عندما يوصف انسان ما, بأنه متعلم, أو رجل علم, أو عالم, فإن كل لقب من هذه الالقاب الثلاثة يحمل دلالة معينة. فالمتعلم يلم بالمعارف العامة, ويمتلك قدرا معقولا من المعلومات الاساسية التي تمنحه القدرة على التجاوب مع البيئة الثقافية المحيطة به, وعلى خوض غمار المطالعة بطريقة تمكنه من توسيع رقعة معلوماته باستمرار. ولكن رجل العلم , اعلى مرتبة منه, وأبعد ايغالا في دروب المعرفة, وغالبا ما يكرس حياته وينذر نفسه لخدمة قضية العلم. اما العالم, فيقف في القمة, ويسبح في بحر من المعارف والعلوم. وقد يكون عالم ذرة أو عالم فضاء أو عالم وراثة أو غير ذلك. ومع ان المتعلمين ورجال العلم والعلماء, هم عماد التطور العلمي والتكنولوجي, وأدوات الازدهار الاقتصادي والصناعي, فإن مؤهلاتهم العلمية غير كافية لاحراز التقدم العربي المطلوب تحقيقه بالفعل في هذه الفترة من حياتنا. فهؤلاء يملكون العلم ويحوزون على المعرفة, ومع ذلك, فإن بعضهم يفتقرون الى خصائص لا يمكن بدونها ارساء اسس التقدم الحقيقي, ومن بين هذه الخصائص الاخلاق والوعي. وهنا نصل الى لقب المثقف. ومفهوم هذا اللقب واسع ومتشابك, وله تعريفات متباينة, وكل من يحاول تعريفه يحار في الامر ويجد نفسه امام اشكاليات ومفارقات عديدة. وعلى كل حال, فقد تصدى كثير من القواميس والموسوعات والافراد لتقديم تعاريف للثقافة. وربما يكون اشمل تعريف لها: ان الثقافة تمثل كل ما يتعلمه الانسان في حياته من معارف ومهارات راقية ومتطورة, ويكتسبه بالكلمة المقروءة أو المسموعة او المرئية في ذاكرته, ويستخدمه في سبيل الحق والخير وتحقيق التقدم الحضاري والتطور الانساني. المثقف الحقيقي وهذا التعريف يتضمن الجانبين الكمي والكيفي للثقافة, ويظهر مدى الارتباط الحميم, بينها و بين التعليم, ويدل على انها لا تؤتي ثمارها الا اذا اتجهت نحو خدمة اهداف الخير. ومن المتفق عليه, ان المثقف بالمعنى الصحيح, يفترض ان يكون حائزا على اكثر مما يملكه رجل العلم. فمع ان الثاني قد يكون أغزر علما وأوفر حظا في المعرفة, فإن الأول يملك ما هو اغلى من العلم, ونقصد به الوعي. وهذا الوعي يجلب له خاصية اخرى هي الاخلاق. ونحن نرى ان المثقفين الحقيقيين بالمعنى النبيل والشامل للثقافة, هم الذين يستطيعون انتشال الامة من وهدة التقهقر, والسمو بها الى قمة التقدم, لأنهم يشبهون الاحجار التي تحرك الدوائر في البحيرات الراكدة. وبتعبير آخر, نقول, ان ما تعانيه الامة العربية اليوم من وهن, لا يمكن التغلب عليه بتوافر اعداد اكبر من اصحاب المؤهلات العلمية, وانما بنشوء جيل من المثقفين الذين يجمعون بين العلم والوعي والقيم الاخلاقية النبيلة, والقادرين على حفز الجماهير الى العمل الخلاق الحقيقي, بدلا من الاستمرار في ركوب المراكب القديمة البالية مثل الاسترسال في الشكوى والانفعال, والتنصل من المسؤولية, وإلقاء اللوم على الآخرين والتشبث بالافكار المتصلبة العنيدة, والانصراف الى الاقوال المفرغة من الافعال, وغير ذلك من الاساليب والعادات والمواقف التقليدية التي تبث خطلها وبطلانها, واستبان عدم جدواها. ان حملة الشهادات العلمية العالية في وطننا العربي يملؤون الطرقات. ومع ان هؤلاء قادرون على دفع عجلة التطور العلمي والثقافي والهندسي والطبي, الا انهم لا يستطيعون, بأكداس معلوماتهم ولوائح معارفهم, وجداول ارقامهم وخرائط بياناتهم, ان ينقذونا مما نحن فيه, لأننا اليوم احوج ما نكون الى افراد مدركين لحقيقة العصر, وقادرين على التفكير النقدي والتحليلي, وعلى السير في دروب الخير, و تبني المواقف السليمة في الحياة, فالمعلومات وحدها لا قيمة لها, اذا لم يتم استخدامها بنجاعة ورشد. اذن, فاننا اليوم لا نستطيع تجاوز اوضاعنا السيئة نحو اوضاع افضل, بمجرد تنشيط البحث العلمي والتطور الصناعي والتقني, وزيادة اعداد العلماء والمهندسين والاطباء, بل لابد من العمل على تحقيق انتعاش ثقافي حقيقي يتمخض عن ميلاد مزيد من الافراد الواعين الذين يفضلون مصلحة الوطن على مصالحهم الخاصة, ويؤمنون بالمثل العليا, في القول والممارسة على السواء. وهؤلاء هم المثقفون الحقيقيون الذين يشبهون الشهب المنيرة التي تستطيع ان تشق اسداف الظلام. تجاوز الاشكاليات ولكننا عندما نتحدث عن احراز ازدهار ثقافي فعلي, فإننا سنواجه الكثير من الصعوبات والاشكاليات والتساؤلات. فمثلا, اي نوع من انواع الثقافة نحتاج اليوم؟ وللجواب عن ذلك, نقول انه على الرغم من تكامل مختلف فروع الثقافة وترابطها وانتظامها في شجرة وارفة واحدة, فإن العرب يحتاجون الى بعض الانواع منها, اكثر من حاجتهم الى غيرها. فهم بحاحة الى الثقافة الحديثة, ولا سيما ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان, اكثر من الثقافة التقليدية, والى الثقافة العملية اكثر من الثقافة النظرية, والى الثقافة الاخلاقية القيمة اكثر من الثقافة المعلوماتية. كما انهم يحتاجون بشكل خاص الى الثقافة المترجمة في المجالات التي تسبقنا فيها الامم المتقدمة, والى الثقافة الاصيلة في الميادين المرتبطة بصميم بيئتنا المحلية, مثل الادب والتراث والتاريخ العربي والاسلامي. وقد يتبادر لنا ان نتساءل, أيضا, عن معوقات نشر الثقافة. وهنا ستجدنا نخوض في فضاء واسع لا حدود له. ويبدو ان من اهم معوقات الثقافة نقص المخصصات المالية. فالمصادر الاساسية للثقافة, وهي التربية والاعلام والكتب, لا يمكن ان تنهض بأدوارها, اذا لم يتوافر لها المال. ونذكر كذلك مشكلة توجيه الثقافة وتسخيرها لغايات دعائية أو ترويجية, أو لخدمة مصالح معينة, مما يبعدها عن اهدافها الاصلية المتوخاة منها. فالثقافة يجب ان تكون من أجل الثقافة وحدها. اما استغلالها لتحقيق المآرب الخاصة, فأمر يضر كثيرا بقضيتها. واذا حاولنا التصدي لكيفية تحقيق الازدهار الثقافي, نجد انفسنا في خضم بحر واسع من الخيارات والاحتمالات. ولكن اقصر طريق الى ذلك, هو قيام الدول العربية, بدعم العمل الثقافي بالطريقة التي تدعم بها المواد الاساسية كالخبز والسكر والزيت وغيرها. فالثقافة هي خدمة اساسية تقدمها الدولة للمواطن, تماما كما توفر التعليم, وتقيم الحدائق والجسور, وتجهز القوات المسلحة وما الى ذلك. وهي وحدها القادرة على مد الثقافة بشرايين الحياة, لأن الافراد مهما كانت امكاناتهم, ومهما اوتوا من قوة العزيمة والتصميم, يعجزون عن النهوض بأعبائها الجسيمة. وبعد, فعلى الرغم من أهمية اللحاق بالأمم الراقية التي تأخذ بأسباب التطور العلمي والصناعي, وتضرب في مفاوز التقدم التكنولوجي, فإن علينا ان نمنح الأولوية في سلم اهتماماتنا القومية, لنشر الثقافة الاخلاقية والوجدانية الواعية, لسبب بالغ الاهمية, وهو ان العامل الاول في تردي اوضاعنا الحالية, يكمن في التخلف القيمي, اكثر من القصور العلمي. واذا نجحنا في هذا المسعى, فلربما ينبثق في ربوعنا جيل من المثقفين القادرين على ايقاظ النائمين من سباتهم العميق الذي طال أمده. * كاتب سوري