كوفي عنان, الامين العام للامم المتحدة حرص على ان يطرح رؤيته الشاملة لاحوال الكرة الارضية من خلال وسيلتين في غاية الفعالية وهما:(1)مجلة الايكونومست البريطانية(عدد24سبتمب1999).(2)تقرير الامين العام عن اعمال المنظمة (يقصد طبعا الامم المتحدة)المقدم إلى الدورة الرابعة والخمسين للجمعية العامة التي استهلت دور انعقادها السنوي منذ ايام على ان يستمر هذا الانعقاد إلى اواخر الاسبوع الثالث من شهر ديسمبر من العام الحالي. ومن خلال تأمل المقالة التي نشرها السيد عنان في الايكونومست, مقترنة بتحليل مضمون الفصول الستة التي يتألف منها تقرير الامين العام, نستطيع ان نقف على معالم رؤية كوفي عنان لاحوال عالمنا المعاصر, في شتى جوانبه وعلى اختلاف ادوائه وعلله, وعلى تباين ما تراه المنظومة الدولية ورئيسها الاول من اوجه الحلول والعلاج (وبالمناسبة فلم تسلم رؤية الامين العام من اوجه الانتقاد الذي وجهه اليها محللون وكتاب, كان احدثهم الكاتب الامريكي ديفيد ريف الذي وصف طروحات السيد عنان في مجال العمل الانساني والغوثي بانها سياسة تنكبت الطريق الصحيح وافتقرت إلى حسن التوجيه (في مقال نشره الكاتب المذكور في صحيفة نيويورك تايمز (عدد الخميس 23 سبتمبر 1999) . النغمة ـ المفتاح تقرير الامين العام الذي اشرنا اليه يحمل, كما المحنا في الجزء الاول من هذا الحديث رمز الوثيقة رقم واحد من الوثائق التي يقدر عددها بالمئات وربما تصل إلى رقم الالف وثيقة وكلها مطروحة على الجمعية العامة ولجانها الست الرئيسية طيلة فترة انعقاد الدورة عبر ايامها التي تقارب التسعين عددا قد تقل قليلا وقد تزيد حسب مقتضى الاحوال, والفكرة الرئيسية ـ النغمة المفتاح ـ كما قد نسميها في رؤية السيد كوفي عنان لدور البشرية ممثلة في المنظومة العالمية تلخصها عبارة تقول: مواجهة التحدي الانساني. والمعنى هو احتشاد الامم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وبرامجها ومؤسساتها الفنية ـ التقنية والمالية لمواجهة اكبر واشرس خطرين في زماننا وهما: (أ) ويلات الحرب. (ب) الكوارث الطبيعية. وفي مواجهة الحرب يؤكد الامين العام على المبدأ البديهي المتوارث عبر الاجيال وهو: (الوقاية خير من العلاج) بمعنى ان على البشرية, وكل قواها البناءة والخيرة ان تحشد جهودها للحيلولة دون نشوب الصراعات الانسانية سواء الناشبة بين الدول على شكل حروب اقليمية أو محلية ناهيك, والعياذ بالله عن الحروب النووية, أو على شكل حروب داخلية وصراعات اهلية وتلك بالذات صراعات ونزاعات يقع ضحيتها وسط اقواس النيران ـ جموع المواطنين المدنيين وخاصة المستضعفين من النساء والكهول والاطفال. بطرس غالي والدبلوماسية الوقائية هكذا ينادي الامين العام للمنظومة العالمية بتكريس الدبلوماسية الوقائية ونشهد بان هذا المبدأ وهذه الصياغة بالذات هي واحدة من اسهامات الأمين العام السابق الدكتور بطرس غالي وهو اكاديمي ومفكر سياسي بارز في أدبيات السياسة الدولية والحاصل ان كوفي عنان يتوقف كثيرا عند عام 1998 المنصرم ويصفه بالعبارات التالية: لقد كان (العام المذكور) أسوأ سنة في التاريخ بالنسبة للكوارث الطبيعية المتصلة بالطقس وقد أدت إلى حدوث الفيضانات واجتياح العواصف ومن ثم مقتل عشرات الآلاف من البشر في طول العالم وعرضه واذا ما أضيف اليها ضحايا الزلازل لأمكن القول بان نحو خمسين ألفا من البشر أزهقت أرواحهم في عام 1998 بفعل الكوارث الطبيعية. وماذا عن اشتعال الحروب؟ ما اذا اذن عن الجانب الآخر من الخطر المتربص بأقدار عالمنا بأمن سكانه واحتمالات التنمية والتطور والسلامة فيه؟ هنا يتطرق كوفي عنان إلى الحروب والصراعات المسلحة ويقول: لقد اندلعت الصراعات المسلحة أو عادت إلى التفجر في بقاع شتى من خريطة العالم في أنجولا, وغينيا بيساو وبين أريتريا واثيوبيا (أفريقيا) وفي كشمير وتيمور الشرقية (آسيا), وفي كوسوفو (أوروبا) بل ان هناك حروبا طال عليها الأمد ومنها تلك المشتعلة في الكونغو لم يعد يلقي لها العالم كبير بال. * لماذا يا سيد عنان؟ ـ لأن العالم يتعامل حتى مع الحروب والأخطار بطريقة غير متوازنة (هل نقول غير منصفة) أو بكلمات الأمين العام: ـ الأزمة التي وقعت في كوسوفو مثلا ولا تنس طبعا انها في أوروبا ـ القارة المدللة عالميا ـ (الأقواس من عند كاتب السطور) لقيت تغطية اعلامية وصلت إلى حد التشبع بينما هناك حروب أطول أمدا وأفدح خطرا اشتعلت بين أريتريا وأثيوبيا, وهناك استئناف الحرب الأهلية الوحشية في انجولا, ولكنها لم تلق من الاهتمام الاعلامي سوى النذر اليسير. الاعلام والالتزامات والمسألة عند الأمين العام ليست مجرد تغطية اخبارية أو صور على شاشات التلفاز, وإلا لهان الأمر وخف الخطب, المسألة هي ان تسليط الاضواء على مشكلة ما وتركيز الاهتمام على قضية ما أمور ترتبط بالمساعدات التي تبادر اليها دول العالم لسد الاحتياجات والضروريات, ومن ثم يضيف الأمين العام للأمم المتحدة بحق وموضوعية موضحا ما يلي: ـ ان المساعدات لا ينبغي تحصيلها على أساس التغطية الاعلامية ولا على أساس المنطق السياسي أو الجغرافي بل ينبغي ان يكون معيارها الوحيد هو: احتياجات البشر ويمضي تقرير عنان إلى حيث يبث صاحبه ما يساوره من هموم واشجان يعرب عنها حين يقول: ـ ويساورني الانزعاج بصورة خاصة ازاء ضعف استجابة المجتمع الدولي لاحتياجات الحرب والكوارث الطبيعية في أفريقيا حيث الاحتياجات اشد الحاحا, واذا لم نكن ملتزمين باعمق مبادئنا الأساسية في التعددية والاخلاقيات الانسانية, فلسوف يتهموننا بالتضارب في أحسن الأحوال وبالنفاق في أسوئها. الحقائق بالأرقام ورغم ان منتقدي السيد عنان, ومنهم الكاتب الأمريكي ريف الذي ألمحنا إليه في صدر هذا الحديث يتهمون الأمين العام بالبعد عن الواقعية في نظرته إلى الأمور إلا ان تقرير عنان يمضي مؤكدا واحدا من المبادئ الجوهرية التي لابد وان توضع في بؤرة اعتبار جميع الساسة وولاة الأمور في عالم اليوم, يقول التقرير : في عقد الستينات بلغت الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية وقتها ما يقدر بمبلغ 52 مليار (بليون) دولار, وفي عقد التسعينات بلغت نفس الفئة من الخسائر بما يقدر بمبلغ 479 مليار (تأمل جسامة الأموال) وفي هذا الصدد فإن الباحثين في مؤسسة (كارنيجي الشهيرة) عكفوا على دراسة حجم الخسائر التي تكبدتها البشرية بسبب اشتعال الحروب السبع التي اندلعت في سنوات التسعينات فبلغ حجم الخسائر نحو 199 مليار دولار دون ان تدخل كوسوفو في الحساب ودون ان يضاف إلى هذه الفاتورة المرعبة التكاليف والمغارم التي تحملتها الأقطار المتحاربة فعلا, وكان يمكن توقيها لو أولى القوم مزيدا من الاهتمام لجانب الوقاية التي ما كانت ستقتصر على منع نشوب النزاع المسلح وتحمل تكاليفه المادية الأكثر من باهظة, بل كانت كفيلة بانقاذ مئات الآلاف من الضحايا, من هنا يصبح من اللازم بل من الحيوي التأكيد على دور الدبلوماسية الوقائية التي قد تتخذ أشكالا شتى من العمل السياسي ما بين الوساطة أو التوفيق بين الأطراف أو المفاوضات وهي تتوخى الهدوء وأحيانا السرية والابتعاد عن الاضواء. ماذا قال يوثانت ومن الطريف ان مثل هذه الدبلوماسية الحثيثة الهادئة التي تعمل في معظم الأحيان بين الكواليس تحمل في طياتها تناقضا غريبا يعبر عنه تقرير الأمين العام حين يقول: ان الدبلوماسية الوقائية تنجح حيث لايحدث شي! ففي بعض الحالات تقضي الحاجة إلى التزام السرية الا تروى قصص النجاح في يوم من الايام, وكما لاحظ يوماً (السياسي الآسيوي الحكيم) يوثانت الامين العام الاسبق للامم المتحدة, فإن عملية المساعي الحميدة الممتازة هي التي لا يسمع عنها احد الى ان تكلل بالنجاح وقد لا يسمع عنها احد شيئا على الاطلاق. نموذجان يستدعيان التدخل من ناحية اخرى حرص الامين العام للامم المتحدة في مقالته المنشورة في الايكونومست على ان ينبه على وجه التأكيد والالحاح والحث والاستعجال الى ما وصفه في المقالة بأنه (الحاجة الى التدخل في الوقت المناسب من جانب المجتمع الدولي عندما يحدق خطر الموت او المعاناة بأعداد غفيرة من البشر, وعندما تكون الدولة المسؤولة (في موقع المأساة) عاجزة او راغبة عن وقف مسارها وفي هذا السياق بالذات يضرب السيد كوفي عنان مثلا بحالتين من المشاكل الفاجعة التي واجهت العالم في الاشهر القليلة الاخيرة. المثل الاول من كوسوفو حيث تدخلت مجموعة من الدول دون ان تلتمس في ذلك (بنص كلمات الامين العام) سلطة او إذنا من مجلس الامن التابع للامم المتحدة. المثل الثاني هو مأساة تيمور الشرقية التي تدخلت فيها الامم المتحدة فعلا, بناء على اذن من مجلس الامن ولكن بعد ان تلقت في الاساس دعوة في هذا الصدد من اندونيسيا. الامين العام يصف هذين المثلين بأن كلا منهما لا يصلح ان يكون نموذجا للسلوك الدولي في الالفية الثالثة المقبلة.. الامر الذي يقتضي نظرة جديدة الى الامور ورسم مسؤوليات مجددة تضطلع بها المنظمة الدولية بما يتكيف مع الحقائق المتغيرة على ارض الواقع. ومن هذه الحقائق المتغيرة ما بات العالم يشهد من جرائم لم يسبق لها مثيل في مجال الابادة الجماعية للبشر (كما حدث في رواندا بافريقيا) او مقاتل البشر في عمليات التطهير العرقي المقيتة التي مارسها سفاحو الصرب في البوسنة والهرسك بالامس القريب وايضا في كوسوفو بالامس الاقرب والأحدث. دعوة التدخل الانساني من هنا يدعو كوفي عنان الى تفعيل وتعجيل ما يصفه بأنه (التدخل الانساني) الذي ينبغي ان يلقى استعدادات مؤسسية مسبقة من حيث الاموال المتوافرة والقوى البشرية الجاهزة على غرار قوات الانتشار السريع فور تلقي الانذار بوقوع الخطر الجسيم او بقرب وقوعه الوشيك ولك ان تتصور بداهة كيف ان مثل هذا الامر سيكون موضع انتقاد من دوائر السياسة في بلد مثل امريكا حيث تريد هذه الدوائر ان تتاح لها اكبر مساحة من حرية الحركة وبالادق حرية المناورة وربما المغالطة بعيدا عما يمكن ان تفرضه عليها قرارات مجلس الامن من قيود.. خاصة وان مؤسسة السياسة الامريكية لن تجد سياسيا مقتدرا في مثل كفاءة جيمس بيكر وزير خارجية الرئيس بوش الذي افلح في تدشين التحالف الشهير ضد العراق تحت الشعار الايجابي والمطلوب موضوعيا وهو (تحرير الكويت) وقد نتجاوز قائلين انهم قد لا تتاح لهم نفس الفرصة السعيدة التي هيأها لهم القدر من خلال وجود القيادة العراقية خلال حرب الخليج التي ادهشت الجميع في ادارتها حرب الخليج الثانية بمزيج غريب من الصلف والغرور وسوء التدبير. ويبدو الامين العام وقد عركته السياسة والممارسة على الساحة الدولية, متفهما كل ما قد يحبط دعوته الى التدخل الانساني (الناجز السريع والفعال) , من مشاكل وانتقادات بل ومن عوامل التشكيك والهجوم لهذا نجده يخلص في تقريره المقدم الى الدورة الرابعة والخمسين للجمعية العامة الى التأكيد على الاخذ بما يسميه ثقافة الوقاية بدلا من ثقافة ردود الفعل, وهو يسوق في هذا السياق مثلا عتيقا ربما استقاه من تراثه الافريقي يقول: ـ من الصعب ايجاد المال اللازم لعلاج المرض, ولكن من السهل تدبير المال اللازم لشراء الكفن! تماما بقدر ما نراه يختتم مقالته الهامة في اسبوعية الايكونومست معترفاً بأن دعوته تلك كفيلة بأن تثير في بعض الاوساط وهو يعرفها جيدا مشاعر من التشكك بل والعداء. مع ذلك يعرب السيد كوفي عنان عن اعتقاده باليقين بأن ايجابيات سياسة التدخل الانساني تفوق سلبياتها.. لماذا؟ يجيب السياسي الافريقي المنشأ, العالمي المتطور قائلا: ـ لانه وبرغم كل المشاكل والعقبات التي قد تحوط تنفيذ هذه السياسة التي ادعو اليها فإنها تؤكد امام كل ذي عينين, بأن البشرية في عالم اليوم لم تعد تطيق, كما كان حالها احيانا في الماضي لرؤية المعاناة بين ظهرانيها وانها اصبحت في حال من التصميم بأكثر من ذي قبل, على اتخاذ ما يسعها من تدابير لوضع حد لتلك المعاناة.