جنوب أفريقيا محط للتجاذب.. بين اسرائيل والعرب،بقلم عبدالكريم محمد

لاشك ان انتهاء فصل جديد من فصول التمييز العنصري في جنوب افريقيا شكل نقلة نوعية ليس فقط على المستوى الاقليمي او القاري, بل في العلاقات الدولية. وقد اسدل الستار من خلال هذه الخطوة على حقبة طويلة من الاستعباد والقهر والصراع الدامي الذي مايزال شعب جنوب افريقيا يئن من شدة وطأته, على الرغم من مرور ما ينوف على سبع سنوات من الحكم الوطني . وقد ورث شعب جنوب افريقيا الاصلي تركة ثقيلة من ايام نظام الفصل العنصري (الابار تيد) , والتي ارست قسرا علاقات تاريخية, انتجت بشكل او بآخر شراكة مع شرائح اجتماعية واسعة بين اسرائيل وهذا النظام الصنو (الشبيه), وبالتحديد في صفوف الفئة البيضاء (الاستيطانية) التي استحوذت على الحكم منذ مئات السنين. وان الانفكاك من علاقة الشراكة التي كانت قائمة وما تزال بين هذين النظامين لا تخضع لشروط ورؤية وفهم صانع القرار السياسي الحالي في جنوب افريقيا. خاصة اذا ما تأكدنا عن قرب بأن عملية التحول الاجتماعية لم تؤثر حتى الان بجدية على جذور الفصل العنصري الذي يطال كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ناهيك عن ان اسرائيل كانت ومازالت تستثمر وجود ما يقارب مائة الف يهودي يعيشون في دولة جنوب افريقيا, في مجال فتح قنوات اتصال دائمة على مستويات مختلفة, مع النخب الحاكمة ليس فقط في ذلك البلد بل مع النخب الافريقية الحاكمة في الدول الافريقية التي توجد فيها بعض الاقليات اليهودية. ومما يؤسف حقا ان اسرائيل في ظل علاقاتها التاريخية مع هذا البلد قد حصلت على الشرعية السياسية ونالت الاعتراف الرسمي بها من قبل غالبية الدول الافريقية في لحظة غياب الدور العربي وتأثيره على المستوى الافريقي, وتسويق الرؤية والتصور الاسرائيلي للصراع العربي الصهيوني, مستفيدة في هذا السياق من كون بعض الدول الافريقية الحديثة الاستقلال كانت تنظر اليها على انها دولة غير استعمارية وانها حقيقة واقعية مشروعة تقف على قدم المساواة مع الدول الاخرى الاعضاء في منظمة الأمم المتحدة. وعلى ما يبدو ان اسرائيل استغلت غياب الدور المصري الاقليمي بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر, في توسيع دائرة علاقاتها وأخذت من جنوب افريقيا قاعدة انطلاق الى المحيط الافريقي. وقد تمثلت ادوات تنفيذ هذه السياسة في جملة من العلاقات الاقتصادية والاستثمارية الاسرائيلية السرية والعلنية مع هذا المحيط, وفي النشاط الكبير لمؤسسات ومنظمات اسرائيلية عديدة رسمية وغير رسمية. وقد ساعدها في ذلك يهود الولايات المتحدة وبعض الدوائر الامريكية ـ البريطانية المتصهينة, والتي وجدت في المستوطنين البيض في جنوب افريقيا واليهود المتواجدين في العديد من البلدان الافريقية الركائز الاساسية لتمرير سياستها الافريقية, خاصة بعدما اخذت الولايات المتحدة توجها سياسيا بعد انتهاء الحرب الباردة, هدف الى كنس الوجود الاوروبي في هذه القارة البكر وفي مقدمة هذه الدول فرنسا التي تحظى بتاريخ استعماري مديد لهذه المنطقة بالذات, بل وبعلاقات واواصر قوية مع عدد كبير من أنظمة الحكم المحلية. وقد لا يكون سرا ان الكثير من المؤسسات الاسرائيلية قد أقامت منذ وقت مبكر علاقات عضوية مع الكثير من المؤسسات الجنوب افريقية ولاتزال في تطور وتنام مطرد, رغم التغيرات التي حصلت. وعلى سبيل المثال لا الحصر ان من بين هذه المؤسسات التي ماتزال تقيم علاقات وطيدة مع جنوب افريقيا, مركز الدراسات العمالية والتعاونية, ودائرة التعاون الدولي, وهي هيئة تشرف على كل الاتصالات الجارية بين مختلف المؤسسات الاسرائيلية والدول الافريقية, ورابطة الخريجين ومهمتها متابعة الكوادر الافريقية الاكاديمية وخاصة تلك التي اتمت تحصيلها العلمي الاكاديمي في اسرائيل, وأيضاً بالاضافة الى معهد وايزمن للعلوم ومنظمة هداسا ومعهد الدراسات الافريقية, واجهزة الهستدروت وغير ذلك من المؤسسات. وتحتفظ بمكاتب تمثيلية في داخل العاصمة بريتوريا وبعض المدن الاخرى. وقد نخطىء كثيرا اذا ما اعتبرنا ان تراجع العلاقة النووية بين اسرائيل وجنوب افريقيا, قد عكست نفسها على مجمل العلاقات العضوية الاخرى التي كانت تربطهما قبل انهيار نظام الفصل العنصري. فبعد انتهاء نظام الابارتيد في جنوب افريقيا تغيرت استراتيجية الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل وبعض الدوائر المتنفذة في جنوب افريقيا من البيض, بانه لا حاجة بعد الان لتطوير مثل هذه الاسلحة خاصة وان افريقيا (القارة) تفتقد الى مثل هذا السلاح الذي لايزال يعتبر اول قوة ردع على المستوى العالمي, وان حجم الترسانة الجنوب افريقية تكفي راهنا على المستوى القاري.. ولابد من استبدالها بمجموعة من العلاقات الفنية والاقتصادية والتجارية وتوسيعها لتشمل معظم القارة برأس مال مشترك اسرائيلي ـ جنوب افريقي, خاصة مع التكنوقراط الابيض الاوروبي. وعلى الرغم من تنامي وتعاظم الدور الاسرائيلي في القارة الافريقية بعد عقد الصفقات السلمية بين العرب واسرائيل والتي عادت بالنفع عليها, بتأكيد حضورها في اكثر من 37 دولة افريقية, وزادت من قيمة وحجم التبادل التجاري بين اسرائيل وافريقيا حتى بلغ ما قيمته نحو 300 مليون دولار سنويا, الا ان الزعيم نلسون مانديلا اكد في اكثر من مناسبة على العلاقة الافريقية ـ العربية, من خلال زياراته التي حظيت باهتمام كبير عند الاوساط السياسية العربية, والذي يناسب حجم الزعامة على المستويين الاقليمي والدولي, والتي بدورها فتحت الباب امام الاحتجاجات الغربية والامريكية لاكثر من سبب, اهمها تجاوز الشروط والاتاوات المفروضة من قبل الولايات المتحدة واسرائيل, وإعادة الاعتبار للعلاقة التاريخية المهمشة التي تربط افريقيا مع العرب بما في ذلك اعادة الاعتبار ايضا لمسلمي جنوب افريقيا الذين غيب دورهم في الحياة السياسية والاجتماعية وابعدوا قسرا في السنوات الماضية عن الحاضنة الاسلامية. والاهم من ذلك كله ان ثمة اجواء من الثقة المتبادلة بدأت تسود الرؤى المشتركة بالتزامن مع أفول نجم المستوطنين البيض وتراجعهم عن الاطباق على مؤسسات المجتمع المدني, وقدرة السكان الاصليين على مواكبة روح العصر, بعكس ما خطط له المستوطنون واعوانهم من اسرائيليين وغربيين. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات