لعب ولا يزال الاعلام دورا بالغ الاهمية في عمليات العولمة, فمع نقل الصور والرموز والمضامين اصبحت العولمة شعارا للمرحلة, وعنوانا بارزا لفيض من التحولات المتسارعة في العالم. ومع الاعتراف بدور الاعلام في العولمة فان مفهوما جديدا بدأ في التبلور هو عولمة الاعلام او الاعلام المعولم . وقد ظهرت عدة تعريفات لعولمة الاعلام الاول انها التقدم المذهل وغير المسبوق في تكنولوجيا الاتصال, وتعريف ثانٍ يرى أن عولمة الاعلام هي ضغط المكان والزمان مع تقديم مضامين وصور متشابهة تتجاوز الحدود السياسية والثقافية بين الشعوب, واما التعريف الثالث لعولمة الاعلام فهو تركيز وتوسع ملكيات وانشطة الشركات متعددة الجنسية العاملة في مجال الاعلام والاتصال. وثمة تعريف رابع ينطلق من فكرة أن عولمة الاعلام تتمثل في الزيادة الضخمة والهائلة في الاعلان خاصة الاعلان عن السلع الاجنبية, والتركيز في ملكية وسائل الاعلام الدولية, مع انخفاض التنوع والتعدد والتعدي على القوميات الثقافية في العالم. في عبارة موجزة يمكن القول أن عولمة الاعلام هي: عملية تهدف الى التعظيم المتسارع والمستمر في قدرات وسائل الاعلام والمعلومات على تجاوز الحدود السياسية والثقافية بين المجتمعات, وذلك في اطار عملية توحيد ودمج اسواق العالم من ناحية, وتحقيق مكاسب لشركات الاعلام والاتصال والمعلومات متعددة الجنسيات من جهة ثانية, ويتحقق ذلك كله على حساب تقليص سلطة ودور الدولة في المجالين الاعلامي والثقافي. الشركات المتعدية والملاحظ أن تعريفات عولمة الاعلام على اختلافها تتفق على ظاهرة تعاظم دور الشركات متعدية او متعددة الجنسيات, ومن هنا نعرض في هذا المقال لبعض من اهم جوانب دور وآليات عمل الشركات متعددة الجنسيات في عالم الاعلام والمعلومات. والواقع أن الارباح المغرية التي يؤمنها قطاع الاتصالات المعلوماتي الترفيهي قد جذبت العديد من الشركات العملاقة متعددة الجنسية الى توجيه استثماراتها الى هذا القطاع, من جانب اخر فان تكنولوجيا البث الفضائي عبر الاقمار الصناعية قد شجعت الكثير من شركات الاتصال المعلوماتي الترفيهي للعمل عبر الحدود, وتنويع انشطتها, فضلا عن الاندماج وتكوين كيانات اقتصادية اكبر. والواقع ان تعاظم دور الشركات متعددة الجنسية وسعيها المستمر نحو الاحتكار والتركيز اصبح من معالم عولمة الاقتصاد, حيث بلغ نصيب رأس المال متعدد الجنسيات في الانتاج المحلي الخام في العالم 30% عام ,1995 وتسيطر 200 شركة عملاقة بانشطتها العالمية على الاستثمارات الزراعية الكبرى والمنتجات المصنعة والخدمات المالية والتجارية, وكانت حركة التجمع والاندماج بين الشركات متعددة الجنسية قد ازدادت لتصل الى 15% سنويا في الفترة من 1986 - ,1996 وليس هناك ما يشير الى تباطؤ هذا المعدل في المستقبل القريب, واذا لم يتغير شيء من الآن وحتى عام 2000 ستصل قيمة اعمال التجمع (التركيز) الى حوالي عشرة آلاف مليار دولار. ولم يكن قطاع الاتصالات والمعلومات الترفيهي استثناء من قوانين الاحتكار والتركيز الذي مارسته بامتياز الشركات متعددة الجنسية, من هنا تحفل الكتابات الاعلامية والاقتصادية باحصاءات ومعلومات عن اسماء الشركات القومية (المحلية) او متعددة الجنسيات التي تم شراؤها او اندمجت لتشكل كيانات اكبر, سواء على المستوى القومي (المحلي) او العالمي. في هذا السياق قدم باج ديكيان قائمة باندماجات شركات الاعلام والاتصال في الولايات المتحدة تغطي الفترة من 1966 الى ,1994 وخلص الى انه بحلول التسعينات كانت سبع عشرة شركة اعلام ضخمة تحصل على نصف اجمالي العائدات من كل وسائل الاعلام, بما في ذلك التسجيلات الصوتية والكيبل والفيديو كاسيت, وكان التجميع (التركيز) قد ادى الى تقليص عدد اللاعبين من 46 سنة 1981 الى 23 سنة ,1991 منها عدد قليل جدا يعد اعلاميا بحق. آليات السيطرة ومن الصعب رصد حركة الاندماج المتسارع بين الشركات متعددة الجنسية, او مشروعات ملوك الاعلام والاتصال والترفيه امثال مردوخ وبيل جيتس وجان لوك لاجارديرن وتيد تيرنر, اذ ان كل يوم يحمل اخبارا عن اندماج جديد او قيام تحالف او مشروع جديد, من هنا قد يكون من المفيد التوقف عند اهم سمات آليات عمل شركات الاعلام والاتصال والترفيه العملاقة, وهي: السمة الاولى: هيمنة الشركات الامريكية على قطاع الاعلام والاتصال والترفيه. ونقصد بالهيمنة هنا السيطرة على الملكية, والسيطرة على محتوى وتوجهات المضامين والاشكال المنتجه, فقد افضت حركة التركيز في الملكية الى ظهور خمس شركات عملاقة تعرف باللاعبين الخمس الكبار هي ديزني وبرتسلمان وتايم وارنر وفاكم وشركة الاخبار, وباستثناء الشركة الثانية والاخيرة فانها شركات امريكية, مع ملاحظة ان شركة برتسلمان هي ملكية المانية لكنها اكبر شركة نشر في الولايات المتحدة. وتعمل الشركات الخمس الكبرى وفق آليات السوق, والانتاج الضخم لكي ينشر او يستهلك على نطاق واسع بين اكبر عدد من المستهلكين, وبالتالي تخفيض تكلفة الانتاج, لذلك قد لا تراعي هذه الشركات القيمة الفكرية او الثقافية للمضامين والبرامج المنتجة لكنها تركز على الشكل والجاذبية. في هذا السياق تفوقت صناعة الاعلام والترفيه الامريكية على مثيلاتها الاوروبية واليابانية في انتاج وترويج المنتجات الاعلامية والترفيهية, ومكنها هذا النجاح من ان تصبح الحلم او النموذج الذي تسعى الى تقليده صناعات الاعلام والترفيه في بقية انحاء العالم, بما في ذلك اوروبا. لقد ساد المزيج الثقافي والترفيهي صناعة الاعلام والاتصال والترفيه, وتوجد تفسيرات عديدة لهذه السيادة والتي تتجاوز قيود الملكية والجغرافيا واحيانا القيود الثقافية, ولعل من اهم هذه التفسيرات التفسير الثقافي الذي يرى ان المجتمع الامريكي هو في الاصل مجتمع هجين, قائم على تنوع وتعدد ثقافي فريد مكن من انتاج برامج ومضامين تعكس هذا الوضع وتستجيب له, اي انها ثقافة معولمة في الاصل, وبالتالي اصبحت قادرة على التعامل مع عولمة الاعلام والثقافة. وثمة تفسير اقتصادي يعتمد على قانون حجم السوق من زاوية اتساع السوق الامريكي المحلي وقدرته على استهلاك المنتجات الاعلامية والترفيهية الامريكية, وتغطية تكلفتها الضخمة, قبل ان تصدر للخارج. ثم هناك تفسير سياسي يربط بين قوة الولايات المتحدة كدولة عظمى, وانفرادها بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال الكتلة الشرقية, وبين قوة صناعات الاعلام والترفيه الامريكي, وينطلق اصحاب هذا التفسير من زاوية ان صناعات الاعلام والترفيه تعتبر من وسائل السياسة الخارجية الامريكية. في الوقت ذاته فان الاعلام والترفيه يدعم من قوة الولايات المتحدة ونفوذها السياسي والمعنوي على الصعيد العالمي. اما التفسير الرابع والاخير فيركز على الرأسمالي الرمزي لصناعات الاعلام والترفيه في الولايات المتحدة, وعلى قدرتها على استقطاب اكثر العناصر البشرية كفاءة وموهبة, وبالتالي تطوير ما تقدمه من منتجات. السمة الثانية: التكامل الرأسي:ففي سباق التنافس المحموم بين شركات الاعلام والترفيه والاتصالات على الاسواق, تواصلت عمليات التركيز, ثم ظهر في الثمانينات ما يعرف بالتكامل الرأسي والذي يعني في ابسط معانيه الملكية المتعددة لوسائل اعلامية وانشطة متعددة, فبدأت بعض الشركات تعمل في مجال الصحافة والطباعة والنشر والتوزيع ومحطات التليفزيون واستوديوهات الانتاج, وقد برزت الحاجة للتكامل الرأسي من اجل الوصول الى منافذ توزيع جديدة, مع دعم فاعلية المضمون المقدم عبر اكثر من وسيلة اعلامية. ازدواجية العلاقات السمة الثالثة: العلاقة بين الشركات الاعلامية متعددة الجنسية والوطن الام: ففي محاولة لدراسة ظاهرة الشركات متعددة الجنسية اصدرت لجنة التجارة والتنمية التابعة للامم المتحدة عام 1994 تقريرا رصد نحو 37 ألف مؤسسة رئيسية تعمل خلال التسعينيات تتبعها نحو 206 آلاف مؤسسة منتسبة لها في الخارج, ولكن غالبا ما يكون هذا التقدير اقل من واقع انشطة الشركات متعددة الجنسية, اذ يصعب حصر هذه الانشطة وتصنيفها خاصة مع تزايد الضغوط التنافسية وسرعة التغير التكنولوجي, وتسارع عمليات التركيز, ولا شك ان هذه التحولات المتسارعة تجعل من الصعوبة تتبع العلاقات المتشابكة بين الشركات ذات النشاط الدولي والدولة الام, وكذلك بين هذه الشركات والدول التي تعمل بها, وبصفة عامة يمكن النظر الى العلاقة بين المؤسسات متعددة الجنسيات والحكومات على انها تجمع بين التعاون والمنافسة او التساند والصراع, وفي اطار علاقة التعاون اشار بعض الباحثين الى ان كثيراً من الشركات متعددة الجنسية هي مؤسسات وطنية لها عمليات دولية, وليست مؤسسات او شركات عالمية مندمجة دون قاعدة جغرافية اصلية لكل منها. وتبرز سمة التساند والتعاون بين كثير من شركات الاعلام والاتصال والترفيه متعددة الجنسيات والوطن او الدولة الام, ومثل هذا التعاون يثير اشكاليات ثقافية وسياسية ترتبط بعمليات عولمة الاعلام, وبالخصوصية الثقافية للمضامين والبرامج الاعلامية والترفيهية. ولعل ابرز نماذج التعاون والتساند بين الدولة والشركات الاعلامية متعددة الجنسية يتمثل في علاقة كل من تايم وارنر مالكC.N.N بالحكومة الامريكية. من جانب اخر فان اغلب شركات الاعلام والترفيه والمعلومات تقدم منتجات ثقافية وصوراً ورموزاً ترتبط بمجتمع او دولة محددة. من هنا يصعب نفي علاقات الارتباط والتعاون بين الشركات الاعلامية العملاقة والدول الام التي تنتمي اليها سياسيا وثقافيا. وتحفل ادبيات الاعلام وحرب الخليج الثانية بنماذج واستشهادات على علاقة التعاون والتكامل بين السياسة الامريكية والتغطية الاعلامية التي قامت بها محطات التليفزيون الامريكية, وفي مقدمتها C.N.N.. السمة الرابعة: العمل عبر وكلاء محليين: رغم ما تتيحه الثورة في تكنولوجيا الاتصال, وعمليات التكامل والاندماج بين الاعلام والاتصال والمعلومات, من امكانية هائلة لاختراق الحدود القومية والثقافية, الا ان الشركات الاعلامية متعددة الجنسيات حرصت على العمل عبر وكلاء محليين, حيث برزت المكاسب الاقتصادية المترتبة على هذه الشراكة والتي لا تراعي احتياجات السوق المحلية بقدر سعيها لخلق احتياجات محلية زائفة تتماشى مع المضامين والصور المعولمة, والتي تنتج ويجري تسويقها وفق آلية الانتاج الضخم وتحقيق مزايا تنافسية. وتتخذ عمليات الشراكة او العمل عبر الوكلاء المحليين انماطاً وصيغاً مختلفة, فهناك اتفاقيات لاعادة البث وشراء البرامج, او الانتاج المشترك للمواد والمضامين الاعلامية والترفيهية. علاوة على توجيه استثمارات مباشرة حيث استثمرتcap citien A.B.C. 100 مليون دولار في انشطة تليفزيونية اوربية في فرنسا واسبانيا والمانيا, تبعتها شبكةN.B.C. باستثمارات في اوروبا, وآسيا وامريكا اللاتينية, كما حققت شركة تايم وارنر العديد من الصفقات الخارجية في روسيا والدول الاسكندنافية. وخلاصة القول ان عصر العولمة شهد تعاظماً في دور الشركات التي تعمل في مجال الاعلام والمعلومات والترفيه, وهذه الشركات اصبحت من اهم ادوات وآليات عولمة الاعلام. * استاذ الاعلام بجامعة عين شمس
