اصبح من المسلم به من قبل الجميع في الساحة الفلسطينية ان كان في صفوف السلطة أو المعارضة وبوضوح كامل بأن اتفاقات أوسلو حملت الكثير من التداعيات والتراجعات والتنازلات, وفي المقدمة منها, الخلل الاستراتيجي . فأولا: حصل ارتداد في اعتبار الاراضي الفلسطينية من اراض احتلت عام 67 الى اراض متنازع عليها, مما ترك الميدان لمواصلة زحف غول الاستيطان في الضفة الفلسطينية وحتى جنوب قطاع غزة, ومواصلة تسريع عمليات التهويد في القدس الشرقية العربية. الخطأ الاستراتيجي الثاني: يكمن في اهمال حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير. فقد ترك هذا الحق لكثير من الخطط التوسعية الاسرائيلية الصهيونية. وخاصة اهمال المليون فلسطيني الذين يعيشون داخل الدولة العبرية, وتركهم عرضة لعوامل الاسرلة, وفي دولة تعلن قوانينها انها يهودية صهيونية وليس دولة اسرائيلية لكل مواطنيها من يهود وعرب على قدم المساواة. وكذلك تم اهمال الاربعة ملايين فلسطيني الذين يعيشون في الشتات. اما الضفة والقطاع فتركت عرضة الى التشطير الى مربعات مطوقة بقوات الاحتلال والمستوطنات وفق مسلسلات اوسلو والاتفاقيات المتناسخة عنها. وقلنا ان علينا جميعا العمل لتجاوز هذه الاخطاء الاستراتيجية, ولذلك طرحنا ضرورة: اولا: الانتهاء من سياسة الخطوة ـ خطوة الاوسلوية وقفل باب هذه السياسة وعدم العودة اليها أو تمديدها. ثانيا: الانتقال الى المفاوضات الشاملة المستندة الى قرارات الشرعية الدولية 242 و338 وقراري الامم المتحدة الخاصين باللاجئين 194 والنازحين 237, بما يؤمن حق شعبنا باقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية العربية, في حدود 4 يونيو 1967, وحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير وحل مشكلة اللاجئين الذين يمثلون 62% من الشعب الفلسطيني, وفقا للقرارين الدوليين آنفي الذكر. وعلى هذا الاطار السياسي اعلنا عن امكانية المشاركة في المفاوضات الشاملة على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي للوصول الى سلام شامل متوازن, كما جاء في كتابي (اوسلو والسلام الشامل المتوازن) . وعلى هذا الاساس حددنا, ايضا, آليات التفاوض المتوازن والمقبولة دولياً وعربياً وفلسطينياً بوفود ائتلافية وبمرجعية تفاوضية وطنية علنية تتشكل من جميع القوى التي توافق على السير بالمفاوضات الشاملة وفق هذا الاطار, وصولاً الى سلام شامل ومتوازن: دولتان على ارض فلسطين الانتدابية التاريخية, وحق شعبنا بتقرير المصير, وحل مشكلة الشعب اللاجىء بالعودة عملاً بالقرار 194, مقابل السلام الشامل بين الدولتين والشعبين. المحور الثاني في الجهد المطلوب: هو اعادة بناء ائتلاف منظمة التحرير على قاعدة هذا الاطار السياسي المشترك, بين جميع الذين يوافقون على ذلك, أو جميع الذين يوافقون على اعادة بناء الائتلاف الوطني لمنظمة التحرير على اسس ديمقراطية, حتى لو اعترضوا على هذا الاطار السياسي, لكنهم يعملون في اطار الائتلاف الوطني العريض وطرح قضايا الخلاف على الشعب, وهذا يفتح الباب لاحقا, لوضع قانون الانتخابات, لانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني الجديد, لكل الشعب, في الوطن المحتل وفي الشتات. فالمجلس الراهن انتهت مدته القانونية منذ سنوات, كما قلت لرئيسه سليم الزعنون في الفترة الاخيرة بدمشق وفي لقاء القاهرة, ووافقني في ذلك. وكذلك انتهت المدة القانونية لمؤسسات الحكم الذاتي, ومنها المجلس التشريعي الفلسطيني, الذي انتهت مدته منذ مارس ,99 ويجب وضع قوانين انتخابية جديدة, ونناضل من اجل ان تكون على قاعدة التمثيل النسبي, بحيث تكون كل القدس الشرقية والضفة والقطاع دائرة انتخابية واحدة, وكل تجمع من تجمعات شعبنا في اقطار اللجوء والشتات, تكون دائرة انتخابية اخرى, وبذا سيعيد الشعب بناء وحدته الوطنية بقواسم برنامج مشترك وفعل كل القوى والتيارات في صنع قرارات مصائر الوطن والشعب. هكذا نحل مشكلات اعادة بناء ائتلاف منظمة التحرير ديمقراطيا, ونحل مشكلات اعادة انتخاب مؤسسات الحكم المحلي, بقوانين جديدة, بعيدة عن الاثنية والطائفية والعشائرية والقبلية, والتي انعكست في القانون الانتخابي للمجلس التشريعي عام 1994, وادت بالخارطة الفلسطينية الى التخلف خطوات واسعة, مع الاسف, الى الوراء. حول هذين المحورين الرئيسيين دار الحوار بيننا في الجبهة الديمقراطية وبين الاخوة في فتح والسلطة على امتداد الشهور الماضية, والذي تكثف في الاسابيع الاخيرة وتوج بلقاء القاهرة (اغسطس 1999). من يتابع الخطوات في الجبهة الديمقراطية ومشاريعها السياسية, منذ اتفاق اوسلو, والتداعيات في اوسلو (و) وبروتوكول الخليل و (واي بلانتيشن) , وما ترتب عليها, يتضح له ان الجبهة الديمقراطية قالت بأن هذه الاتفاقيات ليست حكم اعدام ابدي, ويمكن بالوحدة الوطنية والقواسم المشتركة تجاوز الاخطاء الاستراتيجية التي انطوت عليها. وهذا يعني بلغة واضحة, ان على الجانب الاسرائيلي ان ينفذ ما عليه من التزامات تبقت عالقة بعد واي 1 وواي 2 لان جانب (أهل اوسلو) الفلسطيني نفذ كل التزاماته, بموجب الاتفاقيات القائمة على سياسة الخطوة خطوة. ولذلك نقول بأن على الاخ عرفات ـ وقد ارسلت له رسالة بهذا المضمون ـ ان يتمسك بضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق (واي بلانتيشن الاول والثاني) , وان لا يوافق على اقتراحات باراك بدمج (واي) بمفاوضات الحل الدائم, وان لا يوافق, ايضا, على التعديلات التي يطلبها باراك. وانا اعرف ماهي هذه التعديلات, التي يستهدف منها باراك تعزيز الموقع التفاوضي الاسرائيلي من زاوية ما يسميه هو بموقع ومنطق القوة والربط بين الانتقالي والنهائي بحلقة (اطار عمل) . وبالمقابل قلت للاخ عرفات, بأن الجانب الفلسطيني الذي وقع على هذه الاتفاقات أوفى بكل التزاماته, ولذلك لا يصح الاخلال بهذه التبادلية تجاه الالتزامات بحل القضايا العالقة. كما ان كل هذه الاتفاقيات, وفقا للذين وقعوا عليها, كان يجب ان تنفذ قبل مايو 1999, لان هذا هو السقف الاخير لاتفاقيات اوسلو وتداعياتها. وعليه نقول نحن, ان هذه الاتفاقيات مفروضة بالامر الواقع DE FACTO, وقد قلنا ذلك منذ البداية, لكن كما قلنا, ايضا, ان علينا العمل والنضال من اجل تصحيح هذا المسار لينتقل من سياسة الخطوة الاوسلوية, خطوة الى سياسة المفاوضات الشاملة. فسياسة الخطوة خطوة جربناها على الجبهتين المصرية والسورية عام 73, ثم واصل السادات لوحده, فيما لم تستجب سوريا لهذا النهج. وكانت النتائج معروفة للجميع. فقد اضطر السادات الى المفاوضة على حدود مصر الدولية عام 1921, قبل ان تقوم اسرائيل بـ 27 سنة وان يترك كل قطاع غزة تحت الاحتلال, وهذا ما رفضه من قبل الرئيس جمال عبدالناصر الذي وافق على مبادرة روجرز (يوليو 70) , القائمة على مفاوضات ثنائية بينه وبين الدولة العبرية, عندما قال بأن المفاوضات يجب ان تتم على قاعدة رحيل الاحتلال الى وراء خطوط 4 يونيو 1967, اي من كل سيناء وقطاع غزة. الآن, السلطة الفلسطينية تقول ايضا بشكل او بآخر, ان المرحلة الانتقالية قد انتهت مع انها قامت عمليا بتحديدها في (واي 2) , وهذا ما كرره ايضا جميع اعضاء مباحثات القاهرة بين الجبهة الديمقراطية وبين فتح والسلطة (23 اغسطس 1999) , والذين قالوا بأن سقف اوسلو انتهى في مايو 1999, ولذا من الممكن الانتقال معا الى سياسة المفاوضات الشاملة القائمة على القرارين 242 و,338 الخاصين بالارض مقابل السلام, والقرارين الخاصين بحل مشكلة الشعب اللاجىء والنازح, 194 و237. وعندما نتحدث عن مفاوضات شاملة على اساس قرارات الشرعية والمرجعية الدولية وبمرحلة واحدة من الالف الى الياء فإنني اقول لشعبنا والعرب والعالم, ان ما طرحته يمثل سياسة الجبهة الديمقراطية, وقد اشتقتها عندما تقدمت بالبرنامج الوطني المرحلي الشهير, في صيف 1973, وناضلت من اجلها عاما كاملا, في الميدان وبين الجماهير وسقط لنا شهداء دفاعا عن استراتيجية المراحل هذه على ارض فلسطين في ترشيحا وبيسان وطبريا (عمليات نسور الدولة المستقلة/1974) وفي مخيمات تل الزعتر, برج البراجنة في بيروت وعين الحلوة في صيدا, الى ان اقرها المجلس الوطني الفلسطيني في يوليو 1974 في القاهرة, مما فتح الآفاق امام قرارات قمة الرباط العربية التي تبنت البرنامج الوطني المرحلي, واعاد بناء العلاقات الفلسطينية مع كل قوى ومعسكر السلام والتقدم, محليا وعالميا, وخاصة مع السوفييت والبلدان الاشتراكية وحركات التحرر العالمية, آنذاك. وبفعل كل هذه التفاعلات تمكنت منظمة التحرير الفلسطينية من تجاوز عنق الزجاجة وانتزاع الاقرار بها, ممثلا وحيدا لشعبنا, على اساس هذا البرنامج, الذي يقوم على تسوية شاملة في اطار قرارات الشرعية الدولية. وتمكنا معا ان نعبر الى الامم المتحدة لاول مرة في تاريخ قضيتنا الفلسطينية التي جرى تدويلها بدعم محلي وعربي ودولي, ولولا البرنامج المرحلي لانتهت الثورة ومنظمة التحرير واختنقت بعنق الزجاجة عام 1974. ان عديدا من الانظمة العربية كانت تريد ابناء شعبنا والثورة مثل جنود الامام البدر في خدمته, وليس في خدمة برنامج وطني فلسطيني, برنامج تقرير المصير والدولة المستقلة وعودة اللاجئين. والآن اضيف بشأن عملية المفاوضات, نحن اتخذنا قرارات مشتركة في المجلس الوطني, قبل 12 يوما من مؤتمر مدريد, وكنا, باجماع كتلتنا البرلمانية, مع هذه القرارات, بل كنا من بناتها, مع فتح وشخصيات مستقلة وآخرين. وكنا جاهزين للمشاركة بالعملية التفاوضية في مدريد منذ البداية. لكن بكل صراحة, كان الاخ ياسر عرفات ومن معه, قد اتفقوا مع الادارة الامريكية, من خلال جولات جيمس بيكر المكوكية, على اطار سياسي آخر, لا علاقة له بما قررنا ابدا, وعلى اطار تمثيلي آخر, وهذا ما ادى الى الافتراق. وهنا احيلكم, ايضا, على التفاصيل التي اوردها كتابي (اوسلو والسلام الاخر المتوازن) وعلى كتاب جيمس بيكر (الدبلوماسية بين الحرب والسلام) , وكتاب اوري سافير (مسيرة اوسلو من الالف الى الياء) . واقول: لقد ذهب الاخ عرفات الى مدريد وفقا لما سماه بيكر شروط شامير في التفاوض على مرحلة حكم ذاتي للسكان دون سيادة على الارض لخمس سنوات, تبدأ مع بداية السنة الثالثة مفاوضات الحل النهائي. وهذه المرحلة لا تستند لاي من قرارات الشرعية الدولية, بينما ذهبت سوريا ولبنان والاردن في اطار مرحلة واحدة تفاوضية وعلى اساس وقرارات الشرعية الدولية. واثر ذلك دعونا الى تصحيح مسار المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية, وكنا جاهزين في اطار التفاهم على برنامج حد ادنى مشترك, يستند في عملية التفاوض ومرجعيتها لقرارات الشرعية الدولية, وليس لنتاج التفاوض بين طرفين, يصب ميزان القوى بينهما في صالح الدولة العبرية. واذكر هنا بخطاب رابين في الكنيست بتاريخ 31/8/1993, قبل ايام من الذهاب لتوقيع الاتفاق في واشنطن في 13/9/1993, فقد قال بلغة واضحة (ان المرجعية الوحيدة لاتفاقيات اوسلو هي اسرائيل, وزمام المبادرة بيدها) . وهذا صحيح منذ ذلك الوقت وحتى يومنا وعليه بنى رابين قوله: (المواعيد غير مقدسة) , وهذا ما يكرره الان باراك, وبنى رابين بيريز, نتانياهو, باراك استراتيجية وتكتيك التوسع الاستيطاني الذي لا يتوقف والذي تجاوز مصادرة 550 الف دونم من الضفة وجنوب قطاع غزة بين 93 ـ 99 فضلا عن تسريع وتائر تهويد القدس. خلال السنوات الماضية كان من الممكن ان يجري تصحيح كل هذا المسار. حالنا حال جيراننا في الاقطار العربية بعملية تفاوضية تقوم على قرارات الشرعية الدولية, بحيث توضع كل القضايا على الطاولة, لا ان يدار الظهر لها لخمس سنوات كاملة, كما وقع. ,واقصد قضايا القدس والسيادة الكاملة على الارض, والاستيطان, واللاجئين, والنازحين, والمياه والحدود. ولكن شرط ومفتاح هذا كله اعادة بناء الوحدة الوطنية في صف الشعب بالوطن والشتات واعادة بناء وحدة منظمة التحرير الائتلافية على القواسم المشتركة القائمة على قرارات الشرعية الدولية كما وقع بين 1974 ـ 1993. هذه القضايا كلها بقيت وراء الظهر, ولهذا انطلق غول الاستيطان. ففي زمن حكومة رابين ـ بيريز, تم الاستيلاء على 350 الف دونم في الضفة الفلسطينية, وكان هذا بعد توقيع اتفاقيات اوسلو. وأتت حكومة نتانياهو على 200 الف دونم اضافية, وكل هذا جاء تحت مظلة اوسلو, التي لم تشر لا غمزاً ولا لمزاً لضرورة وقف الاستيطان.