أليس غريبا انه بينما لا تزال جهود الوساطة المصرية الليبية بين الحكومة السودانية والمعارضة في الخارج ناشطة ومتحركة على طريق محاولات الوفاق تفاجىء المعارضة الوسطاء والطرف الثاني بتنفيذ حادثة تفجير تستهدف خط انابيب النفط في بقعة من الاراضي السودانية ؟ إن مثل هذا العمل العدواني يتناقض بالطبع مع التجاوب الذي ابداه كبار رموز المعارضة مع القاهرة وطرابلس فأفرز تجاوبا من جانب الخرطوم.. وبالتالي انطلق مسار المشروع الوفاقي متطوراً مع مرور الايام. فهل تعني حادثة التفجير ان المعارضة قررت فجأة الاستغناء عن مشروع المصالحة.. ومن ثم نسفه؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست بسيطة وليست مباشرة لان (التجمع) المعارض تحول عمليا, بكل الشواهد المرئية, الى تجمعين, احدهما مع المصالحة والثاني ضدها.. الاول منحاز الى المشروع المصري الليبي الذي يهدف الى تحقيق وفاق وبلورة تسوية سلمية.. والثاني منحاز الى مشروع امريكي يستهدف تصعيد الحرب في جنوب السودان (وشرقه) ضد الحكومة السودانية على المدى الطويل ونسف المشروع المصري الليبي على المدى الفوري. هذا (التجمع) الثاني هو الذي دبر ونفذ حادثة تفجير خط الانابيب دون استشارة التجمع الآخر أو حتى ابلاغه مقدما. نحن اذن بازاء مجموعتين متناقضتين على صعيد المعارضة: مجموعة محورها الصادق المهدي رئيس حزب (الامة) والاخرى محورها جون قرنق زعيم (الحركة الشعبية لتحرير السودان) . اما القطب الشمالي الرئيس الآخر, محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي فإن موقفه ليس واضحا تماما ولا يخلو من غموض غير أنه من المفترض ان الحزب بحكم تاريخه وواقعه لا يمكن ان يولي ظهره لمشروع تتبناه القاهرة مع طرابلس. مع حركة قرنق يقف فصيل قتالي آخر, (التحالف السوداني) بقيادة العميد عبدالعزيز خالد ومن الحقائق غير المعلنة ان (التحالف السوداني) هو فرع من حركة قرنق وتابع لقوات قرنق, يأتمر بأمرها لانجاز مهام قتالية خارج الحيز الجغرافي لجنوب السودان.. تحديدا في الشرق. وبهذه الصفة فهو لا يختلف عن حركة جبال النوبة التي لا تخفي تبعيتها التنظيمية لحركة قرنق. ولكي ندرك مغزى حادثة تفجير خط الانابيب يتعين علينا ان ننظر فيها من منظور الانقسام العملي داخل (التجمع الوطني الديمقراطي) المعارض. فور انتشار نبأ التفجير كان أول من تبناه ليس الصادق المهدي او محمد عثمان الميرغني أو اي متحدث بلسان اي منهما.. وانما تبناه بصورة فورية شخصية عسكرية, عبدالرحمن محمد سعيد, الذي يعمل لحساب العميد عبدالعزيز خالد وبالتالي لحساب حركة قرنق. وبعد تصريح عبدالرحمن محمد سعيد ورد التصريح التالي له من ياسر عرمان... وهو عضو في حركة قرنق رأسا. غير ان صاحبي التصريحين حرصا على تسمية (التجمع) .. هكذا بصورة معممة ومبهمة وكأن تدبير الحادثة وتنفيذها كان عملا جماعيا شاركت فيه جميع التنظيمات الاعضاء في التجمع بما في ذلك حزب الصادق وحزب الميرغني. وبما انه لم يصدر عن اي من هذين الزعيمين ما يمكن ان يستدل منه دون غموض او لبس ان لهما علاقة مباشرة بتدبير حادثة التفجير وتنفيذها فإن المفترض, والمنطقي, انه لا علم لاي منهما اطلاقا بما جرى. ماذا يعني ذلك؟ يعني شيئا واحد: بهدف نسف وساطة المصالحة المصرية الليبية وقطع الطريق عليها ارادت حركة قرنق وفرعها الشمالي ان تعطي انطباعا للحكومة السودانية بأن المهدي والميرغني, ضمن قادة التجمع الآخرين ـ لا يريدان تصالحاً, ورغم ان الحكومة فهمت الخدعة الا ان الحادثة وما تحمل من رسالة على ان قرنق مصمم على نسف المبادرة المصرية الليبية في شأنه ان يضع المهدي والميرغني في حرج. أحمد عمرابي