مستقبل عملية السلام بين التسوية المتوازنة والحل الظالم، بقلم فاطمة شعبان

مع استحقاقات مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين, تكون القضايا التي تشكل جوهر الصراع العربي الاسرائيلي قد وضعت على طاولة المفاوضات, وبحكم اختلاف هذه القضايا عن قضايا الحل الانتقالي, فانها ستعطي الصورة الاخيرة للحل في المنطقة . ولأن كل مشروع التسوية تمت صياغته منذ مؤتمر مدريد للسلام على اساس انهاء هذا الصراع بشكل نهائي, فان نتائج هذه التسوية يجب ان تكون عادلة ومتوازنة وشاملة وهذا وحده يجعلها قابلة للحياة وانتاج سلام فعلي في المنطقة, تعيد لأصحاب الحق حقوقهم المشروعة, وترفع عنهم الغبن والظلم التاريخي الذي تعرضوا له خلال العقود الأخيرة ان السلام الشامل والمتوازن والقابل للحياة دون ازمات تدفع الى انفجاره, يحتاج الى مجموعة من القواعد والاسس والشروط, التي تختلف عما قامت عليه العملية حتى الآن فأي حل متوازن وعادل يحتاج الى شروط اخرى على رأسها: ـ الاعتراف الاسرائيلي بالظلم الذي ألحقته اسرائيل بالفلسطينيين منذ قيامها الى اليوم, والتكفير عن هذا الظلم التاريخي من خلال الاعتراف لهذا الشعب بحقوقه الوطنية المشروعة باقامة دولة مستقلة على الارض التي احتلتها اسرائيل في العام 1947 وعاصمتها القدس, وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي تركوها في العام 1948 وفقا لقرار الامم المتحدة 194 لعام 1947. وكل ذلك ليس منة من اسرائيل, انما هذا هو الحد الادنى المقبول لرفع الظلم عن الشعب الفلسطيني وانجاز مصالحة تاريخية قابلة للحياة. ـ وعلى هذا الاساس من الاعتراف الحقيقي بالمطالب الفلسطينية العادلة, يجب فك الارتباط بين عملية السلام وميزان القوى في المنطقة, لان اعتماد التسوية على ميزان القوى المختل لصالح اسرائيل, ينتج تسوية مختلة وغير متوازنة تجعل عوامل تفجرها داخلها, فهي تحاول تعزيز الظلم وتحويله الى امر واقع بإقرار الضحية بالظلم والموافقة عليه, وهذا ما يفرض على الجانب الاسرائيلي دفع الثمن الحقيقي لعملية السلام, وبدونه تبقى هذه العملية عرضة للازمات التي يمكن ان تطيح بها. ـ توازن الموقف الامريكي والكف عن الانحياز لصالح الموقف الاسرائيلي, فمن طبيعة عمل الراعي لعملية السلام ان يعمل في اطار سياسة متوازنة بين اطراف الصراع, وكقطب وحيد في العالم اليوم تستطيع الولايات المتحدة انتاج تسوية اكثر توازنا وقابلة للاستمرار, وتعاني من ازمات اقل, اما بقاء السياسة الامريكية ضاغطة على طرف واحد لتقديم التنازلات, فانها تعمل على انتاج تسوية غير متوازنة وعلى حساب الطرف الضعيف في معادلة التسوية. ـ ان انجاز قضايا الحل النهائي يجب ان يكون حزمة واحدة, وعدم العمل مرة اخرى على تقسيم الحل النهائي الى حلول جزئية من جديد, وتأجيل قضايا تعتبرها اسرائيل قضايا شائكة, مرة اخرى الى المستقبل البعيد, فهذه الطريقة من التفكير في عملية التسوية تعمل على تجاهل القضايا الاكثر خطورة وتأجيلها, لفرض الحل الاسرائيلي على الطرف الاخر, مما يبقيها قابلة لتفجير عملية السلام, مثل قضايا القدس واللاجئين. ولأن العملية السلمية القائمة تفتقد لشروط انتاج تسوية متوازنة, تعطي الفلسطينيين حقهم في ارضهم ومستقبلهم, فان الاحتمالات القائمة امام عملية السلام ومستقبلها, تحكمها مجموعة العوامل التي ستؤثر في اتجاهها المستقبلي ويمكن الحديث عن ثلاثة احتمالات امام عملية السلام: 1ـ تنفيذ اتفاق (شرم الشيخ) واجزاء منه, والدخول في مفاوضات الحل النهائي والتي ستبقى تراوح مكانها في ظل استقطاب المواقف القائمة بين الاطراف, ولان هذه القضايا تقع ضمن الخطوط الحمراء للحكومة الاسرائيلية, وتبقى عملية السلام قائمة دون تقدم ودون اعلان وفاتها, ويعمل هذا الوضع على اكساب الحكومة الاسرائيلية مزيدا من الوقت لفرض الوقائع الجديدة على الاراضي الفلسطينية, وبذلك تدور العملية التفاوضية حول نفسها لتسد انتاج الوضع الراهن وتعمل على اهدار الوقت الذي يعتقد الاسرائيليون انه يعمل لصالحهم. 2ـ تمترس كل طرف عند موقفه لزمن طويل, مما يدفع باتجاه تآكل عملية السلام, خاصة اذا ترافق هذا التمترس مع سعي الطرف الاسرائيلي تطبيق سياساته من طرف واحد لحسم قضايا الحل النهائي على ارض الواقع, مما يفقد العملية السلمية معناها . وقد تبقى الاطراف متمسكة في عملية السلام على المستوى اللفظي, ولكن العملية تتآكل ببطء, ولا يستبعد مع هذا التآكل ان تنزلق عملية السلام الى الانفجارات كتلك التي شهدتها الاراضي المحتلة بعد فتح النفق تحت المسجد الاقصى اثناء ولاية حكومة نتانياهو. 3ـ اعادة تقسيم قضايا مفاوضات الحل النهائي, والوصول الى حلول جزئية حول بعضها, وتأجيل القضايا الاكثر تعقيدا الى زمن لاحق, مما يعني التقدم البطيء في عملية السلام في قضايا جزئية لاتمس القضايا الرئيسية في مفاوضات الحل النهائي, التي يتم تجنبها للابقاء على عملية السلام قائمة, لعدم توفر لعبة اخرى في المنطقة في المدى المنظور غير لعبة المفاوضات, بذلك تسير العملية وفق الرغبات الاسرائيلية, ويدفع الفلسطينيون ثمن العملية السلمية والرضى بالفتات الذي تمنحه اسرائيل. الاحتمال الاكبر ان تستمر العملية السلمية للوصول الى نهايتها, والآلية التي اعتمدت عليها العملية اصلا لا تقوم على انجاز حل عادل, فالراعي الامريكي يرغب بانجاز التسوية بأي ثمن, ويصرف النظر عن عدالة الحلول الناتجة عن العملية, المهم ان يوافق عليها الاطراف, ولو كانوا مكرهين على ذلك. ان الشروط التي تقوم عليها عملية السلام قابلة لانجاز تسوية, ولكنها غير قابلة للحياة, طالما انها تسعى الى تشريع الظلم الذي لحق بطرف من اطراف الصراع, فالتسوية المتوازنة وحدها القادرة على انجاز تسوية قابلة للحياة, ولكن العملية القائمة تفتقد شروط اقامة مثل هذه التسوية, مما يعني ان العملية كلها عرضة للانفجار في المستقبل في ظل الشروط القائمة. * كاتبة فلسطينية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات