بمحض الصدفة, تزامنت ندوة الاعلام العربي وحقوق الانسان المنعقدة في القاهرة الاسبوع الماضي, مع قرار ادارة الاعلام التربوي بوزارة التربية والتعليم وكذلك تصريحات بعض صغار وكبار المسؤولين في بعض مؤسساتنا بشأن مواقفهم المتوترة تجاه الصحافة والصحفيين, على خلفية الازمة الطاحنة التي تشهدها وزارة الصحة هذه الايام, وكذلك ما اثير حول مسألة الملابس الرياضية الموحدة بمنطقة دبي التعليمية . فقد فاجأتنا ادارة الاعلام التربوي بما اسمته بعض الصحف (ضوابط التعامل الاعلامي) المتعلقة بتصريحات المسؤولين للصحف, وذلك حتى تتمكن الوزارة من تحديد مسؤولية التجاوزات! وتتمثل هذه الضوابط في اعطاء التصريحات مكتوبة وموقعة ومعتمدة من قبل المسؤول, او تسجيل المقابلة الصحفية صوتيا والاحتفاظ بنسخة من شريط التسجيل, وذلك لضمان اثبات الحق في حالة المساءلة, وحق الوزارة القانوني في حالة التجاوز؟ واضح جدا ان ادارة الاعلام التربوي حولت الاعلام المكتوب او الصحافة بمعنى ادق الى خصم مباشر, واذن فعلى كل مسؤول من الآن وصاعدا ان يجهز آلة تسجيل عالية التقنية في مكتبه, وان يرصد ميزانية محترمة لاشرطة التسجيل (الكاسيت) عالي الجودة تحت بند مصروفات لـ (دواع امنية اعلامية) كما ان عليه ان يعين سكرتيراً محترفاً ( والافضل ـ سكرتيرة طبعا) ما عليه سوى تدوين كل حرف ينطق به المسؤول, وتحريره وطباعته وعرضه على سعادة المسؤول لتوقيعه واعتماده, ومن ثم ارساله للصحيفة لنشره وقد استوفى كافة شروط الضوابط الاعلامية التربوية. يأتي هذا القرار في الوقت الذي تحاول فيه الصحافة هذه الايام ان تؤسس لمناخ مغاير لما كان سائدا, وفي الوقت الذي انتهت فيه ندوة القاهرة للاعلام العربي الى توصيات هامة بنشر ثقافة حقوق الانسان, ورفع القيود عن حرية اصدار الصحف والغاء الرقابة على وسائل الاعلام وضمان ممارسة الاعلاميين لمهمتهم. ان لجوء الصحفي لتوثيق مقابلاته وحواراته صوتيا عرف سائد في الصحافة, اما ان يلجأ كبار المسؤولين لتوثيق مقابلاتهم كتابيا أو صوتيا وبقرار اداري من جهة عليا, فذلك دليل على أزمة ثقة واضحة ودليل ايضا على ان السماء ملبدة بغيوم كثيرة, ابرزها استغلال بعض العاملين في الصحافة للأداة التي بين ايديهم لتحقيق أهداف ذاتية ولتصفية حسابات شخصية ما يعني بأن صحافتنا الوطنية تتقدم خطوة للأمام ويعمل البعض على اعادتها للوراء خطوات بحسن نية احيانا وبسوء نية في احيان أكثر! قرار ادارة الاعلام التربوي يرمي حجرا في وجه الاعلام المكتوب, ويلوح بالعصا في وجه الصحفيين والمسؤولين معا قائلا بصوت عال: (احذروا الصحفيين وخذوا احتياطاتكم ولا تقولوا كل شيء لأن كل شيء سيكون موثقا بالأدلة والاثباتات) ! أليست أزمة ثقة حقيقية؟ انه في الوقت الذي الغت فيه الكثير من الدول المتقدمة ما يسمى في عالمنا العربي وزارة الاعلام, وفي الوقت الذي اصبح فيه الفضاء مستباحا بفضل ثورة تقنيات الكمبيوتر وشبكات الانترنت والانفجار المعرفي, تصر ادارة الاعلام التربوي على ممارسة دور تقليدي موغل في البدائية والبعد عن روح العصر متناسين ان المعلومات تنتشر مع جزيئات الهواء وملفات وزارة الدفاع والاستخبارات الامريكية هدف سهل لقراصنة الانترنت, وان مصادرة المعلومة لم يعد واردا ابدا ولا حتى تقنين تداولها, فهذا التقنين لم يعد متماشيا مع روح العصر كما لم يعد منطقيا ابدا. ولنتذكر معا ما قاله احد ابرز رؤساء الولايات المتحدة منذ زمن طويل (ابراهام لنكولن), دع الناس تعرف الحقائق وسترى كيف سيعيش المجتمع بأمان. * كلمة أخيرة: لسنا ضد النظام ولكننا ضد استخدام الاعلام بشكل سيىء وضد التعامل معه بسوء نية.