صورة معبرة وزعتها وكالات الانباء العالمية ونشرتها صحفنا المحلية يوم السبت2/10/1999م عن حادث تسرب الاشعاعات النووية في مصنع نووي تجريبي في شمال شرق العاصمة اليابانية طوكيو كانت حصيلته 55 شخصا تعرضوا للاشعاعات . ما يهمني ليس الحادث فمثله حوادث كثيرة تحدث يوميا في انحاء العالم, وليس عدد الضحايا, فالبشر يدفعون حياتهم بشكل أو بآخر نتيجة او لاسباب متعددة حيث تتعدد الاسباب ويظل الموت واحدا, ما يهمني هو الصورة المرفقة بالخبر. من لم تقع عيناه على الصورة فإنها تمثل مدير عام ورئىس مجلس ادارة معمل اليورانيوم المنكوب, يركعان امام الصحفيين للتعبير عن اسفهما لما لحق بالشعب الياباني جراء الحادث. (حادث التسرب الاشعاعي) هذه الصورة تطرح اكثر من تساؤل كلها تصب في مجرى مساءلة الخطأ وكيفية التعامل مع المخطئين, ومدى احساس صاحب الخطأ او التجاوز بحجم تجاوزه, خاصة حينما يطال هذا التجاوز افراد المجتمع ويتسبب في إلحاق أضرار جسيمة بهم, سواء كانت مادية أو نفسية, مالية أو جسدية أو عقلية. سؤال آخر مهم: هل هناك فرق بين التهاون في اجراءات الامن والسلامة في مصنع نووي والتهاون في اجراءات الامن والسلامة في بناء مدرسة أو شارع أو منزل شعبي أو عمارة في وسط حي سكني؟ لا فرق لان الضحية في النهاية هم افراد من المجتمع يذهبون ضحية وتضيع حياتهم من اجل حفنة من المال يتم خصمها من مواصفات المواد الجيدة او الاداء الصحيح للعمل, فبدل ان تجهز العمارة بمعدات السلامة الضرورية او تبنى على اسس وقواعد متينة يتم التلاعب بكل ذلك مقابل توفير بضعة آلاف تذهب لاصحاب التجاوز, ثم وبعد فترة يفاجأ الناس بسقوط هذه العمارة, أو بتهالك اسقف ومعدات تلك المدرسة لماذا؟ لان المال العام الذي رصد لتشييد بناء صحيح وسليم وثابت لم ينفق جميعه لهذا الهدف, لذلك فمبانينا لا تصمد, ومدارسنا لاتستمر وشوارعنا عرضة للحفر والتصليحات دائما,... بينما تصمد المباني والمدارس والشوارع في دول الغرب مئات السنين. فما السبب ياترى؟ ليس صحيحا ان المناخ هو السبب وان الحرارة والرطوبة كفيلان بتحطيم اكثر المباني صلابة كما يقول البعض ذلك ان شهور الصقيع والثلوج والعواصف التي تبدأ في الغرب منذ الشهر العاشر من العام ليست مناخا سهلا أو قليل التأثير. وانظروا واسألوا ماذا تفعل الثلوج بالسيارات هناك؟ وماذا تفعل العواصف بالمنازل؟ لكن الاساسات الجيدة والصيانة المستمرة, وتوفير اقصى شروط السلامة ومراعاة ادق المواصفات وأهمها مع مراقبة هذه الشروط والمواصفات تجعل مبنى صغيرا تدخله اليوم في اقصى أرياف اوروبا وتستمتع بالسكن فيه صامدا لعشرات السنين وقد تفتح فمك مندهشا حين تعلم بأنك تنام في منزل بسيط شيده صاحبه منذ أكثر من 150 عاما! هذا ما تشير اليه لوحة قديمة مغروسة في خاصرة جدار عتيق في واجهة المنزل. لو أن المخطئين في عالمنا يركعون اعترافا بالخطأ امام الصحافة والرأي العام أو ينتحرون كما يفعل الكثيرون عندما يقبض عليهم بتهم الفساد في دول الغرب لتغير الوضع ولقل التجاوز, لكننا للاسف نغلق ملفاتنا سريعا وننسى معتمدين على ان الذاكرة العربية معطوبة منذ زمن بعيد!