غالبا ما تطرح حياة المثقف وممارسته قضية اختلافه وابتعاده, بل انشقاقه عن الثقافة السائدة في مجتمعه, ورغم التفاوت في محتوى الانشقاق واتجاهه يمينا أو يسارا, فان لهذا الانشقاق اسبابه ودواعيه وظروفه المحيطة, وهي بين عوامل تدفع المثقف الى الابتعاد والانشقاق الى حدود ومحتويات معينة . والتدقيق في موضوع انشقاق المثقف عن الثقافة في مجتمعه, يقودنا الى قول ان انشقاقات كهذه حدثت, وتحدث في مختلف البلدان والمجتمعات, بما فيها المجتمعات الحديثة والمعاصرة, وهي حالة تواصلت سواء في المجتمات الاشتراكية ومنها انشقاقات المثقفين في الاتحاد السوفييتي السابق, كما في المجتمعات الرأسمالية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا, كما أن تلك الظاهرة حاضرة في مجتمعات الدول المتخلفة ومنها البلدان ذات الانظمة الشمولية, التي تفرض فيها السلطات الحاكمة انماطا ثقافية محددة, يكون من الصعب على النخبة بما فيها من مثقفين خرق ذلك النمط, فيندفع بعضهم الى الانشقاق عن الثقافة السائدة والمترسخة عرفا أو قانونا. ان الامثلة على انشقاق المثقف كثيرة, ولعل الاكثر فيها حاضرا في سجلات الانظمة الشمولية بخارطتها واسعة الانتشار, والتي امتدت في عقد السبعينات لتشمل قسما كبيرا من العالم, يضم اضافة الى الدول الشيوعية في الصين والاتحاد السوفييتي وشرق اوروبا, بلدان جنوب شرق آسيا الداخلة أو الواقعة تحت تأثير العالم الشيوعي, اضافة الى معظم دول (الانظمة الوطنية والتقدمية) . وكان الاساس في انشقاقات المثقفين في هذه البلدان هو طموحهم الى الحرية. بما تعنيه من فرصة للتفكير الحر, في اختيار موضوع اهتمامهم في القراءة والثقافة وكذلك حرية اختيارهم لأدوات التعبير واشكالها, والاهم من ذلك حريتهم في الوصول الى الجمهور سواء كان وصولا مباشرا, يتم بالتماس او من خلال وسائط الاتصال الاخرى, المقروءة والمكتوبة والمسموعة, ومن خلال التلفزة. ان الانشقاقات المتصلة بموضوع الحرية, كانت محاولة للخروج من اطار فرضيات الثقافة, التي بدت محكومة بمعايير يفترض بها الحرص على ما أسمته الانظمة الشمولية ونخبها مصلحة الأكثرية وهو تعبير اختارته جماعة سياسة او ثقافية معينة, وجعلته موجه الحياة الثقافية بكل ابعادها, باستثماء ان مصطلح (مصلحة الاكثرية) بحد ذاته تعبير نسبي ومتغير. اذ ليس من المعقول ان مصلحة الاكثرية في روسيا عشية الثورة الشيوعية عام 1917 هي نفسها مصلحة الاكثرية في الاتحاد السوفييتي ابان الحرب العالمية الثانية, او في الفترة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفييتي, حيث ظهرت (مصلحة الاكثرية) ممثلة في تصفية هذا الكيان بكل محتوياته الايديولوجية والسياسية, والاقتصادية والثقافية وتفككت الدولة تحت عيون نخبتها وحراس (مصلحة الاكثرية) الذين تحولوا الى حراس لمصلحة اكثرية اخرى غير الاكثرية التي كانت قائمة قبل عام 1991. وقد يضاف الى السمات الخاصة في انشقاقات مثقفي الدول الشيوعية سمات اخرى لانشقاقات المثقفين في الدول المتخلفة ذات الانظمة الشمولية, بحيث تتجاوز الاشقاقات موضوع الحرية بكل محتوياتها ومحيطاتها, لتشمل اضافة الى ذلك جوانب اقتصادية واجتماعية تكون في الاغلب مستمدة من الطابع العام لواقع هذه الدول, والتي غالبا ما يعيش فيها المثقف حالة اغتراب متعدد الابعاد, فهو لا لايفتقد الحرية وحدها, بل ربما يفتقد فرصة العيش والحياة الكريمة لاسباب تبدو مرتبطة بواقع المجتمعات المتخلفة, ومنها اسباب سياسية وديمغرافية, وربما اسباب دينية وطائفية, تشكل كلها أو بعض منها عوامل ضغط من اجل انشقاق المثقف عن الثقافة الحاكمة. وقد تكون هناك عوامل خارجية بين عوامل تؤدي الى انشقاق المثقف في الانظمة الشمولية في الدول المتخلفة, ومن ذلك اغراءات الحياة التي تحفل بها اجواء الدول الأكثر تقدما ورفاها, وقد يكون في عداد هذه العوامل تدخلات لمؤسسات وهيئات وجهات خارجية, تؤدي تدخلاتها الى نمو وتفجر نزعة انشقاق المثقف عن نخبته, وعن الثقافة السائدة في مجتمعه. ان نسقا موازيا لانشقاقات المثقف في الدول الشيوعية وفي الانظمة الشمولية من البلدان المتخلفة, ظهر في الدول المتقدمة ذات الايديولوجيا الرأسمالية, والتي أساس نظامها الحريات, والامكانيات الافضل لحياة المنتمين الى نادي النخبة بما فيها النخبة الثقافية. وما سبق, يجعل لانشقاقات المثقفين في الدول الرأسمالية المتقدمة اسبابها ودواعيها المختلفة, لكنها في النهاية, تمثل شكلا من اشكال الاعتراض على توجهات الثقافة ومحتوياتها, وبخاصة فيما تسعى اليها في تكريس قيم وعادات وتقاليد وعلاقات سواء في المستوى الداخلي بين تكوينات وبنى المجتمع, او في المستوى الاعلى في العلاقة مع المجتمعات الاخرى, وغالبا فان الاعتراض في المستوى الاخير ينصب على علاقات التبعية والهيمنة ذات الطابع الاستعماري ـ الامبريالي التي تفرضها الدول المتقدمة على بقية دول العالم. ويستدعى الكلام عن ظاهرة المنشقين عن ثقافة وتوجهات الثقافة في الدول الرأسمالية المتقدمة, استدعاء نماذج واسماء تعكس طبيعة قلق المثقف وهواجسه, وفي القائمة اسماء مثل فرانز فانون الذي انشق عن ثقافة الاستعمار الفرنسية في الستينات, ليقف الى جانب الشعب الجزائري في نضاله من اجل الحرية والاستقلال, ومثله انشقاق الفيلسوف البريطاني برانتد راسل الذي سجل انحيازا ضد الحروب وموقفا الى جانب الشعوب في نضالها ضد الاستعمار, في ضوء انشقاقه على الثقافة الاستعمارية السائدة في النصف الاول من القرن العشرين. ان انحياز المثقفين الغربيين الى جانب قضايا تتصادم, او تفترق عن الثقافة السائدة في بلدانهم امر يقود الى صدامهم مع مؤسسات وهيئات وغالبا مع مثقفين اخرين في بلدانهم, وعلى هذا النحو كانت نتائج انشقاق الفيلسوف والمفكر الفرنسي روجيه جارودي عن ثقافة وفكرة مناصرة الصهيونية واسرائىل القوية وشبه السائدة في فرنسا, وهو اتجاه بدأه جارودي في الثمانينات خصوصا, ثم صعد به اواسط التسعينات, عندما نشر كتابه الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائىلية. ومثل جارودي, فان نعوم تشومسكي وادوارد سعيد ظهرا بين ابرز المنشقين عن الثقافة الامريكية السائدة في العقدين الاخيرين فكان الاول معلما من ابرز قضية حقوق الانسان, والنضال ضد الحروب العدوانية ولاسيما حرب فيتنام, وضد سياسة اسرائىل, تلك التي يختصرها بقوله (لا يحق للاسرائيليين اتخاذ اجراءات وحشية ضد الفلسطينيين.. ولايحق للامريكيين تسويغ ممارستهم للارهاب.. ولايجوز اخيرا, سلب حقوق الافراد الاساسية, لان مواقفهم لاتتوافق مع مصالح النخب الحاكمة) . وادوارد سعيد بدوره يمثل نموذجا للمثقف المنشق عن الثقافة السائدة في الولايات المتحدة ولعل الابرز في اساس انشقاقه تحليله لظاهرة الاستشراق, والتي لاتكشف البعد التاريخي للاستعمار فقط, بل تكشف ايضا واقعه الراهن وثمة نقاط مضافة الى اساس انشقاقه, وهي كشفه جوهر الثقافة الامبريالية التي تنتجها النخبة المثقفة الامريكية, والتي على اساسها يتربى المجتمع الامريكي, ويجري توجيه سياساته بما في ذلك السياسة الامريكية في الشرق الاوسط وحيال اسرائىل خصوصا. ولعله من الطبيعي ان يقابل المنشقون بالهجمات المتلاحقة, التي تتشارك فيها مؤسسات وهيئات الى جانب اشخاص من داخل بنيان الثقافة الحاكمة, ليس من اجل لجم محاولات اعمال عقل المثقف بالخروج عن المألوف والسائد, وهو احدى وظائف الثقافة, وانما من اجل اشاعة الخوف والذعر في نفس كل من يحاول الانشقاق عن الثقافة الحاكمة بمنطلقاتها ومحتوياتها, وتبين سيرة كل من جارودي وسعيد وتشومسكي كثيرا من تفاصيل الهجمات العنيفة ضدهم, لكنها في الوقت نفسه تبين قدرة هؤلاء باعتبارهم نماذج على تحدي الوقائع المتردية في حياة الانسان المعاصر.