أوسلو لم تبدأ عام 1993 وإنما قبل ذلك بخمس سنوات. هذا ما ترويه الأدبيات الغربية في كتب صدرت لاحقا, ورغم ما ورد من تفاصيل كثيرة في هذه الكتب تظل هناك فجوات معلوماتية أساسية, فقصة (أوسلو)من أولها لآخرها جرت وقائعها في لقاءات سرية . عام 1988 سيدخل التاريخ العربي كنقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية والمسار السياسي العام للوطن العربي, فهو العام الذي عقدت فيه لأول مرة اجتماعات سرية شبه رسمية بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وشخصيات يهودية صهيونية, وعندما نطالع التطورات والنقلات التي مهدت لعقد هذه اللقاءات السرية تصادفنا ثلاثة اسماء لم تكن حتى ذلك الحين مألوفة لدى الجمهور العربي: وزير خارجية سويدي من أصل يهودي هو (استن اندرسون) ورجلا أعمال فلسطينيان بحجم عالمي هما (حسيب صباغ) و (باسل عقل) . اندرسون هو صاحب فكرة اللقاء الفلسطيني اليهودي على أساس السرية الكاملة, ونستذكر انه حتى ذلك الوقت لم تكن أي من اسرائيل والولايات المتحدة تعترف بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية فقد كانت من المنظورين الاسرائيلي والأمريكي مجرد تنظيم ارهابي, وفكرة الوزير السويدي آنئذ للالتفاف حول هذه الصعوبة هي ترتيب لقاء لقادة المنظمة مع مجموعة من اليهود الأمريكيين من ذوي النفوذ القيادي في المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة من أجل (كسر الجليد) . وبعد ان تلقى اندرسون ضوءًا أخضر من الادارة الأمريكية شرع على الفور في اقامة اتصالات منظمة مع مستشاري عرفات من ناحية والشخصيات اليهودية الأمريكية البارزة من ناحية أخرى. هنا يبرز سؤال محوري: ماذا قال الوزير السويدي في عام 1988 لعرفات ومستشاريه وماذا قال له عرفات؟ ولماذا صارت هذه اللقاءات نقطة الانطلاق التي أدت بعد خمس سنوات إلى اتفاق أوسلو؟ هذه الأسئلة مهمة للغاية لأن عام 1988 العام الذي شهد لأول مرة تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني في اجتماع تاريخي للمجلس الوطني الفلسطيني برئاسة عرفات بالتنازل عن هدف (الدولة الواحدة) أي تحرير (كامل للتراب الفلسطيني) بما في ذلك دولة اسرائيل نفسها ليحل محله هدف (الدولتين المتجاورتين) أي انحصار الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة المحتلتين مع الاعتراف بوجود اسرائيل, ومعنى ذلك ان مسلسل التنازلات عن الثوابت الفلسطينية بدأ حتى قبل اتفاق أوسلو. قرب نهاية ذلك العام نفسه وصل عرفات ومجموعة من مساعديه إلى العاصمة السويدية ستوكهولم للوفاء بموعد مسبق للالتقاء مع مجموعة من اليهود الأمريكيين النافذين الذين دعوه فور بداية الاجتماع السري إلى مراعاة (الاعتدال) . كانت المجموعة اليهودية النافذة تضم المحامية الكبيرة ريتا هاوزر العضو بالحزب الجمهوري ومليارديراً يدعى ستانلي شينبوم وأستاذاً جامعياً يدعى مناحيم روزنسافت وكان غرض الاجتماع ان تساعد هذه المجموعة الرئيس عرفات في فتح حوار مع واشنطن مقابل تنازلات مقدما, وتحديدا الاعتراف القاطع باسرائيل و نبذ الارهاب, أي الكفاح المسلح دون أي لبس. وبناء على الاتفاق الذي جرى في ذلك الاجتماع السري ألقى عرفات خطابا في الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلن فيه التعهدين المذكورين لكن بصياغة لفظية غير مباشرة مما دعا واشنطن إلى رفض الخطاب قائلة انه لا يفي بالمطلوب. هنا يدخل المسرح رجلا الأعمال الفلسطينيان حسيب صباغ وباسل عقل اللذان يتعلق نشاطهما المالي بشركات أمريكية عملاقة إحداها شركة (بكتل) التي كان ضمن أعضاء مجلس ادارتها جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكية آنذاك. هذان الرجلان هما اللذان أقنعا عرفات بالاستجابة للطلب الأمريكي بالاعلان في مؤتمر صحفي دولي بأن منظمة التحرير تنبذ الارهاب بكل أشكاله. وهكذا توالى مسلسل التنازلات التي انتهت إلى اتفاق أوسلو دون مقابل يذكر. ويبقى سؤال كبير غامض تحت عنوان (لماذا؟)