بمجرد امساك القلم والكتابة عن اي موضوع في فضاء حقوق الانسان(سلباً وايجاباً)من قبل كتّاب ومفكرين وناشطين, نكون قد اسدينا خدمة كبيرة, لهذه النقلة الحضارية التي لاتزال تخطو خطواتها الاولى في اغلبية دول العالم الثالث, والعالم العربي الذي لم يخرج الى الان من تحت عباءته الواسعة . ولعل المساهمة الرائعة من قبل المستشار الدكتور عمر فاروق فحل المنشورة في (قضايا تحت المجهر) يوم الخميس الموافق 1999/9/16م تحت عنوان (الجامعات العربية وتدريس حقوق الانسان) , تندرج تحت خانة هذه الخدمات الكبيرة في فضاء حقوق الانسان, والتي اكرر بأنها نقلة حضارية انسانية, لا علاقة لها بذلك المفهوم عن الحضارية المادية الجامدة لانها تنبع من الانسان الى الانسان وتصب في مصلحته ومصلحة الاخرين في النهاية. لقد اثار الدكتور عمر فاروق العديد من القضايا والافكار في مقاله التحليلي المطول, واثار ايضا الرغبة في تناول مثل هذه المواضيع المهملة في وسائل الاعلام العربية الى حد كبير, وقد حاولنا وبإيجاز نسبي الرد عليها ومناقشتها مع الدكتور المحترم, املا في زيادة التلاقح الكتابي حولها مستقبلاً. المحطة الاولى ايهما اصح: التدريس لمقررات حقوق الانسان في المراحل الاولية (ابتدائي, متوسط), او في المراحل المتقدمة (كالجامعة)؟ او كلاهما معاً؟ وهذا هو السؤال الرئيسي نظرا لتركيز صاحب المقال على ضرورة تدريس تلك المقررات في الجامعات العربية. ان المطلوب في هذه الحالة ليس تدريس مقررات حقوق الانسان في مراحل متأخرة كالجامعة, وانما منذ المرحلة الابتدائية وما يليها بجرعات متزايدة يحدد كمياتها التربويون المتخصصون بذلك, وقد ظهر العديد في الوطن العربي وغيره ممن يؤيدون هذه المطالب, لان المنطقة العربية في امس الحاجة لتلقين وتفتيح عيون الاغرار على حقوقهم الاجتماعية والسياسية, واحترام حقوق الاخرين الطبيعية والانسانية, ناهيك عن الحريات الفكرية وحق تكوين الجمعيات والمنظمات المدنية وجميع أشكال العمل التطوعي. ومن اكثر ما يعاب على هذه المحطة التي نناقشها بشكل افتراضي بحت, ان الواقع يصطدم مع ذلك التنظير, لان غالبية انظمة دول العالم الثالث لا ترغب في عملية تفتيح عيون الكبار انفسهم, فما بالنا بأغرار سيشكلون في المستقبل القريب جيلاً مزعجاً, له مطالب مشروعة لا يُعرف حد لمدى تفاعلاتها الحتمية. المحطة الثانية اي حقوق انسان في الفكر الاسلامي, وليس الاسلام نفسه, موجودة ومصانة لدى المسلمين؟ ثم لماذا تم حصر تلك الحقوق التي قال عنها الدكتور فاروق (وما زالت الشريعة الاسلامية بما اوردته من تنظيم رائع لحقوق الانسان في الزواج والارث وغيرها محط انظار التشريعات الاخرى) ؟ نعم اننا نشهد بذلك, ولكن هل يعقل ان دينا سماوياً لكل البشر جاء من اجل تحرير رقاب المستضعفين في العالم, لا يجتهد علماؤه ومفكروه في انتاج ولو كتاب واحد في مجال حقوق الانسان, نستطيع نحن كمسلمين ان نستخدمه كأصل في تراثنا الاسلامي, وننطلق فيه وسط عالم اليوم الذي اصبح جواز المرور فيه هو مدى الالتزام بتطبيق مواثيق ومعاهدات حقوق الانسان. اننا فقط نريد كتاباً واحداً من قبل فقهاء المسلمين يتكلم عن الحرية وحق الأمة في اختيار خليفة المسلمين, ومحاربة كافة صور الجاهلية التي عادت بكل قباحتها بين المسلمين, تحت مسميات جديدة سكت عنها الفقهاء والمفكرون وغيرهم. المحطة الثالثة اننا نؤيد وبكل عنف مطلب الدكتور عمر فاروق حينما قال (من الضروري احداث مزيد من التوسع لرقعة الاهتمام بهذا التدريس, ومزيد من التعميق لهذه الرؤية, بحيث تمهد الجامعات حقا لتكوين رأي عام, موال لحقوق الانسان الاساسية, وبحيث يشكل جداراً منيعاً ضد اي انتهاك لها) . ولكن سرعان ما سوف يصطدم هذا المطلب مع ما ذكرناه في المحطة الاولى, كما نلفت نظر الدكتور عمر لأمر هو بالتأكيد لا يخفى عليه, وهو أن مجرد العمل على ترسيخ مبادئ ومواثيق حقوق الانسان ولو نظرياً في اذهان الجماهير, يعد جريمة لا تغتفر في قانون الانظمة الشمولية. ونشاطاً محروماً من العمل حتى اشعار اخر, بدليل ان جمعيات ومنظمات حقوق الانسان في الوطن العربي غير مشتهرة وغير معترف بها في الغالب.