عبر الانتخاب الشعبي المباشر, انتقلت سلطة الرئاسة في اليمن من الشرعية الثورية الى الشرعية الديمقراطية, وهو حدث سياسي عظيم ونقلة حضارية غير مسبوقة في دول العالم الثالث بوجه عام, حيث الوصول الى السلطة غالبا بالوراثة او الانقلابات العسكرية غصبا عن ارادة الشعب . وعلى مدى 15 يوما كنت على موعد لمشاهدة عرس الديمقراطية الباهرة في مختلف ربوع اليمن, حيث هبط الشعب من قمم الجبال ومن كل فج عميق للتحشد طوعا حول المرشحين للتنافس حول منصب رئيس الجمهورية, علي عبد الله صالح ونجيب قحطان الشعبي للاستماع الى برامجهما السياسية, وتقدير مدى تلبيتهما لطموحاتهم في حل المشكلات الوطنية, وتحقيق نقلة نوعية من الاستقرار والتنمية والعدالة الاجتماعية والتحديث, تواكب مستجدات القرن الواحد والعشرين. واذا كان الشعب اليمني لا يزال يعاني ارث التخلف الثقيل وفي مقدمته ظاهرة الامية الثقافية, الا انه اكد بما لا يدع مجالا للشك في اكثر من مناسبة على براءته من الامية السياسية, عندما اجتمعت ارادته على انتصار ثورة 26 سبتمبر عام ,1962 وتقويض اركان نظام الامامة الكهنوتي البغيض الذي تجرع ويلاته قرونا من الجور والاستبداد والاوبئة والمجاعات في اسر العزلة المستحكمة عن العالم الخارجي, وهو الشعب نفسه الذي بادر تباعا الى تفجير ثورته الثانية عام ,1963 في مواجهة الاستعمار البريطاني في عدن ونحو 23 مشيخة وامارة وسلطنة في الشطر الجنوبي من اليمن. صحيح انه لولا مساندة ثورة يوليو بزعامة جمال عبد الناصر لثورتي اليمن في مواجهة قوة الثورة المضادة الداخلية والخارجية لما كتب لهما النجاح وقتذاك, لكن بمجرد انسحاب القوات المصرية عام 1967 سرعان ما حققت الثورة اليمنية انتصارها واستمراريتها بقوتها الذاتية في الشمال والجنوب, وذلك كان الاختبار العملي للوعي الوطني وادراك الشعب لمسؤوليته ازاء استعادة حضارته الخالدة, وتسريع وتيرة لحاقه بركب العصر, ومن ثم كان خياره التاريخي في تجسيد الوحدة اليمنية, فوق ركام التشطير والحروب الأهلية الضارية واختلاف التوجهات السياسية العسيرة بين النظام في صنعاء والنظام في الجنوب. والشاهد ان الديمقراطية كانت الاختيار الوحيد والصحيح لمسيرة الحكم في دولة الوحدة, بل المدرسة التي انضجت الوعي الشعبي, وعبر الممارسة الديمقراطية حقوقه وجرى الاستفتاء على دستور الوحدة, وخوض معركتين للانتخابات البرلمانية, شهد المراقبون بمحاكاتها لشفافية ونزاهة الانتخابات النيابية في اعرق الديمقراطيات الاوروبية, اذ رغم شيوع ظاهرة حمل السلاح في اليمن وتأصل عادة الثار القبلي, الا انه لم يسقط قتيل واحد ولم يسمع صوت طلقة رصاص واحدة. فلما كانت المؤامرة الانفصالية, قدر المراقبون والخبراء العسكريون ومراكز الدراسات الاستراتيجية النهاية المحتومة لدولة الوحدة والاسباب شتى, بينها كفاءة وحسن تدريب قوات الحزب الاشتراكي الذي اعلن قيام دولته الانفصالية من عدن, وبينها كم الاسلحة والذخيرة الهائل التي خلفها السوفييت في قاعدة (العند) , وغيرها الذي تدفق من الخارج على ميناء المكلا وميناء ومطار عدن, وكذا ملايين الدولارات المشبوهة التي تم صرفها بسخاء على الحملات الاعلامية وشركات العلاقات العامة الامريكية والاوروبية للترويج لعملية الانفصال واكسابها غطاء مزيفا من المصداقية السياسية والشعبية, لكن المؤامرة الانفصالية رغم كل ذلك باءت بالفشل, عندما هب الشعب عن بكرة ابيه لمساندة قوات الشرعية الدستورية وبقوة قدم الغالي والثمين من امكانياته الذاتية وارواحه لوأدها. على ان الرئيس علي عبد الله صالح رفض الاستجابة للضغوط السياسية والشعبية التي حاولت عقاب الحزب الاشتراكي لبعض قياداته الانفصالية, واعلن العفو الشامل على كل من غرر به, واختزل الجريمة في 16 اسما فقط تورطوا في عملية تدبير واعلان الانفصال, ولولا ذلك لما استعاد الحزب شرعيته ولما عاد الى ممارسة نشاطاته من جديد, ولعاملين اساسيين, الاول لكونه رقما سياسيا وشعبيا لا يمكن اغفاله, فضلا عن دوره المقدر كشريك في صنع الوحدة.. ثانيا باعتباره ضرورة سياسية في معادلة التعددية السياسية الى جانب الحزبين الرئيسيين.. المؤتمر والاصلاح. والحقيقة ان البصيرة السياسية التي تحلى بها الرئيس علي عبد الله صالح, لم تجد لها صدى ايجابي على صعيد الحزب الاشتراكي, وبينما توقع الجميع ان يمارس فضيلة النقد الذاتي وترتيب اوضاعه ايذانا بخوض معركة الانتخابات النيابية, اذا بالحزب يعلن مقاطعته للانتخابات, بل ويعقد مؤتمرا عاما يعلن فيه رد الاعتبار لقياداته الموصومة بجريمة الانفصال, فلماذا اذن يتباكى الآن على عدم حصوله على النسبة التي يحددها قانون الانتخابات من بين اصوات البرلمان التي تؤهل أمينه العام علي صالح عباد (مقبل) للترشيح في الانتخابات الرئاسية؟ ايا ما كانت المماحكات السياسية التي رافقت استبعاده من الترشيح, وما رافقها من حديث متواتر حول انصياع قيادة الحزب الاشتراكي في الداخل لضغوط قياداته في الخارج بمقاطعة الانتخابات, الا ان علي عبد الله صالح ومنافسه نجيب قحطان الشعبي فقط حازا على النسبة القانونية التي تؤهلهما للمنافسة على رئاسة الجمهورية اليمنية لمدة خمس سنوات قادمة, في الوقت الذي قطع الشيخ عبد الله الاحمر زعيم حزب الاصلاح المعارض الطريق على الشيخ عبد المجيد الزنداني الذي يمثل التيار الاصولي في الحزب لترشيح نفسه, اتقاء فتنة تحشد جماعات التطرف الاسلامي وراءه, في ضوء تورطها في حوادث الارهاب واختطاف الاجانب. لقد كان بوسع علي عبد الله صالح الاستمرار في منصب الرئاسة حتى يقضى الله امرا كان مفعولا, لا لانه قابض على زمام السلطة فحسب, ولكن لشعبيته الكاسحة التي اكتسبها كبطل قومي عبر انجازه للوحدة اليمنية, ونجاحه في انقاذها من شراك الانفصال, وتسيير دفة الحكم في الاطار الديمقراطي والتعددية السياسية, والسير قدما في تفعيل دولة المؤسسات ومشروعات التنمية والتحديث, ولا ادل على ذلك من 20 جامعة حكومية وخاصة الآن في اليمن ونحو خمسة ملايين تلميذ وطالب, وهو ما يؤكد على ان الشعب تواق للحاق بركب القرن الواحد والعشرين, واستكمال خياره الديمقراطي بمبدأ التداول السلمي للسلطة, ومن ثم كان قرار الرئيس تجاوز مرحلة الشرعية الثورية لولايته الى اكتسابها للشرعية الديمقراطية عبر الانتخاب المباشر من الشعب لا البرلمان, ولو بنسبة 51% من اصوات الناخبين على حد قوله لي, وهكذا بعد ان فاز باغلبية الاصوات, اصبحت مهمته مضاعفة واكثر تأهيلا لتنفيذ وعوده بالتغييرات الجذرية على كل الاصعدة, وفي مقدمتها اقتلاع مظاهر التسيب والفساد, ومعالجة الاختلالات الامنية والاجتماعية والاقتصادية, وتلك كانت فرصة الشعب المواتية لممارسة حقه الديمقراطي في اختيار حاكمه, وإلزامه بخياراته ومحاسبته على مدى وفائه بها!