خط مباشر: شيء اسمه (اقتصاد الفقاعة)، بقلم احمد عمرابي

اشد جوانب التطبيع العربي مع اسرائيل خطرا هو اقلها نصيبا من اهتمام النخب العربية المثقفة, امن الجانب الاقتصادي, فمع كثرة واستمرار المناظرات التلفزيونية والمقالات التحليلية حول جوانب التطبيع السياسي والتطبيع الثقافي على خلفية احتجاجات جماهيرية في الشارع العربي من حين لاخر , يندر ان تصادف ندوة تلفزيونية او تطالع مقالة مخصصة لمسائل التطبيع في جوانبه الاقتصادية, وربما يرجع السبب الى ان تفاعلات التطبيع الاقتصادي لاترى بالعين المجردة بالمقارنة مع الجوانب السياسية والثقافية. ولكن هل هناك فعلا وواقعا اجراءات تطبيعية على الصعيد الاقتصادي بين اسرائيل ودول عربية؟ والاجابة في تقديري هي بنعم غير ان مايجري يتخذ اشكالا هي غير مباشرة من ناحية وتمويهية الى درجة التعقيد من ناحية اخرى واهم من هذا وذاك انه ليس تطبيعا بقدر ما هو نفوذ قد يهدد الاقتصاد. هذا النفوذ قوامه ظاهرة اقتصادية تعرف بمصطلح (اقتصاد الفقاعة) Bubble economy ومعناه بلغة مبسطة (التنمية الزائفة) وهي كالفقاعة تبدو لعين الرائي كبيرة ولامعة بينما هي قابلة للتلاشي, واقتصاد الفقاعة يعمل في دولة ما على النحو التالي: تعرض مؤسسات غربية مالية على الحكومة المعنية تدفق رؤوس اموال استثمارية غربية بحجم كبير على الدولة مقابل ان تتبنى الحكومة اجراءات (اصلاحية) في اطار مبدأ (اقتصاد السوق) و (تحرير الاقتصاد) وابرز هذه الاجراءات امران: اولا (الخصخصة) اي تخلي الدولة عن ملكيتها لما تملك من مؤسسات اقتصادية في القطاعات الانتاجية والخدمية وبذلك تعرض للشراء عشرات او مئات المصانع والفنادق والبنوك وشركات الانتاج الغذائي والتعدين الخ توطئة لتمليكها لاصحاب الشركات الاستثمارية الغربية كل في مجال تخصصه. وهكذا يتم من ناحية تفكيك القطاع العام ومن ناحية اخرى انتقال ملكية مفاتيح الاقتصاد الوطني الى رؤوس الاموال الخاصة الغربية او وكلائها المحليين. ثانيا: تصدر الحكومة قوانين تسمح بحرية حركة النقد ورأس المال وترجمة هذا عمليا هو ان تتمكن الشركات الاجنبية من تحويل نسب كبيرة من ارباحها الى الخارج. وهكذا تصبح الصورة الاجمالية المكتملة كمايلي: يفقد جهاز الدولة تماما سيطرته على حركة الاقتصاد الوطني لتنتقل السيطرة الى شركات اجنبية غربية ويتبلور بالفعل تدريجيا انتعاش اقتصادي بمعدل نمو جيد ولكن في هذه الاثناء يتبلور ايضا امران: اولا على المدى المرئي تقتصر الاستفادة بعد الشركات الاجنبية على شريحة محلية ضئيلة من رجال الاعمال كوكلاء او شركاء ثانويين لتلك الشركات لان جل الارباح تغادر البلاد اولا بأول. ثانيا: وهذا مكمن الخطر الحقيقي, بوسع الشركات الاجنبية تصفية نشاطها في اي ظرف وسحب رؤوس اموالها والانسحاب نهائيا لسبب سياسي. والسؤال ماعلاقة هذا كله باسرائيل؟ ان العلاقة تتمثل في ذلك التشابك بين الدور الامريكي في مسألة الشرق الاوسط واصحاب رؤس الاموال اليهودية الصهيونية وفي السياق الذي نحن بصدده تسير الامور على الصعيد التطبيقي كمايلي: اصحاب المؤسسات المالية الغربية التي تعمل على مستوى عالمي هم في العادة يهود امريكيون والجهة التي تتفاوض نيابة عنهم مع دولة عربية ما حول (الاصلاحات) الاشتراطية هي على الدوام (صندوق النقد الدولي) وهو الذراع المالية لمؤسسة السياسة الخارجية الامريكية. على هذا الاساس يجري التحرك المشترك من منطلق الانحياز لاسرائيل بهدف اخضاع الدولة العربية لسيطرة اقتصادية يهودية, وفي حال تنصل الدولة العربية من اعترافها بإسرائيل اوتبني توجهات داخلية او خارجية معادية للدولة الاسرائيلية. تنسحب رؤوس الاموال الغربية المستثمرة في الدولة العربية لتخلف انهيارا اقتصاديا كاملا. وهذا باختصار هو (اقتصاد الفقاعة)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات