لانه ارتضى التعاون مع الاسرائيليين كحلفاء حول مصير لبنان فانه ركب مخاطرة جسيمة كلفته حياته. ذلك هو زعيم حزب (الكتائب) المسيحي السابق بشير الجميل. لكن القصة لا تخلو من غموض لم يتكشف بصورة كاملة حتى اليوم . بدأت القصة عند مطلع عام 1982... العام الذي شهد الاجتياح الاسرائيلي الكبير للبنان جوا وبحرا وبرا إلى ان وصلت القوات الاسرائيلية الى العاصمة بيروت. قبل بداية الغزو بعدة شهور, ولكن بعد ان استكملت اسرائيل وضع مخطط الغزو, دخل الجنرال ارييل شارون لبنان بصورة سرية على متن طائرة عمودية ليلا سارت به من تل ابيب فوق البحر الى ميناء (جونيه) اللبناني حيث كان على موعد مع الزعيم الماروني بشير الجميل. كان شارون يحلم بشراكة استراتيجية بين الاسرائيليين والمسيحيين في لبنان ولكن يبدو انه كان مكتوبا للحلم ان يبقى مجرد حلم. وعلى مائدة عشاء في قصر الجميل في (بكفيا) ابلغ شارون مضيفه بأن هجوما اسرائيليا كاسحا على لبنان صار مجرد مسألة وقت, ثم عرض ملامح مشروعه باعادة صياغة لبنان بما يخدم مصلحة مشتركة. ولدى تنفيذ الغزو, وبعد ثلاثة ايام من بدء العملية والقوات الاسرائيلية تزحف صوب بيروت على عدة جبهات جرت مقابلة بين الجنرال شارون وبشير الجميل في مقر القيادة الاسرائيلية عند الحدود اللبنانية الاسرائيلية. وعرض الجنرال الاسرائيلي على الزعيم اللباني خطة تقضي بمشاركة قوات (الكتائب) في احتلال بيروت وتشكيل حكومة جديدة (تحت الرعاية الاسرائيلية) . على الفور صعق الجميل... اجل كان الزعيم الماروني يطمح الى الحكم لكنه في الوقت نفسه كان يحلم بتوحيد المسيحيين والمسلمين اللبنانيين. فهل تخوف من دمغه كصنيعة اسرائيلية في نظر المسلمين؟ على اية حال تردد الجميل في قبول الخطة الاسرائيلية. فرغم انه كان راغبا في تحالف مع الاسرائيليين الا انه كان يتحسس فيما يبدو من ان يكون التحالف مكشوفا وصريحا كما اقترح شارون. وفي مقابلة ثالثة جرت في جونيه لم يستطع شارون ان يقنع الجميل بخطته تماماً. وبعد نهاية الغزو وقرب نهاية اغسطس 1982 صار بشير الجميل رئيسا للبنان مما ادى إلى احياء آمال الاسرائيليين مرة اخرى بقيام محور اسرائيل وضرب (الكتائب) المسيحي. وقبل ان يستكمل الرئيس الجديد اسبوعه الثاني في الحكم وصل الجنرال شارون في زيارة رابعة إليه. كان ذلك في 12 سبتمبر. ولكن لا يعرف على وجه الدقة حتى هذه اللحظة ما دار في ذلك الاجتماع. هل وافق الجميل من حيث المبدأ على المشروع التحالفي الاسرائيلي؟ غاية ما اعلن بشأن ذلك الاجتماع هو ان الطرفين اتفقا على عقد اجتماع آخر يشارك فيه وزير الخارجية الاسرائيلية آنذاك اسحاق شامير... وحدد له يوم 15 سبتمبر, لماذا؟ هل تم الاتفاق على ان يكون اجتماعا لبحث التفاصيل بعد ان اقر المبدأ؟ هذا الاجتماع على اية حال لم يتم. ففي اليوم السابق على الموعد جرى اغتيال بشير الجميل في حادثة تفجير ضخمة في مقر رئاسة حزب (الكتائب) هل كان المقصود من حادثة التفجير ان تحول دون تبلور ما كان مقررا ان يتبلور في اجماع 15 سبتمبر بشأن المصير المستقبلي للبنان؟ ومن هي الجهة التي دبرت ونفذت الحادثة؟ شيء واحد هو الثابت: ان احلام اسرائيل بشأن اعادة صياغة لبنان بما يلائم اهدافها الاستراتيجية تبخرت تماما مع حادثة التفجير. احمد عمرابي