قيادة قارب المجتمع المدني في عالم ، بقلم ياسر الفهد

لقد أصبح معروفا في اوساط الفكر السياسي ان البنى الاساسية المكونة للمجتمع المدني, هي تلك التي لا تهيمن عليها الدولة, او لا تتدخل فيها الا بدرجة محدودة. ولاشك ان الثقافة هي احدى هذه البنى, وهي الوعاء الذي يربو في كنفه المجتمع المدني, او الشعاع الذي يستمد منه الضياء والتوجيه . واذا كان تدخل الدولة في الثقافة معدوما او محدوداً في البلدان الديمقراطية الحرة, فانه وارد وقائم في الدول التي غابت عنها شمس الحرية. ولكن مهما كانت درجة او مستوى هذا التدخل, فان هناك حقائق ومعطيات ومعلومات ثقافية اساسية وثابتة ليس بوسع اية سلطة ان تغير او تبدل منها شيئا. اضف الى هذا ان الفرد لا يكتسب ثقافته من خلال الوسائل والمصادر المتوافرة في بلده وحسب, وانما يستمدها ايضا من بلدان اخرى, فهو مثلا, قد يدرس في الخارج ويحصل على مؤهلات وشهادات عالمية من دول تنعم بالديمقراطية والتقدم الثقافي. وفي هذه الحالة يتشرب ثقافة محايدة موضوعية غير مصبوغة بالثقافة الموجهة التي تنشرها سلطة البلد الذي يقيم فيه. ومن جهة ثانية, فان المثقف يستمع الى الاذاعات الخارجية ويشاهد القنوات الفضائية التي تتسم بتعددية الاتجاهات, فتتكون لديه نتيجة لذلك ثقافة حيادية غير موجهة وغير احادية. واذا رجعنا الى الماضي, ونظرنا في تراثنا الثقافي المجيد, نجد انه كان يتميز بالاخلاقية والانسانية والتنوع والتسامح. اما ثقافتنا اليوم, فقد فقدت الكثير من هذه السمات العظيمة, واصبحت الى حد ما تتكون من كتل من المعلومات الجامدة التي تفتقر الى الحيوية والقدرة على التأثير في تطوير المجتمع بالشكل المطلوب. وتقف وراء هذا الوضع المؤسف اسباب عديدة, منها غياب حرية الكلمة واغتراب المثقف وصعوبة اوضاعه المعيشية, واحيانا التأثير الثقافي الخارجي الهدام, والذي لا يستطيع ان يفعل فعله الا حينما يجد التربة الضعيفة والبيئة الفكرية المفككة. الدور الغائب وللثقافة تقسيمات عديدة ويتجلى احد هذه التقسيمات في نوعين: الثقافة الشعبية الجماهيرية التي ينضوي تحت لوائها ملايين المثقفين العاديين, وثقافة النخبة التي تضم تحت جناحيها العلماء وصفوة الباحثين والمفكرين والدارسين والاكاديميين والاختصاصيين. وعدد هؤلاء الاخيرين يظل قليلا نسبيا, بالنسبة لعدد النوع الأول. ولكنهم, على ندرتهم, هم الذين ترنو اليهم الابصار, وتتعلق بهم الآمال. فهؤلاء بحكم افكارهم الرفيعة ورؤاهم الثاقبة ونظراتهم المبدعة, يستطيعون التأثير في رجال السياسة واصحاب القرار, باتجاه تغيير عقولهم وطرق تفكيرهم ودفعهم الى احترام حقوق الجماهير. وهم الذين يتوجب عليهم ان يوضحوا اسس حرية الفكر والعقيدة, واهمية الحفاظ على كرامة الانسان ومقدساته وضرورة توفير احتياجاته المعيشية والتعليمية والصحية وغيرها. وبتعبير اخر, فان النخبة المثقفة, يجب ان تقف في الصدارة, وتكون في الصف الاول من صفوف حركة الدفاع عن حقوق الشعب, تليها في ذلك الطبقة الوسطى من المثقفين, وهي أكثر عددا ولكنها اقل فعالية, بسبب محدودية ثقافتها. اذن, فان قيادة المجتمع يجب ان تكون في يد صفوة المفكرين والعلماء الذين يشبّههم بعضهم بالنجوم في السماء. وعلى عاتقهم تقع مهمة رصد الأخطاء والانحرافات ونقد الاوضاع غير السوية. ويكتسب هؤلاء ثقافاتهم الرفيعة من خلال الابحاث العلمية والتربوية المعمقة والدراسات المنهجية المتخصصة التي تصدرها مراكز البحوث والمؤسسات الثقافية, وبعضها ينشر في الكتب والدوريات الاكاديمية. ولسوء الحظ فان البحث العلمي في الوطن العربي يعاني من معوقات كثيرة مثل الأحوال المعيشية البائسة للباحثين, والقصور التقاني في الاجهزة والمعدات, وضعف الكوادر القادرة على البحث, ونقص المراجع الموثوقة, وغير ذلك. ولا ننسى ايضا هجرة العقول والكفاءات الى البلدان الاجنبية, جريا وراء ظروف معاشية افضل. وهذه الهجرة تؤثر سلبيا في المجتمع المدني وتضعفه. وحتى نحسّن الصورة, ونغير الاوضاع السلبية المذكورة, لابد لنا من تشجيع البحث وتكريم المفكرين وتحسين ظروف اصحاب الكفاءات, لإغرائهم للبقاء في اوطانهم, وعدم التسرب الى الخارج. وحتى ننعش طبقة صفوة المفكرين والمثقفين, لابد من الوصول اولا الى تحقيق الامن الثقافي الذي يقصد به توافر الحد الادنى على الاقل من التطور الثقافي الذي يحول دون انهيار الثقافة وتداعي المؤسسات الثقافية. وبعد ذلك يجب الانتقال الى مرحلة انعاش الثقافة التي ينظر اليها الان على انها اصبحت تشكل صناعة كاملة لها ادواتها ومدخلاتها ومردودها ومخرجاتها. وهي ذات سمة استهلاكية واستثمارية في آن واحد. ومن مدخلاتها: الورق والاجهزة والمطابع والمصروفات. اما مخرجاتها فتتجلى في الكتب والمجلات والصحف والنشرات. وبالنسبة لرجال الفكر والعلماء, فإنهم من مدخلات الثقافة ومخرجاتها في آن واحد. فالمثقفون عندما يكونون في عداد المدخلات, يقومون بإنجازات ونشاطات ثقافية.. وهذه تؤدي بالتدريج ومع مرور الزمن الى نشوء طبقة جديدة من المثقفين الذين نستطيع ان نعدهم من المخرجات. نظرة مغايرة ولسوء الحظ, فان مدخلات الثقافة العربية اليوم ليست مشجعة, فالمطابع يجري استيرادها من الخارج, ومعظم الورق يتم شراؤه من الاسواق العالمية, والمثقفون والمفكرون الذين يشكلون عماد الثقافة يعيشون في احوال مادية ومعنوية صعبة. فمن الطبيعي والحال كذلك, ان تكون مخرجات الثقافة مثبطة للآمال. ونعتقد ان هناك وسائل عديدة لتنشيط العملية الثقافية وتخريج اجيال من المثقفين رفيعي المستوى الذين يشكلون العمود الفقري للمجتمع المدني. ومن هذه الوسائل: أ ـ اتاحة قدر اكبر من حرية التعبير, فالثقافة لا تزدهر وتثمر, الا اذا كان المثقف قادرا على التعبير, ليس عن افكاره السياسية البناءة فحسب, وانما ايضا عن افكاره الاجتماعية والاقتصادية, وحتى الدينية. ب ـ زيادة المخصصات المالية التي تصرف على المشروعات الثقافية. وهذا امر هام جدا, فلا ثقافة بدون مال. والمؤسسات الثقافية لا يمكنها ان تمضي قدما في مشروعاتها واصداراتها الثقافية دون ان يتوافر لها التمويل الكافي. ج ـ تحسين وسائل التعليم حتى تصبح قادرة على تخريج مثقفين حقيقيين, لا مجرد متعلمين يملكون كميات كبيرة من المعلومات. وقد اشار الى هذه الناحية الدكتور سليمان العسكري رئيس تحرير مجلة (العربي) , في مقالته المنشورة في عدد 29 اغسطس من صحيفة (البيان) , بعنوان (التعليم والثقافة والعلاقة الغائبة) . لقد كان الكثيرون من العرب في الماضي ينظرون الى الثقافة بوصفها ترفا حضاريا. والان حان الوقت لكي يغيروا هذه النظرة, ويتعاملوا معها على انها شكل من أشكال الاستثمار المربح. فعندما تتطور ثقافة الفرد, يتحسن مردوده في جميع المجالات, ولاسيما في الموقع الذي يعمل فيه. فالمزارع المثقف, مثلا, ينتج بشكل افضل بكثير من المزارع الأمّي, لانه يدرك قيمة استعمال احدث الاسمدة والآلات الزراعية المتطورة ويسعى الى وقاية مزروعاته من الامراض والحشرات باستخدام انجح الوسائل العلمية. وكذلك الحال, فان المثقف رفيع المستوى, يقدم للمجتمع المدني اكثر بكثير مما يقدم الانسان العادي. وهكذا, فاننا اذا اردنا ان ندعم البنيان الاساسي لمجتمعنا المدني العربي المقبل, فان علينا ان نفعل ما في وسعنا لتنشيط صناعة الثقافة, ولتحسين الاوضاع المعاشية والمعنوية للمثقفين ولاسيما النخبة منهم. وعلينا ان ندرك ان تكريم مفكرينا وعلمائنا وصفوة مثقفينا ومنحهم الحقوق الكاملة التي تتناسب مع المهام العظيمة المنوطة بهم, سوف يساعدهم على قيادة قارب مجتمعنا المدني بصورة فعالة, والوصول به الى شاطئ الأمان. * كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات