في المستقبل سوف يواجه مؤرخو الأحداث العربية بمعضلة كبرى يكتشفون ان بعض الأحداث المفصلية ليست غير مسنودة بوثائق فحسب, بل ان صانعيها وشهودها المباشرين ـ أو بعضهم ـ قد رحلوا عن الدنيا نهائيا, فحتى الرواية الشفاهية تكون غير متاحة , وان اتيحت على ألسنة من بقي على قيد الحياة من صناع أحداث أو شهود فقد تكون ناقصة أو محرفة أو مغرضة. والاحداث الكبرى التي تعرضت إليها في الحلقات الأربع السابقة ليست سوى أمثلة, ذلك ان مثيلاتها من التطورات والوقائع الغامضة جزئيا أو كليا تكاد تكون بلا مصدر, وكما رأينا فإن مثل هذه الأحداث والتطورات تنطوي على أسئلة هامة قد لا يعثر مؤرخو المستقبل على اجابات كاملة وقاطعة لها. هذه المشكلة تتكشف لك عندما تطالع كتبا من تأليف شخصيات سياسية معاصرة عن أحداث ليست موغلة في البعد الزماني, عمرها مثلا أقل من خمسين عاما, ورغم ان المؤلف غالبا ممن شاركوا في صنع الحدث أو شهد وقائعه عن قرب لصيق فإن ما يطرحه يفرز أحيانا أسئلة هامة ليس عنده اجابات لها فيعمد إلى الاستنتاج والاستنباط أو الترجيح هنا وهناك, لكن بمقاييس الدقة الحرفية يبقى السؤال أو الأسئلة مع ذلك قائمة بدرجة أو أخرى, ثم ان الروايات قد تتعدد تضاربا وتناقضا بين عدد من المؤلفين كلهم من صناع الحدث نفسه أو شهوده. ولنضرب مثلا: هل كانت محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس جمال عبدالناصر في عام 1954 فعلا تدبيرا اجراميا بواسطة الجهاز السري للاخوان المسلمين كتنظيم؟ ان الرواية الرسمية تقول بذلك ولكن شهودا مباشرين يشككون في هذه الرواية. مثال آخر: هل كان أول انقلاب عسكري ناجح في السودان وجرى عام 1958 مجرد عملية تسليم وتسلم كما تقول الرواية الرائجة حتى اليوم؟ وفقا لهذه الرواية استدعى رئيس الوزراء ووزير الدفاع آنذاك عبدالله خليل الفريق ابراهيم عبود القائد العام للقوات المسلحة وأمره بان يتسلم الجيش السلطة, وحتى هذه اللحظة تبقى هذه ا لرواية ـ على قوتها ـ بلا أي سند رسمي أو قانوني, لقد بدأ تحقيق قضائي بعد زوال حكم عبود مباشرة عند منتصف الستينات ولكن صدرت أوامر غامضة بوقف التحقيق فلم يصل إلى منتهاه والآن فإن جميع الشخصيات المشاركة في صنع هذا الحدث التاريخي ماتوا في مواقيت متفرقة بمن في ذلك عبدالله خليل وعبود دون ان يدلوا بشهادة للتاريخ. وثمة قصة غامضة عمرها ما يقارب ربع قرن لا تزال تتفاعل حتى اليوم: اين الزعيم الشيعي اللبناني الامام موسى الصدر الذي اختفى فجأة في السبعينات؟ هل لا يزال على قيد الحياة أم مات؟ واذا كان قد مات فكيف مات: هل قتل؟ ومن قتله؟ وإذا كان لا يزال حيا فهل هو في ليبيا كما يروى أحيانا, وماذا يفعل في ليبيا؟ أم انه غادر ليبيا في وقت ما إلى ايطاليا؟ كل هذه الأسئلة وغيرها بلا اجابة, وقد تنكشف لنا القصة الكاملة لاختفاء الامام موسى الصدر في وقت ما في المستقبل, وقد لا تنكشف أبدا, أو تنكشف جزئيا مخلفة معضلة لمؤرخي المستقبل. ويخيل إلي أحيانا ان الغموض والسرية جزء لايتجزأ من السياسة العربية, خاصة على مستوى السلطة لأن المجتمعات العربية في العموم لا تعرف شيئا اسمه الشفافية. أحمد عمرابي