اختار الرئيس حسني مبارك مناسبة لها طبيعتها الخاصة ليعلن اهم ما صدر عنه حتى الان عن برنامجه في ولايته الجديدة التي جرى الاستفتاء عليها امس الاول ففي احتفال بسيط تم تنظيمه بسرعة ليسبق الاستفتاء بثلاثة ايام انتقل الرئيس وأركان الحكومة الى احدى المدن الجديدة التي تجرى اقامتها الان بالقرب من القاهرة ليوزع عقود التمليك على بعض الذين حصلوا على شقق سكنية في المدينة الجديدة, وليقدم لاول مرة ملامح برنامجه للفئة القادمة. وقبل ان نتحدث عن هذا البرنامج لابد من اشارة الى مغزى المكان والمناسبة لان ذلك يرتبط اشد الارتباط بالنقاط الهامة التي اثارها الرئيس مبارك في خطابه. * المكان في مدينة الشروق, وهي احدى المدن الجديدة التي تركز العمل فيها في السنوات العشرين الماضية.. سواء في محاولة للتخفيف من ازمة السكن او لاقامة مناطق صناعية تم منحها اعفاءات خاصة, فاستقطبت استثمارات القطاع الخاص واصبحت مراكز لاهم استثماراته. ولكن هذه المدينة (الشروق) تختلف عن غيرها من المدن الجديدة, فقد تم التخطيط لها لتكون ضاحية لسكن الاثرياء من اصحاب الملايين وبدأ تنفيذ ذلك بالفعل لكن الرئيس مبارك تدخل بعد ذلك, واصدر اوامره بإنشاء حي لاسكان الشباب في المدينة, محذرا يومها من انقسام المجتمع بهذا الشكل الحاد. * وفي خطوة تالية طلب مبارك من رجال الاعمال ان يساهموا ببعض تكلفة المساكن التي ستقام للشباب, مذكرا اياهم بأنهم اخذوا الاراضي في هذه المدينة وغيرها من المدن الجديدة باسعار زهيدة وبتسهيلات في السداد, وان الدولة تحملت عنهم الكثير في توفير المرافق لهذه المدن الجديدة. وهكذا ذهب الرئيس مبارك قبل ايام من الاستفتاء على ولايته الجديدة ليوزع عقود التمليك على بعض الشباب الذين حالفهم الحظ بالحصول على هذه المساكن المدعومة.. ورغم ان مساهمات رجال الاعمال محدودة, وتبقى عاجزة عن حل مشكلة الاسكان حلا جذريا, فقد جاء الاحتفال ليركز على بعض المعاني التي اراد مبارك ان يضعها في بؤرة البرنامج الذي طرحه للمرحلة المقبلة. فهناك المدن الجديدة باعتبارها انجازا للمرحلة السابقة وهناك عنصر الشباب الذين اراد مبارك ان يتوجه اليهم بالحديث, وهناك العنصر الاجتماعي المتمثل في استمرار اسهام الدولة في حل مشكلة الاسكان وخاصة للشباب ثم في حكاية (التكافل) التي حاول النظام فرضها على رجال الاعمال الذين كونوا ثروات طائلة في السنوات الماضية واكتسبوا نفوذا كبيرا دون وعي كاف بمسؤولياتهم تجاه المجتمع. برنامج مبارك وقد انعكس ذلك كله على البرنامج الذي طرحه مبارك وفي الوقت الذي كانت قوى المعارضة تطرح مطالبها في اصلاح سياسي شامل باعتباره المطلب الاساسي للمرحلة المقبلة ركز مبارك على الجانب الاجتماعي ليقدم برنامجا من خمس نقاط باعتبارها في رأيه المحاور التي ينبغي ان يتركز عليها العمل الوطني في المرحلة المقبلة. * المحور الاول هو التركيز على دور الدولة فهي راعية المجتمع والحارسة لقيمه واذا كانت اقتصاديات السوق كما قال في حديثه هي التي تضمن كفاءة استغلال الموارد القومية, فإن الدولة هي التي تضمن عدالة التوزيع لهذه الموارد على فئات المجتمع, بما يصون حقوق المواطن العادي ويمنع الاحتكار والاستغلال. والدولة ووفقا لهذا الدستور هي ضمير المجتمع وهنا اعلن مبارك انها يجب ان تنحاز للطبقات الاقل دخلا والفئات غير القادرة على الوفاء بمطالبها الاساسية, وذلك في ظل سياسة عادلة تسعى لرفع مستوى الطبقات الكادحة وتقليل الفجوة بين الطبقات. * المحور الثاني في البرنامج الذي طرحه مبارك هو استكمال بناء المجتمع المصري ومؤسساته وفي هذا المجال يلاحظ انه لم يشر الى الاحزاب السياسية وانما ركز الحديث عن الجمعيات الاهلية التي ثارت ضجة حول القانون الخاص بها والذي صدر منذ شهور ولقي معارضة من هذه الجمعيات بسبب القيود التي يضعها على حركتها والرقابة التي يفرضها على مواردها المالية. * المحور الثالث يرتبط بالمفهوم الجديد للتنمية والذي اصبح يربطها بحياة المواطن بدلا من الارقام الجامدة عند زيادة الدخل القومي. الامر هنا يتعلق بمدى استفادة المواطن العادي من نتائج التنمية, وبحيث لاتذهب الحصيلة لفئة محددة او لمصالح اجنبية تترك بقية المواطنين في اماكنهم او تحيلهم لما هو أسوأ. وينبغي الالتفات هنا الى انه رغم كل الجهود التي بذلت في الاعوام السابقة فان احصائيات الامم المتحدة تضع مصر في المرتبة 112 من حيث التنمية البشرية اي من حيث ما يحصل عليه المواطن من تعليم وصحة وثقافة ومستوى معيشي. وهو ما يعني وجود خلل في توزيع ناتج التنمية. ومن هنا اهمية تركيز مبارك على ضرورة توسيع قائمة التنمية بحيث يشعر المواطن بآثارها في حياته بالارتقاء بالخدمات وتحسن الاداء ورفع مستوى المعيشة وهو امر يستدعي دورا اكبر للدولة لتحقيق العدالة في التوزيع. * المحور الرابع كان ايضا مفاجأة .. فبعد ان تركز الحديث في الشهور الماضية حول المشروعات العملاقة في جنوب الوادي (توشكي) او في سيناء او حول قناة السويس .. ركز مبارك في برنامجه الجديد حول اعطاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة اولوية متقدمة واهتماما خاصا, وهو امر يمكن ان يعالج الاثار السلبية لتركيز الاستثمارات في المشروعات الكبيرة التي لاتعطي عائدا سريعا في وقت تشتد الحاجة فيه الى خلق فرص عمل سريعة لاستيعاب مايقرب من نصف مليون مواطن يدخلون سوق العمل الجديد كل عام. * المحور الخامس في البرنامج كان متوقعا, ويركز الاهتمام على التعليم العصري باعتباره هدفا اساسيا من اجل اعادة بناء المجتمع وفقا لروح المستقبل. وهو هدف كان واضحا طوال السنوات الخمس الماضية التي بذلت فيها جهود كبيرة في هذا المجال, وان كان الطموح الجديد يبدو هائلا في اطار الاعلان عن مشروع جديد للنهضة العلمية والتكنولوجية تأمل فيه مصر ان تكون احدى الدول الرئيسية في هذا المجال, وتستهدف تصدير تكنولوجيا متقدمة وكمبيوتر بخمسة عشر مليار دولار سنويا من خلال برنامج مركز وسريع في هذا المجال. مؤتمر اجتماعي ويلخص مبارك الموقف بقوله انه بدأ حكمه بمؤتمر اقتصادي كانت نتيجته سياسة اقتصادية جديدة, وهو يريد ان يبدأ الولاية الجديدة بمؤتمر اجتماعي يعقد قبل نهاية العام وتشارك فيه كل التيارات بهدف الخروج بتصور مشترك حول مفهوم التنمية الاجتماعية في الفترة المقبلة وتحديد الاولويات التي تضمن تحقيق انجازات اجتماعية تتوازى مع الانجازات الاقتصادية التي تحققت. هذه هي المحاور الاساسية للبرنامج الذي طرحه الرئيس مبارك عشية الاستفتاء على ولايته الرابعة. والملاحظات الاساسية على البرنامج تبدأ بانه يعكس شعورا حادا بوطأة الثمن الذي دفعته الفئات الفقيرة والمتوسطة من اجل ما سمي ببرنامج (الاصلاح الاقتصادي) فقد تحملت هذه الفئات العبء كاملا في الوقت الذي نمت فيه فئة من الوكلاء والسماسرة حققت ثروات هائلة دون جهد حقيقي. وضاعف من وطأة الثمن الذي دفعته الفئات الكادحة ان الاثرياء الجدد لم يملكوا الثقافة ولا الوعي الذي يمكنهم من التعامل مع الاوضاع الجديدة, فانغمسوا في سلوك مستفز واستهلاكي قبيح اثار المشاعر ضدهم, وفي نفس الوقت حاولوا ان يترجموا نفوذهم المالي الى نفوذ سياسي فلجأوا الى سلاح المال وعصابات البلطجة ليخلقوا لانفسهم وضعا سياسيا, فكانت النتيجة ان انفجرت فضائحهم داخل مجلس الشعب وخارجه. والملاحظة الثانية ان هذا البرنامج جاء بعد عدة صدامات بين السلطة وبعض رجال الاعمال الذين رأت السلطة انهم تجاوزوا حدودهم سواء بالارتباط بالمصالح الاجنبية ضد الصناعات الوطنية, او بالتلاعب بالمصالح الاقتصادية العليا كما حدث في نهب اموال البنوك دون ضمانات كافية او بمحاولة السيطرة على القرار السياسي وتسخيره لمصالحهم الخاصة او للمصالح الاجنبية التي يمثلونها . والملاحظة الثالثة على البرنامج انه يعكس ادراكا بأن الضغوط الاقتصادية والسياسية ستزداد على الحكم, وان بقاء الاحوال الاجتماعية على حالها سيكون ثغرة هائلة لابد من التعامل معها من اجل مواجهة جادة للضغوط الداخلية والخارجية في المرحلة المقبلة, ولابد من الاشارة هنا الى عدة امور تلازمت في الفترة الاخيرة .. ازمة الدولار, ومحاولة الاعتداء على مبارك في بورسعيد, والمحاولات الامريكية المتكررة لافتعال ازمة للاقباط في مصر. والملاحظة الرابعة ان التركيز على البعد الاجتماعي يعني ان مطالب المعارضة في الاصلاح السياسي لا مكان لها في تفكير الحكم الان, وان كل الاهتمام سينصب في المرحلة المقبلة على الاستمرار في البرنامج الاقتصادي للحكم, ثم محاولة حصار آثاره الاجتماعية على الطبقات الفقيرة. مدرستان مختلفتان وبغض النظر عن موقف احزاب المعارضة الذي وضع الاصلاح السياسي والدستوري اساسا لمطالبه في التغيير, فان الامر يعكس خلافا بين مدرستين تحيطان بالحكم .. الاولى ترى ان النهضة ممكنة بدون الديمقراطية, بل قد تكون اسهل سبيلا, وترى هذه المدرسة فيما حدث في الكثير من دول جنوب آسيا دليلا على صحة موقفها, بينما ترى المدرسة الاخرى ان ذلك في احسن الاحوال حديث زمن ولى. ليس فقط للمآسي التي تعانيها هذه الدول الآن, وما ستعانيه في المستقبل, ولكن ايضا لانه ـ في غيبة الديمقراطية ـ سيستمر تحالف الفساد والارهاب ويسيطر وستذهب نتائج اي تنمية (اذا تحققت) بعيدا عن الغالبية من الكادحين اصحاب المصلحة الحقيقية في التقدم والنهضة والتنمية.