة وقررت استغلالها بتواطؤ المؤسسة ونفوذ اللوبي اليهودي في امريكا, وقررت ان تكون قضيتها هي القدس, لم يعلقوا صورا بالحجم الطبيعي لباراك او بيريز او وايزمان, ولم يتحدثوا عن (عبقرية) هذا الزعيم او ذاك وانما تركوا هذه المهمات لغيرهم, وتفرغوا هم لقضيتهم ان يثبتوا (حقهم) المزعوم في القدس, ويقوموا بتزوير التاريخ لكي يزرعوا في كل العقول (وخاصة عند الاطفال) ان القدس لهم من اعمق التاريخ الى نهاية الابد!. وكان طبيعيا ان ينتهي الامر بهزيمة عربية كاملة, وقرار المقاطعة العربية لوالت ديزني تم ابتلاعه والجامعة العربية نفسها اعلنت ان كل شيء جميل, والقدس ستبقى عنوانا لجناح اسرائيل (بمباركة العرب وكنتيجة حتمية لسلام الشجعان) واسرائيل من جانبها انتصرت في المعركة وان كل شيء سيبقى على حاله, ووكلاء والت ديزني في الدول العربية سعدوا لأن (البيزنس) لا ينبغي ان يتأثر بالسياسة والوطنية والقومية وكل هذا الكلام الفارغ (!!) وميكي ماوس (اعظم انجازات والت ديزني) رقص شواربه بعد أن تأكد ان ارباحه من العالم العربي (بضع مئات من ملايين الدولارات) باقية. لكن القصة لم تنته والمقاطعة لا يمكن ان تكون قرار حكومات فقط بل هي قرار الناس, والملايين من العرب مطالبة الآن بأن تجيب عن سؤال واحد: هل تعرف ان دخول ابنك لمشاهدة فيلم لوالت ديزني يعني الاقرار بأن القدس لاسرائيل والمساعدة على تنفيذ ذلك؟ فلنعد الحياة الى سلاح المقاطعة فهو سلاحنا الباقي في زمن سلام الشجعان وماسيجري فيه. ـ 2 ـ ردود الفعل الاولى لدعوة الامارات العربية المتحدة عبر وزير ثقافتها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان لمواجهة فضيحة والت ديزني, كانت تشير الى النهاية المتوقعة. كان واضحا تردد البعض وتحفظ البعض وتلاعب الوكلاء حتى لايتم اتخاذ القرار الوحيد الذي يحفظ للعرب حقوقهم ويرد اعتبارهم وهو قرار المقاطعة. وهكذا كان الامر, لتعلن اسرائيل انتصارها في المعركة وتظل القدس عنوانا لجناح اسرائيل في المعرض وعاصمة ابدية للدولة الصهيونية اذا سارت الامور عبر سلام الشجعان في مسارها الحالي من خلال التنازلات العربية المتتالية. ومهما كان الامر فسوف تظل القدس في القلب والعقل ولن يهدأ النضال حتى تعود كما كانت على الدوام عربية مسلمة, ومن هنا ينبغي ان نستوعب الدرس جيدا وان ندرك ان المعركة مستمرة وان وسائلها عديدة, ولكن نقطة البدء فيها ان نخرج من مناخ الهزيمة التي يراد وضعنا فيها الى الابد وعلى كل الجبهات. * على الجبهة الثقافية نحن لسنا امة بلا تاريخ ولايمكن ان نعيش عالة على الاخرين وثقافتهم خاصة اذا كانت هذه الثقافة مدمرة ومعادية كما هو الحال في الثقافة الامريكية, نحن نملك العمق الثقافي, ونملك المواهب والمبدعين ونملك الامكانيات المادية, ولاينقصنا الا الارادة والحرية. اتذكر هنا تجربة صغيرة عايشتها قبل اكثر من عشرين سنة كنا بصدد اصدار مجلة عربية للاطفال وبدأ المشوار كالعادة من والت ديزني, وقابلت ممثليهم في الشرق الاوسط, واكتشفت استعدادهم لمدنا بالمادة الكاملة للمجلة وباسعار تكاد تجعلها مجانية ولم استغرب الامر, فالمهم عندهم هو نشر الثقافة الامريكية, والاستيلاء على عقول الاجيال الجديدة, ميكي ماوس في البداية ورامبو بعد ذلك وقبول الهيمنة الامريكية الكاملة في النهاية. ورفضنا الامر ومع نخبة من المبدعين العرب في هذا المجال صدرت المجلة عربية السياسة والمحتوى والهدف من الغلاف للغلاف ومن اليوم الاول سجلت المجلة نجاحا هائلا, واثبتت ان الثقافة العربية تملك ان تتجدد, وان المبدعين العرب لو اتيحت لهم الفرصة والحرية لانجزوا المستحيلات. اتذكر هذه التجربة الجميلة لكي لا تجرفنا السياسة في هذه المعركة فننسى وجهها الثقافي الذي ينبغي ان نلتفت اليه بكل الاهتمام فمعركتنا الثقافية لا تقل اهمية عن المعركة السياسية بل لعلها اشد ضراوة وأبعد أثرا, والحفاظ على اللغة والثقافة العربية ليس واجبا شكليا, والاصرار على اقتحام المستقبل ونحن عرب نشارك في صنع الحضارة الانسانية كما كنا دائما واجب قومي ومعركة لابد ان نخوضها الآن كما تخوضها الامم العريقة من فرنسا الى الصين. * على الجبهة السياسية يبدو الوضع أسوأ. فالضعف العربي الرسمي عن مواجهة اسرائىل يبدو هنا في اوضح صوره. وليس غريبا ان نسمع الآن عن محاولة اسرائىلية لإلغاء كل القرارات الدولية عن القدس والقضية الفلسطينية باستصدار قرار جديد من الامم المتحدة يجعل المرجعية للتسوية في المفاوضات الحالية هي قرارات مدريد وأسلو وبقية الأسس الواهية التي يقوم عليها سلام الشجعان!! فهل ستتعامل الدول العربية مع القضية كتعاملها مع قضية ديزني لاند, وهل ستفرض امريكا واسرائىل إرادتيهما دون مقاومة؟ وبعيدا عن الامم المتحدة, يبدو أن مسلسل التنازلات الفلسطينية لن ينتهي لا في القدس ولا في غيرها. فالامر ببساطة اصبح معتمدا على موازين القوى المختلة لصالح اسرائىل, ولضغوط امريكا التي تريد فرض خريطتها على المنطقة. والعرب في اضعف حالاتهم, ومع ذلك فحتى القليل الباقي من اسلحة المقاومة في ايديهم يراد انتزاعه. وهاهي امريكا تعلن غضبتها لان مصر تعرقل انعقاد اللجان متعددة الاطراف التي تستهدف ببساطة هيمنة اسرائىل الاقتصادية وضرب سلاح المقاطعة العربية.. او ما تبقى منه!! والأسوأ من الضغوط الامريكية لفرض التطبيع وإنهاء المقاطعة العربية لاسرائىل, هي جهود الطابور الخامس من عرب التطبيع الذين يبشروننا بالجنة القادمة تحت قيادة اسرائىل, ويتهمون كل من يتمسك بالمقاومة والمقاطعة بالتخلف ويعلنون ـ باسم الواقعية ـ ان الزمن تغير, والدنيا مصالح, والمصالح مع أمريكا, وامريكا هي اسرائىل, واسرائىل اصبحت حمامة سلام وديعة في ظل باراك الذي يعلن بالفم المليان ان سلام اسرائىل لايتحقق إلا بالسيف.. أي بضمان التفوق على كل العرب وكل المسلمين, من الآن والى الابد. وبقدر الضغوط الامريكية والجهود الاسرائىلية, والواقعية المزيفة لبعض العرب الذين يريدون تمرير التطبيع, وانهاء المقاطعة.. بقدر ما ينبغي التمسك بهذا السلاح الذي لم نعد نملك غيره, وبقدر ما ينبغي ان ندرك خطورته وفعاليته ونحسن استخدامه. واذا كانت معظم الحكومات العربية ـ لاسباب نعلمها جميعا ـ لا ترغب أولا تستطيع تفعيل سلاح المقاطعة, فنحن نستطيع .. نحن المواطنون العرب في كل مكان, الرافضون للهزيمة, المؤمنون بأن موازين القوى لابد أن تتغير, وبأنه لاسلام في المنطقة الا اذا كان عادلا وكاملا, والا اذا عادت الارض العربية, والقدس أولا.. نحن نستطيع ان نفرض المقاطعة ليس على اسرائىل فقط, ولكن على كل من يساندها, وإذا كانت معركة والت ديزني قد خسرناها رسميا, فمازال المجال امامنا لنكسبها اهلياً. فلنعلن عن جبهة واسعة لمقاطعة والت ديزني, ولنتكاتف للنجاح في هذه المعركة. ولتكن هذه هي البداية في طريق طويل لاستعادة القدس, وأيضا لاستعادة الثقة في النفس والقدرة على الانتصار. ـ 3 ـ 26 عاما على حرب اكتوبر.. فأين نحن منها الآن؟ ان اعظم ما في اكتوبر هو روح التحدي لكل الظروف التي كانت غير مواتية, اعظم مافي اكتوبر ان الذين انهزموا شر هزيمة في يونيو 67 لم يستسلموا... واعلنوا رفض الهزيمة في 9 و10 يونيو ثم خاضوا المعارك العسكرية بعد ايام, ثم واصلوا الملحمة البطولية في حرب الاستنزاف ـ ليخوضوا بعد ذلك اول حرب الكترونية في العالم وينتصروا فيها. وطوال ربع قرن كنا امام حرب اخرى.. لاتستهدف فقط اجهاض نتائج حرب اكتوبر وإنما الأهم اجتثاث روح اكتوبر.. روح المقاومة ورفض الهزيمة ولاشك انهم احرزوا انتصارات مهمة, ولكن المعركة لم تنته, ولن تنتهي الا عندما نخرج من مستنقع الرضا بالهزيمة وكأنها القدر المكتوب ... ليصبح لنا من جديد موعد مع النصر.