تكنولوجيا الاتصالات سهلت المهمة والأمريكيون قدموا النموذج، بقلم د. تيسير الناشف

ما فتىء الابداع يشكل قوة دافعة في التاريخ والحياة والثقافة في الولايات المتحدة الامريكية والغرب عموما. لقد اسهم التكييف الهوائي في تطور الجنوب في الولايات المتحدة, وساعدت تدابير التحكم بالحمل بحجم الأسرة في الغرب وأجزاء اخرى من العالم, وجعل اختراع السيارة والقطار والطائرة النفاثة التنقل اسهل وأسرع , وقرب التلفون والاذاعة والتلفزيون والكمبيوتر المسافات أو ألغوها بين القارات والدول. وعشية بدء القرن الحادي والعشرين يزداد معدل الابتكار الأمريكي في الارتفاع, وسيزيد ذلك الارتفاع سرعة التغير الاقتصادي والاجتماعي الحاصل في الغرب وفي مناطق اخرى. مؤخرا منح مكتب براءات الاختراع وتسجيل العلامات التجارية التابع للولايات المتحدة براءات اختراع كان عددها ضعف تلك التي منحها قبل حوالي عقدين من السنين. ويجري تشجيع الافكار الجديدة في الولايات المتحدة, وتحظى هذه الافكار بالتشجيع والرعاية اللذين قد لا تحظى بهما في أي مكان آخر على وجه المعمورة. من الناحية الدستورية المرء في الولايات المتحدة حر في قول وفعل اشياء كثيرة, والجو الاجتماعي فيها موات للاتيان بأفكار جديدة, والجو الاقتصادي على استعداد لتقبل تبني افكار جديدة تعود بالنفع على النظام الاقتصادي القائم. وتتوفر في هذا البلد الوسائل لرعاية هذه الافكار وتحقيقها واعطاء شكل لها. فاذا اخترعت طريقة جديدة لانتاج منتج من المنتجات القابلة للتسويق أو لتعليم موضوع من المواضيع, لقيت هذه الطريقة من يرعاها ومن يحاول تحقيقها والاستفادة منها. الاقتصاد الرقمي ان الانتقال الى اقتصاد رقمي (ديجيتال), وهو الاقتصاد الذي يتجسد في نمو وشيوع استعمال الانترنت, يغير الممارسات اليومية والمنتجات الصناعية والعادات الاجتماعية. على سبيل المثال, حينما يدوس سائق بقدمه على دواسة الوقود لنوع من السيارات الحديثة, فإنه يوجه الكمبيوتر المركب في السيارة بأن يعدل سرعة المحرك. وتجعل اجهزة الكترونية رقمية قيمتها بضعة دولارات قطعة من النسيج المخملي الناعم دمية متكلمة يريد الاطفال ان يمتلكوها في الاعياد. وقد يكون وادي السيليكون الممتد جنوبا من سان فرانسيسكو المكان الذي يشهد اكبر قدر من الابتكار والابداع في العالم. في ذلك المكان الذي يشهد النشاط الكبير, يمكن لامرىء لديه فكرة من الافكار في انتاج منتج جديد يمكن تسويقه, ان يحصل من شركة على مبلغ مالي تغامر تلك الشركة باستثماره في مشروع تجاري يحقق تلك الفكرة, وان يحصل ايضا على النصيحة والتوجيه منها. و يكون أناس ذوو روح مغامرة و أصحاب مواهب على استعداد للانضمام ليقدموا المساعدة في تطوير وتحقيق الفكرة الجديدة, ربما مقابل امتلاكهم لحصة في المشروع الجديد. وأحيانا لا يتطلب تحقيق الفكرة انفاق مبلغ كبير من المال, وترغب الشركات المنتجة أو الصناعية في انتاج المنتج بموجب عقد. هذه الأفكار الصغيرة أو الكبيرة ما انفكت تغير وتحول الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتغير نمط الحياة في الولايات المتحدة. ومما يشجع محاولة تحقيق الافكار الجديدة ان الفشل في المحاولة ليس مدمرا او مهلكا. فالمشاريع والقروض مؤمنة, والمغامرة تتضمن دوما عنصر احتمال الفشل وإلا ما عادت مغامرة. يقول تشارلز هولووي, مدير مركز دراسات المشاريع التجارية في مدرسة الاعمال التجارية العليا التابعة لجامعة ستانفورد الواقعة في قلب وادي السيليكون: (لا تلصق وصمة عار كبيرة بكون (المرء) يشارك في شركة غير ناجحة) . وتشجع الهيئات الرسمية وغير الرسمية في الولايات المتحدة الابتكار. والجو الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الامريكي جو موات للابداع. ولملكة الابداع قيمة اجتماعية واقتصادية كبيرة. يقول بروس ليمان, رئيس مكتب براءات الاختراع وتسجيل العلامات التجارية, مخاطبا شخصين معنيين بالموضوع: (ان الحصول على براءة اختراع تشمل اوروبا يكلف ستين الف دولار. اذا كنتما شخصين في مرآب في ليون فليس في وسعكما ذلك) . وتكلف براءة الاختراع في الولايات المتحدة حوالي اربعة آلاف دولار, وذلك مبلغ قليل نسبيا. ان الاختراعات العلمية التي اخترعها باحثون تابعون للحكومة الامريكية نقل كثير منها منذ وقت الى ايد وشركات خاصة ولم تكن التكلفة كبيرة. منظومات الاتصال وللابتكار اهمية في النهوض بالاقتصاد الامريكي. بمرور السنين استفادت قطاعات اقتصادية كثيرة من الابتكار. استفادت الزراعة من البحوث التي نظمتها وأدارتها ومولتها الهيئات الحكومية الاتحادية. ويذكر على سبيل المثال الدجاج عريض الصدر الذي حل محل الدجاج الاعجف. ان التكنولوجيا الاساسية الكامنة في الانترنت استحدثت لغرض خدمة الاتصالات العسكرية, ثم بدأ القطاع الخاص باستعمالها. ومما يبعث على الانبهار السرعة الكبيرة التي حققت بها الابتكارات مؤخرا والتي يجري بها استعمال هذه الابتكارات. قبل عشر سنوات لم يستعمل البريد الالكتروني سوى قليل من الناس. لقد سبق هؤلاء غيرهم في استعمال هذا الاختراع, ولم يكن لديهم تقريبا احدا يرسلون اليه رسائلهم الالكترونية. واليوم فإن عشرات الملايين يستعملون البريد الالكتروني. لقد بدأ مؤخرا التبضع عن طريق هذا البريد. ويقول البائعون بالجملة والتجزئة على الانترنت ان البيوع في الوقت الحاضر مرضية ومجزية. يمكن فجأة لبائع صغير بالتجزئة في مكان في ولاية واشنطن مثلا ان ينافس الشركات الصغرى والكبرى في شتى ارجاء العالم على الزبائن. ويتيح الانترنت الاتصال والارتباط بين الصانعين والمنتجين والبائعين والمروجين والممولين والمستثمرين, مما يفضي الى فعالية النشاطات الانتاجية والتجارية والمالية. ويوقن المستثمرون ان التبضع عن طريق الانترنت سيصبح عملا تجاريا كبيرا ومجزيا, لدرجة ان سعر السهم في شركة امازون لبيع الكتب عن طريق الانترنت ارتفع ارتفاعا كبيرا بسرعة. وفيما يتجاوز عمليات الشراء والخدمات البريدية, تبشر الانترنت بإحداث تغييرات كبيرة في مجموعة كبيرة من النشاطات. ان شبكات الكوابل ومحطات التلفزيون والراديو والتلفون لابد من ان ترحل الى هذه الاداة الجديدة, مما يوجد فرصا كثيرة جديدة في مجال الاتصال السريع. وهذه النزعة القوية الدائمة الى الابتكارات تمنح المبتكرين الامريكيين وغيرهم ميزة جديدة في الاقتصاد العالمي. ان المؤسسات المالية ووسائط الاعلام ومنظومات الاتصال وبرامج الكمبيوتر عبارة عن افكار محققة وهي ايضا تعرب عن افكار جديدة قابلة للتحقيق. ولهذه الافكار تأثير كبير على النطاق العالمي. وبالتالي فإن الافراد الذين ينتجون افكارا صغيرة وكبيرة قابلة للتحقيق سيتمتعون بمركز ربما يكون الان أهم من أي وقت مضى. * أستاذ دراسات الشرق الأوسط ـ الولايات المتحدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات