من المحزن ان تنتصر(ديزني)وأكاذيب اسرائيل في القدس, لكننا لو أمعنا النظر قليلا في ابعاد تلك الازمة التي خيمت على وسائل الاعلام العربية والدولية, لبدا الامر طبيعياً, لان(انتصار)ديزني يؤكد هيمنة الاحتكارات والمصالح الاقتصادية على المواقف السياسية. وعلى الرغم من تداعيات الموقف العربي المؤسف , يجب ان نواصل التأكيد على الحقيقة وهي ان (ديزني) ليست شركة ترفيهية واجتماعية وإنما انجرفت بقصد منها نحو السياسة لدعم مطامع اسرائىل في القدس. ويقال انها اعطت الضوء الاخضر لاسرائىل لاقامة جناح لها في معرض (القرية الالفية) الذي يستمر لمدة عام في فلوريدا لتقديم القدس على انها عاصمة اليهود الى اكثر من مائة مليون زائر يحتمل ان يتجولوا في المعرض طيلة عام كامل! فإسرائىل التي تجاهر علنا بسرقاتها للتاريخ والتراث الفلسطيني ومصادرتها للجغرافيا الفلسطينية لن تجرؤ على اقامة جناح يشوه حضارة القدس العربية الاسلامية مالم تكن (ديزني) قد شجعتها ومهدت لها الطريق, و(ديزني) هي واحدة من بين 130 مجموعة اعمال تجارية امريكية تدعم اسرائىل بمليارات الدولارات سنويا, وتوفر الاموال للجمعيات الخاضعة لنفوذ اللوبي اليهودي الصهيوني في الولايات المتحدة, والا فمن يدعم جماعة منظمة (ايباك) التي تقطر سما ضد العرب والمسلمين في امريكا؟ ومن الذي دفع بالملياردير اليهودي الامريكي موسكوفيتش للاقامة في القدس لتمويل عمليات النصب والاحتيال لشراء ما امكن من الاراضي والبيوت العربية في القدس وتحويلها إلى احياء استيطانية عنصرية لليهود بحيث يتم احكام الطوق حول المسجد الاقصى وقبة الصخرة؟ (ديزني) .. ليست بريئة باختصار شديد, فإن ديزني ليست بريئة من الاعتداء الثقافي والسياسي على عروبة القدس والنيل من هويتها الاسلامية الحضارية البراقة, واتضح ذلك من خلال تلاعبها في هذه القضية مع وفد اللجنة التي شكلتها الجامعة العربية حينما اكتفت بتغيير شعار الجناح الاسرائيلي من (القدس عاصمة اسرائيل) الى (القدس مدينة السلام) وتركت العارضين الاسرائىليين يعبثون بتاريخ القدس ويقدمونه للعالم على انه تاريخ يهودي وآثار يهودية يرجع عمرها الى اكثر من اربعة الاف عام, وهنا اذكر معلومة لمجرد العلم فقط وهي ان مفتي القدس وامام المسجد الاقصى الشيخ عكرمة صبري اقسم بالله العظيم خلال لقائي معه منذ عام انه لا يوجد اثر واحد في القدس يدلل على ان اليهود عاشوا في المدينة لا قبل الاسلام ولا بعده, وقال ان كل اعمال الحفريات التي قام بها خبراء الاثار الصهاينة منذ عام 1968 وحتى الآن كانت نتائجها صفرا, كما اقسم بالله لو ان اليهود عثروا على حجر يدل على وجودهم في القدس لاعلنوا على الفور ضم المدينة وتحويلها عاصمة لهم بدلا من تل ابيب! هذه شهادة للتاريخ يقدمها الشيخ عكرمة صبري امام كل الذين استهجنوا الدعوات المخلصة لمقاطعة (ديزني) اذا اصرت على اقامة الجناح الاسرائيلي بمضمون يحتوي على أكاذيب وخزعبلات وسرقات. ان ما يحزن حقا ان (ديزني) وجدت من يدافع عنها في بعض المنابر العربية, ومن يرفض مقاطعتها عقابا لها على الاعتداء على تاريخ اقدس مدننا العربية. ونجدها من باب المفارقات ايضا ان تنتقد صحيفة بريطانية مثل (الجارديان) شركة (ديزني) وتقول ان (ديزني) ورطت نفسها في شباك اكثر القضايا ذات الحساسية السياسية العالمية في الشرق الاوسط وذلك عندما سمحت لاسرائيل باقامة جناح يعرض تراث القدس العربي والاسلامي والمسيحي على انه تراث يهودي في حين ان احدى الصحف العربية التي تصدر في لندن قللت من اهمية المقاطعة العربية ضد (ديزني) حتى لو أصرت هذه الشركة على موقفها, والسبب من وجهة نظر الصحيفة ان حجم أعمال (ديزني) في العالم العربي لايزيد على 100 مليون دولار في حين ان اعمالها في العالم تصل الى 23 مليار دولار! سلاح المقاطعة لا تقاس الامور بهذه الطريقة حينما يتعلق بالامر بالقضايا المصيرية مثل القدس, فهذه المدينة امانة في اعناق العرب والمسلمين ولا يجوز التهاون ازاء اية محاولة للاعتداء عليها من قريب او من بعيد, ولذلك كان واجبا على الدول العربية حتى تلك التي وقعت اتفاقيات سلام وتطبيع مع اسرائىل ان تقاطع شركة (ديزني) حتى لو ان مبيعاتها لا تزيد على المليون دولار في المنطقة, فالعبرة هنا ليست بمقدار البيع والشراء او حسابات الربح والخسارة وانما بمعاقبة الشركة والتشهير بها امام عشرات الملايين من المستهلكين لمنتجاتها حول العالم او لدى ملايين من زوارها سنويا, وسلاح المقاطعة في هذه الحالة يجب اشهاره دون التفكير في لغة الارقام, لان اثاره المعنوية ستتعدى كل حسابات التجارة, وعلى سبيل المثال لم تتراجع شركة بيرجركنج الامريكية عن افتتاح فرع لها في مستوطنة (معالي ادوميم) الاسرائيلية الا بسبب خوفها من التأديب والمقاطعة المعنوية اولا ومن احتمالات تعرض مصالحها التجارية في العالمين العربي والاسلامي للخطر والخسارة المادية ثانيا وكذلك من احتمال خوفها من الاتهام بأنها تدعم المستوطنات غير الشرعية في الاراضي الخاضعة للاحتلال الاسرائيلي باعتبارها مخالفة للقانون الدولي. ليس عيبا ان تتمسك الدول العربية بسلاح المقاطعة الى ان تجيء اللحظة التي يستعيد فيها العرب جميع حقوقهم التاريخية والدينية في فلسطين ويستردوا ارضهم في الجولان وجنوب لبنان وغور الاردن. ولننظر في هذا السياق الى تجربة اليهود, فهاهم يقاطعون المصارف التي تعاملت مع النازي ابان الحرب العالمية الثانية اي منذ نصف قرن, ومازالوا يحرمون الدول التي تعاطفت مع النازي من مبدأ الدول الاشمل بالرعاية, هذا على مستوى الدول والمصارف والمصالح الاقتصادية وعلى مستوى الافراد. لماذا الصمت وسط هذه الاجواء الملبدة بغيوم الشك حول نوايا العرب والمسلمين بشأن الدفاع عن القدس يثار تساؤل وحيد هو: ماذا سيكون مصير القدس حينما تصر اسرائيل على جعلها عاصمتها الابدية, اذا كانت الدول العربية والاسلامية غير مستعدة لتوحيد مواقفها او غير قادرة على بناء موقف موحد يحمي عروبة القدس؟! انه امر محزن حقا ان ترفض الدول العربية والاسلامية مقاطعة ديزني في الوقت الذي اعلنت فيه (ديزني) واسرائيل عن انتصارهما في المعركة على حساب تراجع المواقف العربية, وعدم قدرة العرب والمسلمين, استثمار هذه الخطيئة بل الخطأ الفادح الذي انزلقت فيه (ديزني) حتى السلطة الفلسطينية لم تحدد موقفا صريحا, و بدت وكأنها غير معنية بالقدس وما يجري لها, او ربما لانها مازالت تعيش في احلام (واي ريفر ـ 2) وما يعقبها من اتفاقيات؟! حتى قيادات ومسؤولي الاعلام العربي الذين سافروا الى القاهرة لتحديد موقف عربي ازاء مقاطعة (ديزني) اكتشفوا ان المطلوب منهم هو تقديم الاقتراحات الاعلامية للدفاع عن عروبة القدس ورفع عدد من التوصيات إلى الوزراء! تبقى كلمة اخيرة وردت في حوار لكاتب هذه السطور مع برهان الدجاني الامين لاتحاد الغرف التجارية العربية (المقاطعة هي ورقة التوت الاخيرة التي نستر بها عوراتنا امام الهيمنة الاسرائيلية, لذلك يجب الا نسقط هذه الورقة حتى لاننكشف إلى ما لا نهاية) . ولذلك نكرر القول ان المقاطعة ليست عيبا او نقيصة لانها كبدت اسرائيل في الخمسين عاما الماضية نحو 58 مليار دولار امريكي كما كبلت الشركات العالمية التي تتعامل مع اسرائيل لدرجة ان بعضها لم يقم علاقات مع اسرائيل الا بعد اتفاقيات كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة. اعلامي فلسطيني