من الطبيعي ان تنقسم دول العالم حول مفهوم السيادة. هل هي مطلقة ام نسبية. وهل يحق للآخرين التدخل فيها أم لا. وتحت أي ظرف وكيف ومتى ولماذا.فالامر يشبه حالة منزل تتعرض فيه الزوجة والاطفال الى الضرب والاهانة من قبل الزوج. وهناك من يطالب بضرورة تخطي سلطة الاب وحرمة المنزل والدخول لانقاذ الابناء والزوجة , بينما هناك من يرى عدم جواز ذلك بحجة أن هذه أمور أسرية داخلية, واذا كان لابد من التدخل فيجب الحصول على موافقة الزوج أولا. وبالطبع فان البيوت السعيدة والازواج المنسجمين لن يخافوا من فكرة التدخل هذه, إذ أنها ليست واردة بالنسبة إليهم, وبالتالي سيؤيدون التدخل لانقاذ الاسرة من بين ايادي الزوج, اما الازواج الذين يعانون من مشاكل مشابهة فسينتفضون, رافضين اي تدخل فيما يعتبرونه شأناً خاصاً. وحالة هذا المنزل والمحيطين به, تشبه حالة الدول. والتي يمكن تقسيمها (مجازا) الى نوعين اساسيين: نوع تخطى مرحلة الصراعات الداخلية العنيفة, وباتت الدولة متطابقة ومتصالحة مع الشعب, ونوع آخر لا يزال يعاني من ازمات وانواع من الحروب الاهلية المعلنة منها والمستترة. ويمكننا ان نفهم تبعا لذلك ان الدول الغربية والدول المتقدمة عموما والتي لاتعاني مشاكل داخل بيوتها, ستقف بصورة حازمة الى جانب التدخل في حالة عجز الحكومات عن حماية شعوبها من الاضطهاد والقمع. وهي لاتؤيد مفهوم السيادة المطلقة للدول على اراضيها. فحدود هذه السيادة تنتهي حيث تبدأ معاناة السكان وحيث تلجأ الحكومات الى سلاح الابادة الجماعية والتطهير العرقي المكثف. ومن ثم يصار الى التدخل القسري لانقاذ السكان, رغم رفض الحكومات المحلية. وعلى العكس من ذلك فان دول العالم الثالث وخاصة تلك التي تعاني من مشكلات داخلية, ترفض مثل هذا المنطق, لانها ترى فيه محاولة لفرض الوصاية عليها باسم حقوق الانسان. ومن الناحية العاطفية نتمنى ان تنتصر دول العالم الثالث في معركتها من اجل تأكيد سيادتها على أراضيها والحفاظ على استقلالها السياسي, لكن عقليا نحن ندرك بأن هذه المعركة خاسرة. وانه لن يتاح لأية دولة من هذه الدول ان تتحاشى بعد الان تدخل المجتمع الدولي في شؤونها الداخلية مالم تحل مشاكلها مع شعوبها. ينبغي ان نشير هنا الى ان عصرنا هذا يسير حثيثا باتجاه تقديم الاولوية الانسانية على الاولوية السيادية, بل ان ما نشهده في هذا المجال هو في حقيقته ترسيخ لظاهرة اعمق واشمل هي ظاهرة (ما بعد الدولة الوطنية) اي العولمة. ورغم كل ما يقال عن هذه الاخيرة وفيها, فانها تظل متحققة بحكم الامر الواقع, بفضل السيطرة شبه الكلية للشركات الغربية العابرة للقارات على اقتصاديات العالم. وبفضل هذا الربط المحكم بين الاسواق ومراكز الانتاج الرئيسية والمصارف العملاقة والبورصات.. الخ من مظاهر الحياة المعاصرة. حتى بات من المتعذر لأية دولة ان تخرج من سطوة هذه (الحلقة) , دون ان تغامر في الوقت نفسه بأن تبقى خارج العصر وخارج الحضارة الحديثة. وكجميع الظواهر الكونية, فانها تعبر عن نفسها عادة في عدة مجالات في آن واحد. وكما في الاقتصاد كذلك في السياسة والاجتماع والعمران والثقافة والفن.. الخ. وليس منطقيا انه في الوقت الذي تسلب فيه الاحتكارات الدولية حرية القرار الاقتصادي من أيدي الدول وتنازعها في قراراتها السيادية, ان يظل القرار السياسي محصنا, وبمنأى عن التأثر والانتهاك. من هنا بدأت تتزايد شهية هذه الاحتكارات لمد نطاق تأثيرها ونفوذها على السياسات الداخلية لمختلف البلدان, وخاصة العالم الثالث الذي تتعرض اليوم حكوماته ودوله الى ضغوط اعلامية وسياسية متنوعة (آخرها تقرير الحريات الدينية في العالم الذي اصدرته وزارة الخارجية الامريكية). ومن أسف ان هذا الاتجاه يحرز كل يوم نجاحات جديدة, ويبدو انه سائر الى تحقيق هدفه في نهاية المطاف. بيد اننا نعود هنا للتذكير بمثال المنزل المنكوب. فلولا تصرف الزوج وقسوته تجاه عائلته, لتعذر على الآخرين أن يجدوا المبرر الكافي للتدخل في شؤونه. وهكذا الأمر بالنسبة للدول. ولهذا لا مناص من ان تسعى الدول المتضررة من ترتيب اوضاعها الداخلية وتطوير بنياتها وهياكلها كي تتناسب مع المعايير العصرية الجديدة, والا فانها تغامر بان يقوم الآخرون بهذا الامر عوضا عنها ورغم ارادتها, وفي كثير من الاحيان ضد مصالحها ايضا. وقد رأينا مؤخرا نماذج من هذا النوع في كوسوفو وتيمور الشرقية. من المفيد هنا أن نقتطع بعض الفقرات المعبرة من كلمة الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان, القاها في افتتاح الدورة 54 للجمعية العامة الاثنين الماضي وفيها يدعو الدول الى عدم التذرع بالسيادة الوطنية عندما ترتكب جرائم ضد السكان المدنيين. اذ يقول (ان المفهوم التقليدي الصارم للسيادة لم يعد يلبي اليوم تطلعات الشعوب للاستفادة من الحريات الاساسية) . ويضيف ان (هناك حقوقاً بغض النظر عن الحدود) . الواقع ان عنان هنا لايعبر عن رأيه الخاص. انه يعبر عن هذا الاتجاه الجديد الذي بدأ يسود المنطق السياسي في التعامل بين الدول, والتي تضطر فيه المنظمة الدولية, بحكم وضعها, ان تأخذه بعين الاعتبار عند معاجلة مختلف الازمات. على ما في ذلك من تناقض أيضا, اذ يشير ميثاق الامم المتحدة من جهة اخرى بوضوح وصراحة الى عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول. والحال ان الامين العام للمنظمة الدولية يريد أن يقول ان توازن القوى الدولي يسير بحكم الامر الواقع في هذا الاتجاه, وعلى الدول المتضررة ان تبحث لها عن وسائل غير تقليدية ان هي ارادت ان تتجنب التدخل في شؤونها الداخلية. فعصر السيادة المطلقة والشاملة للدول لم يعد يتناسب مع الحقائق الجديدة في العالم, والمتمثل اساسا في هذا الانفتاح الاعلامي الواسع وبما يؤدي اليه من تجاور الامكنة, وبصورة يتعذر معها اخفاء الحقائق والتغطية على الممارسات المشينة في سجل حقوق الانسان. يمكن القول بان الدول التي تملك مثل هذا السجل, وتلك التي تملك حساسية مفرطة تجاه التدخل الدولي, ستقاوم بضراوة مثل هذا التوجه. لكن الملاحظ مع ذلك أن هذه المقاومة تتضاءل تدريجيا, ويظهر الاجماع الدولي تقريبا على تأييد تدخل حلف شمال الاطلسي في الازمة اليوغسلافية, وما افضى اليه من اخراج القوات الصربية بالقوة من اقليم كوسوفو, ان ثمة اساسا يمكن البناء عليه. ان سابقة يوغسلافيا, ومن قبلها العراق, وحاليا تيمور الشرقية, انما تكرس مبدأ جواز التدخل في الازمات الدولية, خصوصا في الحالات التي يكون فيها السكان معرضين للخطر, بصرف النظر عن الملابسات والحيثيات. والموافقة على هذا التدخل هي موافقة على المبدأ نفسه, الامر الذي لن يمكن معه الاعتراض في المستقبل على أية حالة مشابهة قليلا أو كثيرا. وكان الله في عون الضعفاء والمساكين.