بدأ الحصاد وسقط الستار، بقلم محمد عبدالعزيز الباهلي

يبدو ان دعوات سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام والثقافة, المستمرة لاعطاء الصحافة المحلية مزيدا من الحرية, قد بدت ملامحها الاولى واضحة التأثير في قضايا المجتمع ومشكلاته, وبدأ الرأي العام يدرك حقيقة معنى وأهمية وجود الصحافة الناقدة في المجتمع, والتي تحاول جاهدة تعريف المجتمع على مواطن الخلل ومواطن القوة , دون تجريف او تزييف او مدح او ذم او قلب للحقائق. فقوة الصحافة من قوة المجتمع وحرية الصحافة من حريته, واسوأ ما يتعرض له المجتمع عندما يضع القيود والاقفال على حرية الصحافة, ويكثر عليها من الضغوط والتشديد مما يجعلها تبتعد عن قول الحقيقة بحيث تتحول في داخلها حرية التعبير الى مصطلحات هلامية للتعبير عن العجز الفكري الواضح والاستسهال والمحاباة والتملق وتوخي الحذر من الصدام, او حتى محاولة تلمس الحقيقة ايا كان مصدرها وخطورة تأثيرها على المجتمع. لذلك تكثر في ظل تلك القيود الاختلاسات المالية والشركات الوهمية والتجاوزات الادارية والرشوة وبيع التأشيرات والفساد بألوانه مما يجعل الكثيرين يكونون ثرواتهم على حساب مصلحة الوطن وافراد شعبه. وكل ذلك يحدث من وراء صمت السلطة الرابعة واسكاتها عن قول الحقيقة. وخطورة هذا الوضع انه يجعل الكثير من الاقلام الصحفية تصبح أداة في ايدي بعض المتنفذين مما يوجد حالة من تزييف الواقع بكتابات لا تمس مصلحة المجتمع, بل تهدف الى ارضاء فلان وتلميع فلان او مدح فلان او التستر على اخطاء وعيوب وتجاوزات فلان, حتى لو كان ذلك على حساب ومصلحة الوطن والمواطن. من هنا يظهر دور الكتاب الانتهازيين واعداء الحقيقة وضعاف النفوس والمرتزقة, حين يصبحون خناجر مسمومة ضد اهل الحق والصدق وكتاب الحقيقة, وتصبح الصحافة في عصر هؤلاء المرتزقة تكتب بألوان الدولار والجنيه الاسترليني والدرهم.. صحافة تكتب بمفاتيح الشقق والسيارات, وقد اعترف الرئيس جمال عبدالناصر قبل رحيله بأن امثال هؤلاء كانوا جزءا من النكسة التي تعرضت لها الامة العربية. بداية حقيقية وفي الايام السابقة رأينا كيف انكشف الغطاء وسقط الستار, واصبح واضحا دور المساحة الحرية في صحافتنا المحلية (صحيفتا البيان والاتحاد) , وذلك من خلال الطرح النقدي الواضح والمباشر والصريح للتجاوزات السلبية داخل بعض الدوائر والمؤسسات الخدمية (وزارة الصحة ـ منطقة دبي التعليمية). وقد حاولت الصحيفتان كشف الغطاء عما كان مسكوتا عنه في السابق من اخطاء وتجاوزات سلبية, واصبح الرأي العام والسلطة العليا المسؤولة على معرفة تامة بحقائق هذه الاخطاء والتجاوزات. ومن هنا تبدأ البداية الحقيقية بطريقة صحيحة وصحية, فهذا هو الطريق وهذه هي البداية الحقيقية نحو نقد الجوانب السلبية, والاتجاه بالمجتمع نحو انتهاج مبدأ المصارحة والشفافية, لتوعية افراده بالمشاكل ومواقع الخلل منه, والحرص الكامل على كشف جميع صور الفساد والضرب بشدة على جميع انشطته في اجهزة الدولة المختلفة, دون استثناء للاشخاص المتورطين فيها ايا كان موقعهم او وصفهم الوظيفي في المجتمع. وقد تكون الحقيقة في بداياتها مرة ومؤلمة وبعض المعلومات المنشورة محبطة, الا انه ليس لنا الا طريق المصارحة الموضوعية الواعية والمدركة لحقائق الامور, وهي فقط السلاح الوحيد والقوي الذي سوف يقودنا الى معالجة مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية والادارية والتعليمية والاعلامية والثقافية والسياسية بطريقة صحيحة وصريحة وواضحة. ان اهم ماتميزت به فصول التجاوزات السلبية المتلاحقة التي نشرت في صحافتنا المحلية هو التناقض الواضح والرهيب والعجيب والغريب في تعامل القيادات الادارية مع سير الاحداث. لكن المدهش حقا في فصول احداث هذه المسرحية, انه لاول مرة نعرف ان هناك دوائر ومؤسسات ومناطق لاتدار مشاريعها او عقودها او مناقصاتها وفق ادارة منظمة وتخطيط واضح ومؤشرات علمية وادارية دقيقة ومدروسة او برمجة حسابية واضحة بل تدار بادارة (مغلفة بالنوايا الحسنة) . والمفاجأة الحقيقية في وسط هذه الاحداث المسرحية هي الاسلوب الذي تعاملت به احدى الصحف المحلية مع الاحداث, باتخاذ موقف غريب وبصورة مدهشة حقا ضد حقائق التجاوزات الخطيرة, خاصة في ظل هذه المساحة من الحرية. استخلاص العبرة ونستخلص مما حدث عدة امور ونتائج نلخصها في الآتي: ـ ان المحافظة على موارد الدولة وعلى اموال اجيالها القادمة تتطلب ايجاد جهاز للكشف عن (الكسب غير المشروع) , وطرح قانون من اين لك هذا؟, حتى يتم التحقق من تناسب حجم الثروة والدخل مع الوظيفة العامة, ومحاسبة الشخص طبقا لظروفه المالية والوظيفية والاقتصادية, واثبات ان الثروة التي لديه من مصادر مشروعة وتتناسب مع دخله الوظيفي, وبذلك يتم اقفال الابواب امام التلاعب والاستغلال للمناصب الوظيفية. ـ ان وجود (نيابة ادارية) يحتكم اليها الموظف المظلوم من قبل مؤسسته, اصبح امرا ضروريا وملحا. ـ ان تحول مفهوم الادارة والقيادة عند البعض على انها لعبة استهلاكية وبهرجة اعلامية يمكن ان يلعبها العاملون في الجهاز الاداري, لتكون مسألة عبث قد تهدم جهازنا الاداري وتصيبه اصابات بليغة تؤدي الى انهياره. ـ ان تمتع بعض المسؤولين بسلطات واسعة مع ضعف خضوعهم للمحاسبة والرقابة الادارية, يجعلهم يستخدمون مناصبهم الوظيفية لتحقيق مصالح شخصية خاصة, وغالبا ما يشيع امر الفساد في مثل هذه الحالات. ـ الوطنية هي ان نترجم جميع شعاراتنا واقوالنا التي ننادي بها ليل نهار نحو الوطن بافعال حقيقية يلمسها المواطن ويظهر صدقها واثرها على الجميع. ـ ان اعطاء الصحافة مزيدا من الحرية ومزيدا من الحركة وقوة التعبير سوف يجعلنا ندرك عين الحقيقة, خاصة عندما يكون دور الصحافة وعملها في وسط هذه المساحات الواسعة من زوايا الوطن واركانه, وفي وسط هذا العالم مترامي الاطراف وهذا الحجم الكبير من مؤسسات المجتمع ومن التقلبات والتغيرات التي تحدث في احوال افراده النفسية والسلوكية والفكرية, والمصالحة فيما بينها مع المزاج السلوكي والاجتماعي والفكري للافراد, بحيث يجري سريعا وراء التهافت على المادة والمركز بشتى الطرق والحيل. ومن هنا تحدث التجاوزات وتختلط في ذهن الافراد قيم الطموح بالجشع, والحلم بالواقع والخيال بالحقيقة, وصفة الصدق بالكذب والعدل بالظلم والحق بالباطل ومن خلال هذا الطريق يقتل الكثير من القيم الفاضلة, والتي تربى عليها اهل الوطن, وسوف يدفع الوطن نفسه بجميع افراده ثمنا غاليا لغيابها. وهذا ما نسمع عنه بين فترة واخرى, من عقد صفقات صورية وبيع للتأشيرات على حساب الوطن, وتجاوز بعض المسؤولين لصلاحياتهم الوظيفية واستغلال البعض المؤسسات الخدمية لتحقيق المصالح الخاصة. وكل هذا ما هو الا لون من الوان الفساد الذي تعمل الدولة جاهدة, وبكل سلطاتها التشريعية والقضائية والامنية وكل مؤسساتها الاجتماعية والثقافية والاعلامية والتعليمية, على القضاء عليه وحماية المجتمع منه وتحذير افراده من الوقوع فيه ومن هنا جاءت اهمية ان يعرف المجتمع والرأي العام القرار والطريقة التي سوف يتم بها اسدال الستار على هذه المسرحية. وفي الختام ليس امامنا الا ان نقدم نصيحة احد العارفين للخليفة عمر بن عبدالعزيز في بداية توليه الخلافة قائلا له: اذا اردت ان يكون عملك كله خيرا فاستخدم اهل الخير, فقال عمر: صدق والله الرجل, سأجعلها والله نصب عيني. * كاتب وباحث من الامارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات