بعد حرب أكتوبر ,1973بدأ الرئيس الراحل (أنور السادات) يبحث عن صيغة للتعددية السياسية والحزبية, تنهي عهد الحزب الواحد, الذي عاشت مصر في ظله منذ ألغيت الأحزاب في عام1953.ولاحظ الكاتب الكبير الراحل(أحمد بهاء الدين)وكان من بين من ناقشهم السادات فيما يفتش عنه ـ أن (السادات) كان يبحث عن نظام سياسي, ليس هو (الجمهورية البرلمانية) التي تضع كل السلطة في يد البرلمان, وليس هو الجمهورية الرئاسية التي تضع كل السلطة في يد الرئيس, وان النموذج الذي يستهويه, هو الدستور الذي وضعه (ديجول) للجمهورية الخامسة في فرنسا. ولم يعترض (بهاء) على التفكير بالأخذ بالصيغة الديجولية (إذ كان من رأيه ـ آنذاك ـ ان تلك صيغة مناسبة وصالحة لبلاد العالم الثالث, التي لم تتدرب بعد على الديمقراطية ولم تترسخ فيها قواعدها.. الا أنه لاحظ أن الدستور المصري ـ الذي أصدره السادات نفسه عام 1971 ـ قد تخطى (دستور ديجول) وأنه يعطي رئيس الدولة سلطات هائلة وشبه مطلقة. يا أحمد.. عبدالناصر وأنا.. آخر الفراعنة.. هو (عبدالناصر) كان محتاجا لنصوص علشان يحكم بينها.. ولا أنا محتاج لدستور.. السلطات اللي بتقول عليها دي أنا حاططها في الدستور للي ح ييجي بعدنا.. ح ييجي بقى رؤساء عاديين (محمد) و(علي) و(عمر) يحتاجوا للنصوص دي عشان يمشوا شغلهم. وعاد (بهاء) يسأل الرئيس تفسيرا لماظنه تناقضا بين تفكيره في ايجاد نوع من التعددية الحزبية, وبين اصراره على بقاء السلطة المطلقة للرؤساء التالين له في نصوص الدستور فقال له السادات: اسمع.. فيه حاجة الأفنديات ما يفهموهاشي.. لكن انت قاري تاريخ وتفهمها.. الجيش يا أحمد دخل السياسة.. معنى كده أنه لن يخرج منها قبل ثلاثين سنة.. وأنا لما أفكر في طريقة للتعدد السياسي والمؤسسات وغيره.. عاوز أعمل توازن بين الحياة المدنية وبين القوات المسلحة. ويقول (بهاء) ان الفكرة بدت له أقرب الى (الصيغة التركية) منها الى (الصيغة الديجولية) , حيث تمارس المؤسسة العسكرية ـ في تركيا ـ نوعاً من النفوذ السياسي غير المباشر على الحكم, على الرغم من وجود الاحزاب والبرلمان, وأن السادات اهتم بملاحظته وطلب منه ان يرسل اليه كل ما يستطيع الحصول عليه من معلومات حول الصيغة التركية, فارسلها اليه. والغالب ان المنطق الذي كان يفكر به (السادات) , كان هو نفسه المنطق الذي دفع (عبدالناصر) ـ في بداية الستينيات ـ وبعد ان بدأت ملامح الصراع على السلطة بينه وبين المشير عبدالحكيم عامر ـ للتفكير في انشاء جهاز سياسي داخل (الاتحاد الاشتراكي العربي) , هو ما كان يعرف بـ (تنظيم طليعة الاشتراكيين) ليكون بمثابة جهاز مدني يوازن النفوذ الذي حققه المشير عامر بسيطرته المنفردة على المؤسسة العسكرية بل واتجه تفكيره لانشاء فروع لهذا التنظيم داخل القوات المسلحة, وهو ما قاومه (عامر) بضراوة متذرعاً بأنه يخل بالانضباط العسكري, ثم دخل في صراع مكشوف ضد الاتحاد الاشتراكي, وتنظيم طليعة الاشتراكيين وتعامل معهما باعتبارهما قوة منافسة لنفوذه. وقد يبدو منطق (السادات) وقبله منطق (عبدالناصر) مقبولا لدى البعض حتى اليوم.. ولكن الشواهد التاريخية تثبت ان نظم الحكم التي تأخذ بها معظم الجمهوريات الرئاسية العربية, والتي تأثرت الى حد كبير بالتجربة المصرية, قد تجاوزت الصيغة التركية والصيغة الديجولية, وانها اتخذت من التسليم بحتمية وجود ظل للمؤسسة العسكرية على الحياة السياسية, ذريعة لكي تدمج كل السلطات في السلطة التنفيذية, وتهمش الدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني, في ادارة شؤون البلاد, وتصادر حق الشعب في أن يكون مصدر كل السلطات.. وفي أن يختار الذين يحكمونه ويحاسبهم.. والحقائق التاريخية تقول ان المؤسسة العسكرية في مصر اعتزلت العمل السياسي تماما بعد ازمة مارس 1954, وانها انحازت إلى الشرعية في حل الصراعات التي دارت حول السلطة, ومن بينها الصراع بين (عبدالناصر) و (عامر) عام 1967, وبين (السادات) و(علي صبري) عام 1971,وهو ما حدث في العراق منذ تولي حزب البعث الحكم فيه عام 1968 وفي سوريا منذ عام 1970, وهي تقول ان عبدالناصر ما كاد يحسم الصراع بينه وبين عامر على السلطة ويسترد سيطرته على المؤسسة العسكرية حتى فتر حماسه لوجود تنظيم سياسي حتى لوكان حزبا وحيدا, وكان ذلك ما فعله السادات الذي حرص منذ البداية على ان تظل حركة الاحزاب ـ بما في ذلك الحزب الذي أسسه ورأسه ـ هوامش على المتن الذي تمثله السلطة التنفيذية, وهو لا يزال شائعا حتى الآن في معظم الجمهوريات العربية, القاسم المشترك بينها جميعا هو انها تقوم على سلطة تنفيذية قوية تبسط هيمنتها على كل السلطات, بلا شريك , بلا تداول وبلا رقيب, سواء قامت على حزب واحد, أو على تعددية حزبية. والمراجعة السريعة لتاريخ النظام السياسي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين تكشف عن التأثير السلبي الكبير الذي لعبه وجود اسرائيل على تطور هذا النظام في اتجاه مزيد من الديمقراطية ومزيد من مشاركة المحكومين في حكم أنفسهم, لينتهي إلى هيمنة السلطة التنفيذية على غيرها من السلطات, والغاء أي مشاركة حقيقية في اتخاذ القرار وأي رقابة شعبية عليه, فقبل العام 1948 كانت معظم الاقطار العربية المستقلة تأخذ إما بالنظام الملكي الدستوري مثل العراق ومصر وإلى حد ما الأردن, أو بالنظام الجمهوري البرلماني مثل سوريا ولبنان, ولم تكن الدول العربية الخاضعة لاحتلال مباشر تخلو من اشكال تمثيلية جنينية تكفل لها درجة من المشاركة في حكم أنفسها, بكت عليها فيما تلا ذلك من أزمان, عندما فقدت في عهود الاستقلال كل حق لها في ان تبدي رأيا أو تجتهد في أمر من أمور الوطن, على نحو ربما دفع بعض مواطنيها للترحم على عهد الاستعمار السعيدالذي عاشت في ظله أوفر كرامة وأكثر حرية مما توفر لها في ظل الحكم الوطني غير السعيد. ثم جاءت هزيمة 1948 وتأسيس دولة اسرائيل في المنطقة, لتعطي دوراً مميزا للمؤسسة العسكرية العربية, التي نهضت مشكورة لتثأر من الهزيمة وتضع فأسها في رقبة النظم السياسية التقليدية في أكثر من قطر عربي, فقلبتها وحلت محلها, لكي تجيش طاقات الأمة من أجل تحرير فلسطين أو من أجل القضاء على الفساد, أو التحرر من بقايا الوجود الاستعماري, أو تحقيق التنمية, أو اتمام الوحدة العربية, أو تحقيق الاشتراكية (العلمية أحيانا والعربية أحيانا والرشيدة أحيانا وكله عند العرب اشتراكية). ولسبب ما لا داعي لذكره حتى لا نقع في الغلط, اعتبرت هذه الانقلابات ان المسؤول الثاني أو الأول مكرر عن هزيمة 1948, وعن الظلم الاجتماعي والتجزئة والتخلف وبقاء الاستعمار, هو الديمقراطية فقررت ان تنقلب عليها فيما انقلبت عليه, وكان أديب الشيشكلي قائد ثالث الانقلابات العسكرية السورية هو أول من توصل إلى هذا الاكتشاف المثير فقرر عام 1953 تحويل الجمهورية البرلمانية إلى جمهورية رئاسية, والغى الأحزاب, وأخذ بفكرة الاستفتاء بدلا من الانتخاب, وشكل حزبا وحيدا سماه (حركة التحرير) . ثم انتقلت الكرة الى مصر في اعقاب ثورة 23 يوليو 1952, التي الغت دستور 1923 وشكلت لجنة من 50 عضوا لوضع دستور جديد, انتهت من عملها بعد حوالي عامين, وصاغت دستورا يقوم على أساس الأخذ بالنظام الجمهوري البرلماني, لكن عبدالناصر وضع مشروع الدستور في درج مكتبه, وكلف أحد مستشاريه بأن يصوغ له دستورا آخر, يقوم على الأخذ بالنظام الجمهوري الرئاسي, وعلى التنظيم السياسي الواحد. أما وقد تحولت مصر من ملكية دستورية إلى جمهورية رئاسية فقد كان طبيعيا ان تفضل كل الانقلابات أو الثورات التي قادها العسكريون العرب بعد ذلك, الأخذ بنفس الصيغة التي تكفل لهم تحقيق أحلام الأمة من تحرير فلسطين إلى استرداد لواء الاسكندرونة السليب, ومن تحقيق الاستقلال الى تحقيق الرخاء ومن توحيد الامة الى نشر العدل الاجتماعي بين ربوعها, ثم هو نظام متعب, يكلفهم ما لا يطيقون, وهو الجلوس على مقاعد الحكم لسنوات طويلة ومتصلة, يحاولون حل مشاكل شعوب ناكرة للجميل, لا تكف عن الشكوى ولا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب. وهكذا تحولت الملكية الدستورية في العراق والاستبدادية في اليمن الى جمهوريات رئاسية, وهو ما فعلته دول عربية كانت خاضعة لحكم استعماري مباشر مثل تونس والجزائر.. وبدا واضحا ان العرب الثوريين يفضلونها جمهوريات رئاسية, تقوم على سلطة تنفيذية قوية تدمج فيها كل السلطات, تشرع لنفسها بنفسها, وتراقب ما تقوم به عن طريق اجهزة تتبعها, فهي ـ كمساحيق الغسيل ـ تقوم بكل العمل.. تحكم وتسود وتشرع وتنفذ, وتقضي وتحبس, وتراقب وتجلد! وكان طبيعيا وقد اصبحت الجمهورية الرئاسية هي نمط الحكم الشائع في الدول الثورية والراديكالية التي تتحدث باسم العمال والفلاحين وتمثل أوسع جماهير الشعب, ان تتوقف النظم الملكية العربية, التي كانت قائمة آنذاك, عن ان تكون ملكيات دستورية, وان تعزف عن ان تكون كذلك بعد جلاء القوات الاجنبية عنها, لأن مفيش حد احسن من حد, ومفيش نظام ملكي يمكن ان يكون اكثر ديمقراطية من نظام جمهوري, فنحن ـ كما لا يخفى على سيادتكم ـ نعيش في بلاد العُرب اوطاني من الشام لـ (تطوان) , ولسنا في انجلترا, وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن الديمقراطية البريطانية! وليس معنى هذا الكلام الفارغ كله, ان الدوافع التي أملت الأخذ بالنظم السياسية العربية القائمة ليست مهمة, وليس معناه انها لم تنجز شيئا.. فقد كانت جزءا من تيار عارم ساد العالم الثالث في أعقاب الحرب الكونية الثانية, يرى ان الديمقراطية على النمط الغربي, لا تصلح للدول الفقيرة والمتخلفة وحديثة الاستقلال, وان الحكم الفردي الذي يقوم على سلطة تنفيذية قوية, هو القادر وحده على ان يحقق لها احلامها ويقفز بها فوق الفجوة الحضارية التي تفصلها عن العالم المتقدم. أما وقد تغيرت الدنيا فقد آن للنظام العربي ان يتغير معها اذا ارد ان يعيش على خريطة عالم الالفية الثالثة, وان يعود كما كان, ملكيات دستورية أو جمهوريات برلمانية, وأن يسترد الاختيار الديمقراطي الذي هجره اصلا في تحرير ما ضاع من فلسطين في حرب 1948, فكانت النتيجة ان اسرائيل ـ التي لم تهجره ـ استولت على ما تبقى منها. مع خالص احترامي وولائي لسيادة النظام العربي حفظه الله! على غير ما هو عليه!