تهدد التصرفات السياسية الغريبة لمعلق التلفزيون بات بوكانان مرة اخرى بزعزعة السياسات الرئاسية الامريكية, ففي عام 1992 و1996 عرت الحملات الانتخابية الرئاسية اللاذعة لبوكانان الانقسامات العميقة داخل الحزب الجمهوري, اما هذا العام فهو لا يثير اخطاء التحالف الجمهوري للعلن فحسب , بل قد ينتهي به الامر وهو يتسبب بزرع الفوضى في صفوف حزب الاصلاح الناشىء ايضا. قبل ان يصبح بوكانان نجم برنامج (نيران متقاطعة) على شاشة سي إن إن, كان يعمل لصالح الجمهوريين لمدة طويلة, وبين عامي 1966 و1987, امضى بوكانان 12 عاما في البيت الابيض إلى جانب الرؤساء نيكسون وفورد وريجان. بوكانان شأن رئيسيه نيكسون وريجان, يؤمن بقوة الافكار, اي مقدرتها على تحريك الناس واكتساب القوة, وكمدير لاتصالات الرئيس ريجان, كان بوكانان الشخص المسؤول عن تشكيل الافكار التي ساهمت في تعزيز التحالف الجمهوري. كان فوز ريجان في الانتخابات الرئاسية عام 1980 بداية هيمنة جمهورية على البيت الابيض استمرت 12 عاما, لكن تحالف ريجان المنتصر حينها لم يكن تحالفا بسيطا, فقد كان من الضروري ضمان دعم صقور الحرب الباردة والمحافظين الرافضين لزيادة الضرائب. ايضا كانت العوامل الدينية والاخلاقية تلعب دورا كبيرا, اضافة إلى ان قطاعا كبيرا من طبقة العمال والطبقة الوسطى كانت توجه اللوم إلى كارتر والديمقراطيين عن كل المشاكل ابتداء بالانهيار الاقتصادي والتدهور الاخلاقي و(ضعف) امريكا الذي تبدى بأزمة الرهائن في ايران, وهذا الجفاء بين المجموعة الاخيرة والديمقراطيين كان العامل الاول وراء انتصاري ريجان, لكن بينما كان بمقدور ريجان ان يحافظ على وحدة هذه المجموعة, واجه بوش خليفة ريجان مصاعب كبيرة في تحقيق ذلك خصوصا في اليمين الديني و(ديمقراطيي ريجان) . وساهم تحدي بوكانان عام 1992 لحملة اعادة انتخاب بوش في تعرية ضعفه, بل وتمكن بوكانان في الجولة الانتخابية الاولى الشرسة, ولاية اثر ولاية, من تحقيق 30% من اصوات الناخبين, اما ناخبو بوكانان فكانوا اولئك الذين احسوا بالضرر من التراجع الاقتصادي, كانوا ناخبين غاضبين ـ نفس المجموعة التي انقلبت على كارتر ـ لكن بوكانان هو من نجح في تركيز وتوجيه غضبهم. رسالة بوكانان رسالة واضحة, وهي مزيج من المحافظة الاجتماعية والشعبية الاقتصادية وقليلا من الحمائية الوطنية المعادية للاجانب, ويلتزم بوكانان بخط اخلاقي متشدد لكن قليل الوضوح, فهو ممن يسمون (انصار الحياة) اي معاد للاجهاض, وهو ايضا من انصار العائلة, اي انه يقف ضد كل اشكال القبول بالشذوذ الجنسي, ورسالته (الاخلاقية) كان قد صاغها بوضوح في دعوته الجمهوريين في انتخابات عام 1992 لشن (حرب ثقافية لاستعادة امريكا) اما ما يميز بوكانان عن بقية المرشحين الجمهوريين فهو شعبيته الاقتصادية, بوكانان يؤمن بالحمائية والوطنية الاقتصادية, ويقف بشدة ضد اغلاق المصانع الامريكية وتصدير الوظائف الصناعية للخارج. وهذه السياسة الاقتصادية دفعت ببوكانان ليكون من منتقدي المبادىء المقدسة للرأسمالية والتجارة الحرة وليصبح من مناصري وجهة النظر القائلة بتدخل الحكومة عبر الضرائب والجمارك لحماية العمالة الامريكية. وبوكانان ايضا من معارضي المشاركة الامريكية في اتفاقيات النافت والجات ومنظمة التجارة العالمية, اما الوجه الآخر لتوجه بوكانان فهو سياسته الخارجية القائلة بفكرة (امريكا اولا) والتي تدعو لعدم التورط الامريكي في الخارج, والا تلتزم الولايات المتحدة بارسال اي قوات إلى الخارج الا عند تعرضها المباشر للخطر من قبل جيش اجنبي, ويتهم بوكانان الجمهوريين والديمقراطيين على السواء بانهم تحولوا إلى حزب واحد يساند تأسيس امبراطورية امريكية مفرطة في التوسع وما يحمله ذلك من مخاطر مستمرة بعدم مقدرتها على توفير الامن لمواطنيها في بيوتهم. اخيرا فان ما يتصف به هذا النهج السياسي المفرط في الوطنية هو ما اصبح يسمى (قبلية) بوكانان, والمشكلة في ذلك هي ان القبيلة التي يسعى بوكانان لحمايتها والحفاظ عليها حاليا هي مجموعة محدودة جدا. وهو يعارض ما يدعوه (الهجرة المكثفة) , لكن يبدو ان المهاجرين الذين يعنيهم هم المهاجرون غير الاوروبيين. كما يعارض ايضا الهيمنة والقوة التي تمكنت الاقليات والاجانب من تحقيقها في المؤسسات الاقتصادية والسياسية الامريكية. وعلى الرغم من ان بوكانان ومنهجه فشلا في حرمان بوش من ترشيحه عن الحزب الجمهوري عام 1992, الا انهما نجحا في تعرية التناقضات داخل القاعدة التي كان بوش بأمس الحاجة لدعمها لإعادة انتخابه. أما نهج بوكانان الاقتصادي الوطني فقد شكل الخطوط الرئيسية لحملة روس بيرو الذي خاض الانتخابات عام 1992 مستقلا. وكانت نسبة 19% من الاصوات التي حازها روس بيرو العامل الأهم وراء هزيمة بوش. وعندما شرع بوكانان بحملته الانتخابية عام 1996, بدأ أول الأمر وكأنه يحتفظ بقاعدته الشعبية. لكن دعم المؤسسة الجمهورية للسيناتور بوب دول أغضبت بوكانان الذي شعر بأنهم قد تآمروا لحرمانه من الترشيح عن الحزب. وحينما واجه بوكانان مرة اخرى هذا العام التحالف نفسه لحزبه الذي التف حول مرشح يحس بأنه قادر على استعادة البيت الابيض له وهو جورج دبليو بوش, رد مهددا بترك الحزب الجمهوري نهائيا و(سحب قواته) الى صفوف حزب الاصلاح, الذي اسسه روس بيرو بعد حملته عام 1992. وفي هذه المرحلة تحديدا اصبحت قصة بوكانان ممتعة حقا. بالانسحاب افرز ردات فعل منقسمة. من جانبهما جيم نيكلسون رئيس الحزب الجمهوري وجورج بوش مرشحه الأول حثا بوكانان على البقاء. فهما يخشيان من ان انسحاب بوكانان قد يحرم الجمهوريين من اصوات ثمينة في انتخابات 2000. فقد قال بوش معلقا (احتاج لكل صوت استطيع الحصول عليه) اما نيكلسون فوصف بوكانان بأنه (صديق وجمهوري قديم) . لكن المرشحين الجمهوريين الثلاثة الآخرين وهم السيناتور جون ماكين وإليزابيث دول وستيف فوربس فقد انتقدوا بشدة وجهات نظر بوكانان وحاولوا الابتعاد بأنفسهم وبحزبهم عنه. أما الجانب المهم الآخر في هذا الشأن فهو الدور الذي لعبته بعض المنظمات اليهودية وبعض المحافظين الجدد من انصار اسرائيل الذين قادوا التغير المضاد لبوكانان الذين لا يريدونه خارج الحزب الجمهوري فحسب بل وخارج الحياة السياسية بمجملها ايضا. وكما يقول احدهم فإن بوكانان (يجب ان تتطهر منه شرايين السياسة في هذه البلاد) . وهذا الحقد على بوكانان مرده الى انه حينما يتحدث عن عدم التورط الخارجي وعن جماعات الضغط الاجنبية, فهو يعير اهتماما خاصا لاسرائيل. عندما قابلت بوكانان لأول مرة كضيف متكرر على برامجه الاذاعية في السبعينات والثمانينات. وحينها كان معاديا بشدة للعرب ومناصرا قويا لاسرائيل. لكن قبليته هي ما أفرز هذا التغيير. فعندما زار ريجان ألمانيا منتصف الثمانينات, هاجمته جماعات اليهود الامريكيين. وبعد ذلك بفترة قصيرة حدثت مواجهة بين مجموعة كاثوليكية في اشوفتير ومجموعات يهودية ارادوا اخراجها, وكانت تلك القشة الاخيرة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لبوكانان, فاليهود هاجموا (قبيلته) ولذلك اصبح من منتقدي اسرائيل. بوكانان الآن في طور اتخاذ القرار فيما اذا كان سينضم لحزب الاصلاح ام لا؟ لكن حتى في حزب الاصلاح, ليست الامور مواتية تماما له. فعلى الرغم من ان الوطنية الاقتصادية لمؤسس الحزب روس بيرو تعتبر مثالية لبوكانان, الى ان يجد مكانا لمحافظته الاجتماعية وآرائه الوطنية. وهذا ما أدى لحدوث شقاق داخل حزب الاصلاح بين جناح بيرو الذي يقف الى جانب حملة بوكانان والجناح الذي يعارضه والذي يقوده حاليا الحاكم المنتخب حديثا لولاية مينيسوتا جيس فينتورا. ويحاول فينتورا الآن اغراء المليونير الشهير دونالد ترامب بدخول السباق الانتخابي ممثلا عن الحزب باعتباره يستطيع انفاق 100 مليون دولار من ماله الخاص ليهزم بوكانان. وحتى اللحظة لا توجد أية صورة واضحة عما ستؤول اليه هذه الحال في المستقبل. لكن الأمرين المؤكدين هما ان بوكانان قد ضمن اجبار الحزب الديمقراطي على اعادة صياغة نفسه, كما ضمن بأن حزب الاصلاح سيشهد منافسة حزبية داخلية حقيقية استعدادا لانتخابات 2000. كل ذلك يجعل من السباق الانتخابي عام 2000 سباقا يستحق المتابعة فعلا. * رئيس المعهد العربي الأمريكي