إحدى القضايا الأساسية التي شغلت بلادنا العربية ـ حكومات ومثقفين وأحزاب ـ هي قضية الوحدة العربية.. ورغم كل الوشائج التي تربط بين البلاد العربية فإن تلك الوحدة لم تتحقق. فلماذا حدث ذلك؟ الحقيقة, ان موضوع الوحدة بين بلدين أو أكثر يدخل ضمن مجال التكامل السياسي والاقتصادي في العلوم الاجتماعية . فماذا يقصد بهذا المفهوم؟ وكيف تبدأ مسيرة التكامل ثم تضرب بجذورها في الأرض؟ يعتبر مفهوم التكامل من الموضوعات التي تشغل اهتمام باحثي أكثر من فرع من فروع العلوم الاجتماعية مثل الاقتصاد والاجتماع والسياسة. فعالم الاقتصاد يتناول الموضوع من زاوية العلاقات الاقتصادية الدولية واشكال التكامل الاقتصادي والاتحادات الاقتصادية بين الدول. وعالم الاجتماع يدرس الموضوع من زاوية العلاقة بين الجماعات المكونة لمجتمع ما, وبالذات في تلك المجتمعات التي تشهد نوعا من (التعددية) , وتتكون من جماعات قومية أو لغوية أو سلالية مختلفة, وهو ما يعرف احيانا بمشكلة التكامل القومي, كما يدرس الشروط الاجتماعية لعملية التكامل بين الدول المختلفة. اما عالم السياسة فإنه يتناول موضوع التكامل على مستويين رئيسيين: أولهما: مجال تحليل النظم السياسية أو التكامل على مستوى الدولة الواحدة, وتثار في هذا المجال موضوعات التكامل بين النخبة والجماهير (ويقصد بذلك مدى وجود فجوة بين النخبة الحاكمة والجماهير المحكومة), والتكامل القيمي (ويقصد بذلك مدى وجود نظام موحد للقيم الاجتماعية والسياسية بين أبناء الشعب وتأثير ذلك على العلاقات السياسية بين الجامعات التي يتكون منها المجتمع, وعلى قدرة الافراد على الانخراط في مشروعات قومية عامة), والتكامل الوطني (وتبرز هذه المشكلة في المجتمعات التعددية التي تتكون من جماعات قومية أو لغوية مختلفة). ومع أن موضوع التكامل, على هذا المستوى, يثار عادة بالنسبة للدول النامية إلا أن الظاهرة لا تقتصر عليها. فبعض الدول الصناعية المتقدمة تواجه هذه المشكلة, مثل كندا بالنسبة لوضع مقاطعة كويبك ذات الاغلبية الفرنسية. وأثير هذا الموضوع بشكل حاد في الدول الوريثة للاتحاد السوفييتي, وفي داخل روسيا نفسها, وفي منطقة البلقان. وثانيهما: مجال دراسة العلاقات السياسية الدولية, وهو ما يعرف باسم التكامل الاقليمي أو الدولي, وتثار في هذا الصدد موضوعات الاتحادات الدولية وأشكالها والحكومة العالمية, والمنظمات الدولية, والسعي الى حل الصراعات الدولية أو تحقيق الامن القومي من خلال التكامل. مجال اهتمامنا في هذا التحليل ليس المستوى الاول الذي يناقش مشكلات التكامل في داخل الدولة الواحدة, ولكن المستوى الثاني الذي يدرس التكامل بين الدول أو الأقطار. وقد ازداد الاهتمام بهذا الموضوع في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, نتيجة بروز الحركات الاتحادية والتكاملية الاقتصادية في عديد من مناطق العالم, وبالذات التجربة التكاملية في أوروبا, ونشوء منطقة التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك, والتعاون الاقتصادي الآسيوي في إطار منظمة الآسيان) . واذا حاولنا تأصيل مفهوم التكامل Integration من الناحية اللغوية, يمكن القول ان الاصل اللاتيني للكلمة هو Integritas, بمعنى التكميل أو التمام أو الكل التام, أما الفعل اللاتيني فهو Integr بمعنى يجعل كلاً أو يكمل, ويبرز مفهوم التكامل في القواميس اللغوية الإنجليزية, في المعاني التالية: تجميع أو توحيد الأجزاء في كل, أو بمعنى يجمع أو يكمل لتكوين كل أو وحدة أكبر, أو أنها عملية ربط الأجزاء المنفصلة وتجميعها وإضافتها, بعضها الى بعضها الآخر, لتكوين كل متكامل. وفي القواميس العربية يرد المفهوم بمعنى مماثل, ففي القاموس العصري بمعنى تكميل وتتميم, وفي المورد بمعنى توحيد, وفي المصباح المنير بمعنى (يقال كمل الشيء اذا تمت أجزاؤه وكملت محاسنه) . وبدون الإغراق في التعريفات اللغوية يمكن التمييز بين اتجاهين رئيسيين في التعريف بالمفهوم: اتجاه عام يعرف التكامل بأنه أي شكل من أشكال التعاون أو التنسيق بين دول مختلفة دون المساس بسيادة أي منها. فيرى أحد الباحثين ان مفهوم التكامل يشير الى (حالة من السلام بين الشعوب) , وينتقد هذا التعريف لاتساعه, مما يجعل كل التفاعلات أو العلاقات ذات الطابع التعاوني أو السلامي بين الدول بمثابة علاقات تكاملية, وهو ما يجعل من التكامل مفهوما لا معنى له. واتجاه أكثر تحديدا ينظر الى التكامل, باعتباره عملية تطوير للعلاقات بين دول وبناء لاشكال جديدة مشتركة من المؤسسات والتفاعلات التي تؤثر على سيادة الدولة. فيرى ارنست هاس ان التكامل (هو تلك العملية التي بمقتضاها يقوم عدد من الفاعلين السياسيين في عدد من الدول بتغيير ولاءاتهم وتطلعاتهم وانشطتهم السياسية نحو مركز جديد تمتلك مؤسساته اختصاصات تعلو تلك التي تمتلكها الدولة القومية) . ويرى سترايتين ان التكامل السياسي هو (تكوين نظام سياسي جديد من عدة نظم سياسية) ويشير الى الطريقة التي تطرح بها التغيرات في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية تأثيرها على التحول في الولاء وسلطة صنع القرار من المستوى الوطني الى المستوى ما فوق الوطني أو هو بعبارة أخرى عملية نقل اختصاصات صنع القرار وسلطاته في مجالات معينة من الدول الى هيئات ومؤسسات اقليمية أو دولية. وهو ما حدث تدريجيا بين دول الاتحاد الاوروبي. وهنا يبرز مفهوم أكثر تحديدا ودقة للتكامل. فالتكامل يشير, وفقا لهذا التعرف, الى نشاط مشترك بين عدد من الدول تتنازل فيه كل منها عن قدر من اختصاصاتها في مجال ما لمؤسسات مشتركة, والتكامل الاقليمي اذن هو دراسة كيف تتنازل الدول طواعية عن جزء من اختصاصاتها وحريتها لمؤسسات اقليمية أو دولية. وفي اطار هذا المفهوم المحدد للتكامل, فإن بدء العملية التكاملية واستمرارها يتطلب عددا من المتطلبات والشروط التي ينبغي توفر بعضها أو كلها لضمان استمرار العملية. ويمكن عرض أهم هذه الشروط فيما يلي: * وجود العدو الخارجي المشترك: هذا الرأي يؤكد على أهمية وجود العدو المشترك ودوره في ايجاد (البيئة) الموضوعية للتكامل بين الدول المعرضة للعدوان أو التي قد يتهددها هذا الخطر, والتي تدفعها الى مزيد من التنسق والتعاون لمواجهته. * الاحساس بالتوزيع العادل للمكاسب: ويقصد بذلك أن أحد شروط عملية التكامل هو احساس اطراف العملية بأن الكل يمكن ان يستفيد بدرجات متقاربة في مجالات مختلفة من العملية التكاملية. وأنه توجد مكاسب اقتصادية أو سياسية نتيجة العملية التكاملية لا يمكن أن تحدث بدونها مثل اقامة مشروعات اقتصادية ضخمة أو صناعات عسكرية متقدمة أو بحوث علمية من الصعب على كل دولة على حدة أن تقوم بها.. إلخ, وبالعكس, فإن تصور بعض الاطراف ان هناك خسارة أكيدة لها, أو أن هناك أطرافا تكسب وأخرى تخسر, يكون من شأنه إعاقة العملية التكاملية. * الثقافة السياسية المشتركة: ويقصد بذلك وجود قيم سياسية مشتركة أو متقاربة بين اطراف العملية التكاملية, الأمر الذي يوجد الاحساس المشترك بأهمية التكامل, والشعور بأنهم اقرب بعضهم الى بعضهم الآخر, من علاقاتهم باطراف ودول اخرى وهو ما يؤدي الى سرعة الاستجابة النفسية والعاطفية للرسائل التي يوجهها كل طرف إلى الآخر. * وجود نخب حاكمة ذات أهداف وسياسات متقاربة: ويقصد بذلك وجود نخب حاكمة متقاربة من حيث الاهداف والسياسات في البلاد التي ترغب في إقامة علاقات تكاملية بين بعضها وبعضها الآخر, وهو ما يوفر الإرادة السياسية الفاعلة والضرورية للقيام بالتكامل اقتصاديا كان أم اجتماعياً. * وجود المؤسسات والمنظمات الاقليمية الحكومية وغير الحكومية القادرة على تنشيط التفاعلات والتبادلات بين الأطراف وتدعيمها, وتأكيد الاعتماد المتبادل بينها والعمل على مواجهة التوترات التي تنشأ من خلال العملية التكاملية, والقدرة على ابقاء الخلافات في داخل المؤسسات وحلها في إطارها. * انه من الخطر للغاية بدء العملية التكاملية بتحدي مفهوم (سيادة الدول الاطراف) أو اثارة النعرات الوطنية, ولكن من الافضل البدء بمجالات لاتثير مثل هذه الحساسيات, وان من افضل الادوات لتحقيق التكامل الاقليمي هو اجراءات التكامل الاقتصادي, في حين لاتقود التحالفات العسكرية الى الدرجة نفسها من النجاح. هذه العناصر والاعتبارات هي خلاصة الخبرة التاريخية لنماذج التكامل الناجحة, كما انها نتاج جهد الباحثين والمفكرين الذين طرحوا عددا من النظريات في مجال تحقيق التكامل والتي ينبغي اخذها بعين الاعتبار عند التخطيط للتكامل بين الدول. والذي يريد ان يفهم لماذا لم تتحقق الوحدة العربية أو لماذا لم تنجح محاولات التكامل العربي, عليه ان يعيد قراءة النقاط السابقة.