في مواجهة شركة ديزني، بقلم جيمس زغبي

عندما يفتتح الاحتفال العالمي بالألفية الثالثة والذي تقيمه شركة والت ديزني خلال ايام في فلوريدا, فانه سيتضمن المعرض الاسرائيلي المثير للجدل حول مدينة القدس.وعندما تسرب خبر هذا الموضوع لأول مرة من اسرائيل بما في ذلك الكشف عن محتويات المعرض, اثار رد فعل عربي غاضب ومبرر , ووصف مسؤول في وزارة الخارجية الاسرائيلية المشروع من خلال الاشارة الى ان عنوانه سيكون (القدس.. عاصمة اسرائيل) . وقد جاء هذا الاعلان عشية بدء مفاوضات الوضع النهائي بين اسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية فكان على أفضل الاحوال عملا من اعمال الاستفزاز من جانب اسرائيل. وقد هدد بعض المسؤولين العرب بمقاطعة منتجات شركة ديزني. وطالبت بعض المنظمات الامريكية ـ العربية بتخلي ديزني عن المعرض.. ودعيت جامعة الدول العربية لمناقشة الامر في اجتماعها الوزاري. وقد بوغتت شركة ديزني وهي مجمع ترفيهي امريكي عملاق بهذا النزاع, ولم يكن معظم المسؤولين بها مدركين لطبيعة الحقائق الكامنة وراء قضية القدس ومدى أهمية هذه القضية. واستبد الغضب بمسؤولين آخرين لأن الاسرائيليين حاولوا استغلال معرض ترفيهي لطرح قضية سياسية تتضمن مواجهة حادة ومثيرة للخلاف. وكتب رئيس شركة ديزني في رسالة بعث بها الى جامعة الدول العربية يقول ان الشركة (لاتتخذ مواقف سياسية) . ومضى في رسالته يقول إن (الشركة تدرك الآن انها تجد نفسها بشكل لم تقصده في قلب عملية السلام بالشرق الاوسط. ونحن نتفهم ان القدس مدينة مقدسة بالنسبة للمسلمين والمسيحيين واليهود. ونريد أن نؤكد لكم ايضا اننا نعتقد ان السعي الحالي لمتابعة اتفاق السلام الفلسطيني الاسرائىلي هو في صالح الجميع. ولم يكن قصدنا على الإطلاق ان نستفز او نؤذي عن عمد أي مجموعة من الناس أو أي منظمة) . وعقب ذلك, طلبت جامعة الدول العربية ان تلتقي مجموعة من السفراء العرب مصحوبة ببعض القيادات الامريكية العربية بمسؤولي شركة ديزني وتتفقد مسبقاً المعرض الاسرائىلي. وفي حقيقة الامر ان الجزء المثير للخلاف من المعرض الاسرائىلي كان جارحا للمشاعر عن عمد فهو يدور حول اسرائىل ويقدّمها من خلال عيون اسرائىلية, ومادته تتضمن سردا مشوها للتاريخين المسيحي والاسلامي. وفي معرض الرد على المخاوف التي فصلتها اللجنة التابعة لجامعة الدول العربية قدم مسؤولو شركة ديزني الالتزامات التالية: فقد اشارت الشركة الى أنها قد قامت بالفعل بازالة كل اشارة الى القدس باعتبارها عاصمة لاسرائىل من المعرض. كما توصل مسؤولوها الى تغييرات اخرى في العرض الاسرائىلي. واخيرا وافقت شركة ديزني على أن تصدر عددا من البيانات التي تؤكد ان الشركة لم تؤيد أي مزاعم اسرائىلية في المعرض. وبينما لم تقتنع بعض الجماعات بهذه النتيجة, فقد اشارت جماعات أخرى الى ان الامر المهم هو ان رد الفعل المشترك من جانب العالم العربي والامريكيين العرب على المسألة برمتها قد نجح في تأكيد ان العرض الاسرائىلي هو (امر مثير للجدل أو الخلاف) , وهو تعبير استخدم بصورة متكررة في الصحافة الامريكية لوصف المعرض الاسرائىلي. وقد استجابت بعض الجماعات اليهودية الامريكية بشكل هستيري للانباء المتعلقة بشركة ديزني واتهمت احدى هذه الجماعات الشركة بـ (الاستسلام للضغط السياسي والابتزاز الاقتصادي العربي وكذلك تضليل الرأي العام) . والامر الاكثر إثارة للانزعاج في رد الفعل هذا هو المدى الذي ذهبت اليه هذه الجماعات في السعي الى نقل اللوم عن كاهل اسرائىل والقائه على كاهل العرب. فقد تم تصوير العرب باعتبارهم منغمسين في حملة دعائية مضادة لاسرائىل وفي (العودة الى الحيل القديمة في محاولة معاقبة اسرائيل) . اما ما غاب عن هذه الجماعات الامريكية اليهودية على نحو يثير الغيظ فهو ان المعرض الاسرائىلي بذاته كان عملا من اعمال الاستفزاز التي تناقض عملية السلام, وكان من غير المبرر بالمرة, بالطبع, ان تقوم اسرائيل بطرح هذه القضية الحساسة والعاطفية بصورة عميقة في معرض ترفيهي. وقد قامت ديزني على الرغم من تقيّدها بالاتفاق التعاقدي وبالحقائق الواقعية المتعلقة بالحياة في الولايات المتحدة بالتحرك في الاتجاه الصحيح. ويحسب للجامعة العربية أنها قد ادركت طبيعة المسألة وتصرفت على نحو يخفف من حدة الازمة وذلك برفض المزيد من التصعيد. وهناك الآن نداءات تتعالى داعية للسماح للفلسطينيين بان يكون لهم حضورهم في عالم والت ديزني. وهذه دعوة مناسبة وينبغي ان تلقى الدعم والتشجيع من كل الدوائر. ولكن قبل النظر الى هذا الاقتراح أو الى اي اقتراح آخر باعتباره الحل للمشكلات التي فرضها هذا المعرض الاسرائيلي, من المهم وضع المسألة برمتها في سياقها الطبيعي وتمحيص مدى الرغبة في تحقيق كل الخيارات المستقبلية, ففي نهاية المطاف ليست القضية المطروحة هي معرض لشركة ديزني وانما الوضعية المستقبلية للقدس, والعمل الاستفزازي الذي قامت به اسرائيل ليس الا نوعا من الالهاء عن القضية الحقيقية, وحتى اذا كانت شركة ديزني قد ازالت المعرض الاسرائيلي الذي لايمكنها واقعيا وبحسب العقد المبرم القيام به, فان احتلال اسرائيل للقدس سيظل مشكلة ملحة ينبغي التعامل معها في المفاوضات, وحتى اذا لم تكن شركة ديزني قد تحركت لاستبعاد الاشارات الى مطالبة اسرائيل السياسية بالمدينة ولم توافق على اصدار بيانات تعلن عدم تورطها في هذا الامر, فان سيطرة اسرائيل على المدينة ستظل بعيدة عن ان تعترف بها أية حكومة على امتداد العالم. وقد كان العرب محقين في الاحتجاج على المعرض الاسرائيلي المقام تحت سقف شركة ديزني, ولكنهم ينبغي ان يستخدموا مواردهم وتحركاتهم الجماعية للتركيز على الهدف الحقيقي وهو ضمان حل عادل للوضعية النهائية الخاصة بالقدس بما يضمن الحقوق العربية في المدينة. ومما له اهميته ان الاحتجاجات العربية قد نجحت في نزع شرعية المعرض الاسرائيلي الذي يشار اليه الآن باعتباره (مثيرا للجدل والخلاف) ومن المهم مواصلة الضغط دعما للجهد المبذول لاعطاء الفلسطينيين حضورا في ديزني والمعارض المماثلة ولكن المزيد لابد من القيام به ويمكن انجازه بصورة مستقلة عن الاحتفال بالالفية الثالثة لاعطاء المزيد من المعلومات للامريكيين عن القدس. والرأي العام الامريكي متفتح الآن لحسم منصف لوضعية القدس, فقد اوضح استطلاع للرأي اجري مؤخرا ان 68% من الامريكيين يحبذون عدم قيام الولايات المتحدة باي تحرك فيما يتعلق بنقل سفارتها الى القدس الى ان تحسم المفاوضات وضعية المدينة, واوضح الاستطلاع نفسه ان الامريكيين يؤيدون بنسبة 2 الى واحد (اقتسام القدس) وذلك في مواجهة زعم اسرائيل بان المدينة لها وحدها. وهذا الاساس لرأي عام ايجابي ينبغي اضافة المزيد اليه, وينبغي انجاز المزيد من الاعمال التعريفية لتقوية هذه المواقف الامريكية الاساسية القائمة على الانصاف, وينبغي دعوة القادة العرب المسيحيين الى القدوم للولايات المتحدة لتشجيع المسيحيين لدعم حقوقهم التاريخية في الاراضي المقدسة كما يتعين على المسلمين الامريكيين تكثيف جهودهم المهمة في تنوير الرأي العام الامريكي. ولماذا لانقوم كذلك بالدعوة الى حملة اعلامية على المستوى القومي بما في ذلك توظيف التلفزيون واعلانات الواجهات في اورلاندو حيث مقر عالم ديزني لالقاء الضوء على التراث العربي والحقوق العربية في القدس؟ وينبغي كذلك النظر في القيام بحملات توعية خلاقة مماثلة واخيرا فان الدول العربية يتعين عليها مواصلة دعم المفاوض الفلسطيني بايضاح ان هذه العاصفة الصغيرة في ديزني هي دعوة للاستيقاظ اوضحت العمق الهائل للمشاعر التي يكنها العرب جميعا للقدس, وينبغي ان يوضح للاسرائيليين انهم عليهم الكف عن المزيد من الاعمال الاستفزازية وان الاعمال التي تتخذ من جانب واحد في القدس وما حولها ينبغي وقفها ويتعين ان تمضي المفاوضات على اساس تحقيق ما هو عادل ومنصف. وينبغي ان تنتهي العاب حدائق الترفيه الاستفزازية وكذلك ممارسات الحاق الاضرار الخطرة في القدس, ويتعين ان يبدأ العمل الجاد من اجل السلام. * رئيس المعهد العربي الامريكي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات