ثلاثة أجور للفنان نبيل الحلفاوي، بقلم صلاح عيسى

في احد المؤتمرات التي اقامها ـ منذ شهور، الرافضون لتطبيع العلاقات الشعبية مع اسرائيل, ردا على المؤتمر الذي نظمه المطبعون في (فندق ماريوت) ووسط موجات الحماس التي كانت تتدفق من افواه المتحدثين لفتت نظري كلمة قصيرة وهادئة, المح صاحبها في بدايتها الى ان الذين يصورون الرافضين للتطبيع ، او يتصورونهم ، كدعاة حرب , يخطئون الفهم, اذ هم على العكس من ذلك, دعاة سلام, لانهم يطالبون بحقوق مغتصبة, اذا لم تعد لاصحابها, فان الذين يتحدثون عن السلام يضحكون على انفسهم وعلى الناس. ثم عطف على الازمة العنيفة التي كانت ناشبة ايامها, بسبب المؤتمر الذي نظمته, مجموعة كوبنهاجن, فاشار الى ان الانشطة التطبيعية التي يقوم بها هؤلاء, او يقوم بها مثقفون او فنانون افراد, هو نشاط يمكن عزل من يقومون به بسهولة بحكم تيقظ النخبة المثقفة ومتابعتها لانشطتهم اما الخطر الذي ينبغي لرافضي التطبيع ان ينشطوا بقوة لمتابعته وصده, فهو اشكال من التطبيع لايلتفتون اليها ولايهتمون بها, ومنها التطبيع بين رجال الاعمال المصريين والعرب وبين نظرائهم الاسرائيليين, وهو سفر عمال عرب لكي يعملوا في اسرائيل ويشتركوا في بناء المستوطنات (!!) ثم ختم كلمته بمطالبة حركة مقاومة التطبيع, بان توسع المجالات التي تنشط فيها, حتى لايبدو وكأن المثقفين مشغولون ببعضهم البعض, اكثر من انشغالهم بخطر التطبيع. واسعدني ماسمعته لانه كان يمثل اضافة كيفية ومتميزة لكمية كبيرة من الكلام الانشائي المتشابه الذي لايتضمن جديدا, وادهشني ان الذي قاله, ليس سياسيا محترفا, بل هو ممثل مسرحي وتلفزيوني وسينمائي مرموق, هو الفنان نبيل الحلفاوي. وكنت ـ ومازلت ـ اتابع باهتمام اداء (نبيل الحلفاوي) المتميز لكل مايقوم به من ادوار, واعجب بتلك اللمسة الخاصة جدا التي يضفيها على الشخصيات التي يقوم بتمثيلها, فيسرق الكاميرا مهما كان الدور قصيرا, او كان النص ضعيفا .. وكان آخر ماشهدته له دور البطولة الذي يعلبه في العرض المصري لمسرحية (طقوس الاشارات والتحولات) وهي واحدة من آخر واجمل ماكتبه (سعد الله ونوس) فقد اداه على نحو يرشحه لكي يكون احد النجوم القادرين على ان يعيدوا للمسرح ـ بمعناه الحقيقي ـ تألقه وازدهاره, لو توفرت النصوص وخلصت النيات!. لكني لم اكف اعرف انه مهتم بالشؤون العامة, او ان اهتمامه بها يصل الى حق الاجتهاد في شؤونها, وطرح اشكاليات حقيقية, كان يفترض ان تشغل بال الساسة المحترفين, والمناضلين المتفرغين, والمفكرين الثرثارين, لا الفنانين المشغولين باعباء عملهم الصعب والمرهق. صحيح ان الجيل المعاصر من الفنانين, يضم كثيرين من المثقفين و المهتمين بالشؤون العامة, لكن من الصحيح كذلك, انه يضم آخرين من الفنانين الذين يجدون في التفاهه ـ واحيانا في التظاهر بها ـ بضاعة رائجة تقربهم من جمهورهم وتحقق لهم النجومية, خاصة وان الله قد ابتلانا باعلام ـ مكتوب ومرئي, ارضي وفضائي ـ تخصص في نشر البلاهة, وفي تدريس علوم فتح الفنجان وتفسير الاحلام والنميمة لعموم المواطنين العرب .. لذلك يحرص على ان يقدم الفنان في صورة الكائن التافه, الذي لايتقن الا الثرثرة في كل ماهو سخيف ومكرر ولاقيمة له من الزواج والطلاق الى الحبل والولادة, ومن افضل اكلة واشيك بدلة الى اول حب واغلى باروكة .. فهو يستغل الحضور الطاغي والتأثير القوي للفنانين في تسطيح وعي الناس والهبوط بمستوى تفكيرهم, ويفرض على من ليس تافها منهم ان يتتافه, بدلا من ان يستغل مالهم تأثير على الناس في نشر القيم الفاضلة, من قيمة الثقافة والمعرفة, الى قيمة الانتماء, ومن الاهتمام بما هو شخصي وخاص, الى الانشغال بما هو وطني وعام. ما ادهشني اكثر, ان جوانب من قضية التطبيع, ماتزال تشغل (نبيل الحلفاوي) على الرغم من انفضاض المولد, وانه يتابع مايكتب حولها, ويحاول ان يجتهد في شأنها, وكان ذلك ماحملته اليّ رسالة وصلتني منه في الاسبوع الماضي, يقول فيها: (لفت نظري تكراركم الدعوة لوضع تعريف محدد لكلمة التطبيع, وعدم استجابة مثقفينا لهذه الدعوة .. ولفت نظري اكثر عدم اجتهادكم شخصيا في محاولة وضع هذا التعريف, لدرجة انه قد راودني الظن بأن محاولة من شخصي المتواضع في هذا الشأن قد تعد تطاولا غير محمود, طالما انتم ـ اصحاب الدعوة ـ لم تفعلوا. (ولكن مادعاني الى المحاولة, هو ايماني بأهمية مادعوتم اليه, خاصة بعد ان اختلطت الامور, وزادت المغالطات وساد نوع من الارتباك, هو بالقطع في صالح المطبعين, وايضا لايماني الشديد بأن اكثر ما نفتقده في شتى امور حياتنا, هو التمسك بالمنهج العلمي فلا تنقصنا المواهب والكفاءات وانما فقط حسن التنظيم والادارة, وايضا للرد على مغالطة اساسية تتهم مناوئي التطبيع بالسلبية والجهل بالعدو) . ولا اجرؤ على الادعاء بان ما سأطرحه هو التعريف العلمي الدقيق والشامل والمانع, وانما هو مبادرة لتدعيم دعوتكم واستفزاز مثقفينا والمتخصصين لافادتنا حتى لا يستفيد معسكر التطبيع من استغلال مناخ البلبلة واختلاط المفاهيم. وقد حاولت في تعريفي ان احقق اكبر قدر من الوضوح والبساطة في اقل عدد من الكلمات رغبة في الوصول الى اعرض قاعدة ممكنة وتجنبا لمزيد من التشوش.) التطبيع في رأيي هو: التعامل بشكل مقصود مع الطرف الآخر (مؤسساته وافراده) سواء بالقول او بالفعل. ومربط الفرس في هذا التعريف, هو تعبير (التعامل) واليكم بعض الامثلة: انا اشاهد التلفزيون الاسرائيلي واتابع برامجهم ولكني لا اقبل ان اتعامل معه او اقبل استضافته لي. واشاهد افلاما اسرائيلية على القنوات الفضائية الاجنبية, لكن لا ادعوه الى المشاركة في مهرجان القاهرة السينمائي, لان هذا هو التعامل او التطبيع .مقاومة التطبيع لا تمنعك من قراءة ودراسة كل ماتقع عليه يدك حول المجتمع الاسرائيلي, لكنها تمنعك من زيارتهم او استقبالهم بحجة الدراسة.. اكتب عنهم كما تشاء, ولكن لاتكتب لهم او من خلالهم, فهذا هو التعامل المرفوض, ادرسهم اقتصاديا ولكن لاتتعامل معهم تجاريا الرد على دعاواهم ليس تطبيعا, ولكن الحوار المباشر هو نوع من التعامل يدخل في اطار التطبيع ندعه للرسميين فنحن لنا دور آخر ام اننا نحن العرب ـ المحرم علينا ان نتقاسم الادوار؟. وغني عن الذكر انه يستثنى من هذا التعريف الاعمال العدائية المشروعه, فالمقاومة اللبنانية مثلا تتعامل بالفعل مع المحتل الاسرائيلي, ولكن هذا التعامل لايعد تطبيعا, او حتى اذا صادفت اسرائيليا وقام باستفزازك وتشاتمتما او تعاركتما, فقد تعاملت معه ولكنك لم تطبع. كان هذا هو اجتهادي وقد ضمنت عليه اجرا على الاقل وان كان موفقا فقد يتضاعف الاجر اتقاضاه من ربي ومن ضميري لصالح بلدي واولادي, وشكرا على دعوتكم وعلى منهجكم العلمي المخلص) . ومن الواضح ان نبيل الحلفاوي كان مشغولا ـ اثناء وضعه لتعريفه ـ بسد الثغرة التي حاولت مجموعة كوبنهاجن ان تفتحها في جدار رفض التطبيع حين زعمت ان ماتقوم به ليس تطبيعا, بل هو حوار, وهذا هو جوهر الخلاف معهم, ومناط خطورة مايفعلونه, والنقطة التي لايركز الرافضون للتطبيع على تفنيدها مع ان ذلك كفيل بنسف دعاواهم من اساسها, خاصة وان من بينهم من يزعم انه ضد التطبيع, ويقر بخطورة القيام بأية خطوات تطبيعية قبل التوصل الى سلام عادل وكامل وشامل , لان ذلك يضعف موقف المفاوض العربي. والحلفاوي على حق, حين يحذر من التشويش المقصود الذي تحدثه الجبهة الاخرى من دون ان تتنبه اليه جبهة مقاومة التطبيع, وكنموذج لذلك قال الدكتور سعد الدين ابراهيم, في مناظرة تلفزيونية اجراها برنامج (بدون رقابة) وهو برنامج (مراقب) تقدمه القناة الثانية بالتلفزيون المصري في تعريفه للتطبيع انه التصرف الطبيعي في زمنه, فالمقاطعة وحتى الحرب, هي تطبيع طالما انها التصرف الطبيعي في زمنها وقال السفير صلاح بسيوني الذي كان يشكل معه احد اطراف المناظرة ان مصر قد وقعت 26 اتفاقية للتطبيع نفذت 25 منها بينما لم تنفذ واحدة فقط, هي اتفاقية التطبيع الثقافي, وان علينا ان نلتزم بتنفيذ مانفذته الحكومة, وبعدم تنفيذ مالم تنفذه! وكان من رأي الطرف الاخر في المناظرة وكنت اشترك فيه مع الاستاذ محمد سيد احمد, ان تعريف (سعيد الدين ابراهيم) تعريف قاموسي لمصطلح سياسي, وان النصف المتعلق بالتطبيع في اتفاقيات السلام التي وقعتها مصر والاردن مع اسرائيل, قصد به الغاء قوانين المقاطعة التي اصدرتها الدول العربية بعد حرب 1948 وبالتالي فان رفض التطبيع يعني استمرار المقاطعة, وان الحديث عن رفض التطبيع لا صلة له بالتطبيع الرسمي, لان الحكومات نفسها لم تلزم الشعوب بما التزمت به في هذا الشأن! وتفسيرا لما لاحظه نبيل الحلفاوي, فإن دعوتي لضبط مصطلح التطبيع هي جانب من دعوة لاعادة بناء حركة مقاومة التطبيع, لتتحول من صولة تلقائية موسمية الى حركة منظمة ودائمة تعتمد على جسد قائم بالفعل هو النقابات المهنية والعمالية والهيئات الاهلية والاحزاب السياسية التي اتخذت مواقف ضد التطبيع ولا ينقصها سوى قيادة تتكون من مندوبين مفوضين, تضبط مصطلحها وتنظم حركتها, وتحل ما يواجهها من اشكاليات لايحلها التعريف الذي قدمه مع موافقتي بشكل عام عليه, ومن هذه الاشكاليات: هل نعتبر التعامل على الارض الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية تطبيعا ام لا؟ وهل المشاركة مع وفود اسرائيلية في انشطة دولية في اطار الامم المتحدة ومنظماتها تطبيع ام لا, واذا لم يكن فهل يمتد ذلك الى الانشطة التي تشترك فيها اطراف دولية خارج نطاق الامم المتحدة, بل ان التعريف الذي قدمه نبيل الحلفاوي يثير مشكلة اخرى, اذ هو اوسع مدى واكثر انضباطا من التعريف الذي يأخذ به اتحاد النقابات الفنية, وهو عضو به, وهو يقصد الحظر على (التطبيع الفني) فقط. اما المؤكد فهو ان نبيل الحلفاوي يستحق ثلاثة اجور: لانه بادر بما لم يبادر به غيره ممن يفترض ان قضية التطبيع هي همهم الوحيد, ولانه اجتهد, ولانه اصاب في اجتهاده.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات