هذا الأسبوع صادف الذكرى التاسعة والعشرين لرحيل الزعيم العربي الذي لم يتكرر... جمال عبدالناصر. فقد انتقل الى رحاب ربه في28سبتمبر1970. وبينما يقول خصومه ان (مات) سياسيا قبل ذلك بثلاث سنوات بسبب الهزيمة العظمى في حرب يونيو67فإني أرى أن الدقة تتطلب أن نقول إنه ظل إلى ان فاضت روحه في حال مقاومة لا تفتر لصدمة الهزيمة وتداعياتها . غير ان معاناة عبدالناصر النفسية لم تكن بسبب وطأة الهزيمة في حد ذاتها بقدر ما كانت اكتشاف الأخطاء التي أدت الى الهزيمة. وفي مقدمة هذه الأخطاء, وأشدها جسامة, حرصه على إبقاء المشير عبدالحكيم عامر على رأس القوات المسلحة كقائد عام. لقد كان عامر ألصق صديق للرئيس عبدالناصر... وهي صداقة تعود جذورها الى أيام الشباب قبل زمن طويل من تشكيل تنظيم (الضباط الأحرار) عند أواخر الأربعينات ـ التنظيم الذي تولى تدبير وتنفيذ العملية الانقلابية التي فجرت ثورة 23 يوليو عند أوائل الخمسينات. وبعد ان تحولت هذه الصداقة إلى زمالة سلطوية كان عبدالحكيم عامر أحد اثنين أو ثلاثة من أعضاء (مجلس قيادة الثورة) الذين لم يبعدهم عبدالناصر عن السلطة. والسؤال الكبير الذي يطرح عادة في هذا السياق هو: لماذا احتفظ ناصر بعبدالحكيم عامر رغم علمه بنقائصه على مستوى السلطة؟ لقد كان عامر رجلا ضعيفا وعلى مدى بقائه على أعلى مستويات السلطة لم يكن يتمتع بمؤهلات قيادية بما يتطلب منصبه الخطير كقائد عام للقوات المسلحة في دولة كانت تعتبر قوة إقليمية تعيش حالة حرب مع عدو في الجوار الجغرافي في مضاء وقوة إسرائيل. وعلى هذا القياس كان المفروض ان تكون الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها عامر متوقعة سلفا من رئيس نافذ البصيرة كجمال عبدالناصر. ومن أبرز أخطاء عامر سوء معالجته الاستراتيجية لكيفية تحرك الجيش في منطقة قناة السويس عام 1956 عند وقوع الهجوم البريطاني الفرنسي الاسرائيلي عقب قرار عبدالناصر بتأميم القناة. وبعد ذلك فشل عامر في ادارة صنع القرار على مستوى الوحدة التي تحققت بين مصر وسوريا مما أسهم في إفشال مشروع الوحدة رسميا عام 1961. وقبل ذلك وبعده ظل شخص عامر كقائد عام للقوات المسلحة مركز استقطاب للضباط المنحرفين. واحد فقط من هذه الأخطاء الجسيمة كان يكفي لأن يقرر عبدالناصر إبعاد صديقه عن السلطة في وقت مبكر قبل ان تؤدي تراكمات الأخطاء إلى ما أدت إليه في عام 1967 من هزيمة عسكرية عظمى في وجه اسرائيل. فلماذا صبر الرئيس عبدالناصر على عبث صديقه؟ هناك تفسير واحد فقط في تقديري, وهو اطمئنان عبدالناصر إلى ان عامر كنائب للرئيس وقائم على أمر الجيش لن يعمد إطلاقا إلى قلب نظام الحكم. شيئان كانا يمنعان عامر من الغدر بصديقه بالانقلاب عليه والاستيلاء على السلطة: زهده في السلطة والتسلط, وطبيعة شخصيته المنطوية على خصلة الوفاء. أجل... ان عبدالناصر كان زعيما شعبيا نادر الطراز انعقد له حب الجماهير العريضة في مصر وخارجها. غير ان الحس الأمني كان متمكنا في نفسه من حيث أنه في المبتدى والمنتهى كان ضابط جيش استولى على السلطة بتدبير انقلابي... وهاجس الانقلابي الناجح هو على الدوام احتمال الانقلاب المضاد. وإذا كان عبدالناصر قد وثق في عامر فيما يتصل بتأمين السلطة الثورية انطلاقا من الهاجس الأمني, فإنه فيما يبدو لم يتوقف عند الحسابات السلبية لهذه المعادلة إلا بعد فوات الأوان عندما وقعت الهزيمة الكبرى في عام 67, غير ان القدر لم يمهله لاستكمال عملية التصحيح.